|

|
|
عبد الله بدوي بين أنصاره
|
مع
فوز "عبد الله أحمد بدوي" في انتخابات
مارس 2004، دخلت ماليزيا طورا جديدا على عدة
أصعدة: الصعيد الأمني، الصعيد الإقليمي،
الصعيد العالمي.
على
أن دخول ماليزيا في هذا الطور قد تواكب وترافق
مع تدهور ملحوظ في رموز المعارضة الداخلية.
فقد مُني "الحزب الإسلامي الماليزي"
بخسارة فادحة في ولاية "تيرينجانو"؛
وكذلك فقد حزب "العدل" جاذبيته وزخمه؛
أما الخسارة العظمى، فقد تمثلت في فشل "أنور
إبراهيم" -نائب رئيس الوزراء السابق- في
توحيد المعارضة الماليزية، على الرغم من
خروجه من السجن بعيد الانتخابات. فاتهامه
بالفساد والشذوذ، إضافة إلى إصلاحاته التي
فقدت جاذبيتها هي الأخرى أمام الإصلاحات
المؤسساتية التي قام بها الرئيس الجديد، كانت
سببا كافيا وراء فشله.
ولعل
هذا التدهور كان عاملا رئيسيا وراء دخول "بدوي"
بكامل قوته وثقله في الطور الجديد، دون عمل
اعتبار أو حساب لأي معارضة كانت.
تكثيف
البيئة الأمنية
الأمر
الملاحظ في تقرير "بروكينجز" -الذي أعدته
الباحثة "إلينا نور"- هو توجه الدولة
الماليزية نحو تكثيف الأمن الداخلي بشكل
ملحوظ؛ فقد شهدنا في ظل عام واحد -منذ ولاية
"بدوي"- عددا من التطورات التالية:
-
تكثيف الأمن البحري في شرق آسيا
-
إعداد شرطة بحرية على أعلى مستوى
-
تجهيز 84 سفينة -من إجمالي 86- لتكون متوافقة مع
متطلبات كود الأمن الدولي للسفن والموانئ
-
إنفاق 7 بلايين دولار على الجيش والشرطة في
عام واحد (2004)؛ وهو تقريبا نفس المبلغ الذي
أنفقته الدولة "المحاضيرية" الماليزية
على مدار 5 سنوات
-
صرف 8 بلايين دولار للقطاع الأمني في عام 2005،
وهو ما يعادل 10.6% من الناتج المحلي
-
تدشين الخطة الماليزية التاسعة (2006-2009) التي
تستهدف أولا الحصول على صواريخ قريبة ومتوسطة
المدى من الصين (KS-1A) وثانيا تحديث أسطول
طائرات الهليوكوبتر
-
حصول متزايد على آليات وأدوات الدفاع، وهو
أمر لم يحدث إلا من بعد تخلص ماليزيا من
الأزمة الاقتصادية الآسيوية التي أوقفت عجلة
النماء في أثناء التسعينيات
-
التوجه المتزايد نحو الاعتماد على الذات في
الدفاع، مما أنعش ودعم الاقتصاد الماليزي
-
التزايد الملحوظ لحراسة الشرطة البحرية
الماليزية في مضيق "ملكة"
-
مراقبة المصانع النووية ذات العلاقة مع
العلماء الباكستانيين؛ وقد أغلقت الشرطة
الماليزية مؤخرا مصنعا نوويا، وقبضت على رجل
وسيط يُسمى "بوهاري سيد أبو طاهر"، متهمة
إياه بارتباطه بالعالم الباكستاني المسئول
عن توريد الـ know how إلى ليبيا وإيران وكوريا
الشمالية
تكثيف
الوشائج الإقليمية
أدركت
الدولة الماليزية الجديدة مدى أهمية دعم
الوشائج الإقليمية في الحفاظ على أمنها
القومي؛ إذ رأت أن سلامة دول "الآسيان"
من سلامتها. فهي إن لم تدعم علاقاتها مع
إندونيسيا فستكون النتيجة المتوقعة هي تفاقم
مشكلة المهاجرين الإندونيسيين غير الشرعيين
إلى ماليزيا، ومن ثم ازدياد معدل الجرائم،
مما لا يعزز من الأمن القومي الماليزي.
وهي
إن لم تدعم علاقتها مع تايلاند فستكون
النتيجة المتوقعة هي نقل النزاعات الدينية من
تايلاند إلى ماليزيا. وهي إن لم تدعم علاقتها
مع الصين فستكون النتيجة المتوقعة هي خسارة
قدر كبير من تجارتها مع تلك الدولة التي
تضاعفت 14 مرة منذ عام 1990. وهي إن لم تدعم
علاقتها مع سنغافورة فستكون النتيجة
المتوقعة هي فقدان الأمن في مضيق "ملكة"،
ومن ثم تعرض السفن التجارية لمخاطر جسيمة.
ولم
تتوقف الدولة الماليزية عند ذلك، بل اتجهت
أيضا إلى لعب دور الوسيط بين الحكومة
الفلبينية ومقاومي جبهة التحرير "المورو"
الإسلامية المتواجدين في جنوب الفلبين؛
فنظمت في عام 2004 فريقا دوليا لتعزيز السلام في
داخل البلاد. وفي العام ذاته اجتمعت مع
أستراليا ونيوزيلاندا وسنغافورة وبريطانيا
لتدشين التنسيق الدفاعي FPDA الذي يقضي بدعم
التعاون المستقبلي إزاء السيناريوهات غير
المتوقعة.
تمثيل
الإسلام عالميا وأمريكيا
وبحكم
وصولها إلى رئاسة "منظمة المجتمع الإسلامي"
و"حركة عدم الانحياز" في عام 2004، صارت
ماليزيا محل أنظار العالم الإسلامي. وقد ظهرت
وتجلت مواقفها الدولية "غير المتحيزة" و"السلمية"
في خلال العام المنصرم، والتي تمثلت في
التالي:
-
دعوتها إلى نشر قوات السلام للأمم المتحدة
للحد من النزاع الفلسطيني الإسرائيلي
-
تأييدها لخارطة الطريق
-
رفض الاقتراح السعودي بنشر قوات مسلمة
بالعراق لتعمل تحت لواء الأمم المتحدة
-
تشجيع "البشير" على حل أزمة "دارفور"
حتى لا يتعرض لعقوبات اقتصادية تهدد حكومته
-
إرسال بعثات إغاثية إلى السودان للعمل مع
وزارة الشئون الإنسانية والوكالة الدولية
للإغاثة الإسلامية
وتعتبر
"ميرسي ماليزيا" Mercy Malaysia المنظمة
الإغاثية الآسيوية الوحيدة المُسجلة على
الأراضي السودانية؛ ولا عجب في ذلك،
فالمنظمات غير الحكومية الماليزية تصل إلى 78
منظمة.
فتح الباب على مصراعيه مع واشنطن بعد زيارة
"بدوي" إليها في يوليو 2004، وتجديد
البيزنس الأمريكي الماليزي
وبالنسبة
إلى النقطة الأخيرة بالذات فقد تناولت "إلينا
نور" الدور الحضاري الجديد الذي قرر "بدوي"
اتخاذه، وهو جعل ماليزيا منارة وواحة "الإسلام
الحضاري المعتدل" لمحاربة شتى أصناف "التطرف".
وتحدث
التقرير بصراحة أكثر، فذكر نظرية "العقول
والقلوب" الماليزية التي يتبناها "بدوي"
من أجل نشر ثقافة "الاعتدال"؛ وذلك عبر
تجنيد الخبراء والعلماء والدعاة "المعتدلين"
لمحاربة "المسلحين"؛ ومنها إرسال ذلك
الصنف من الدعاة إلى جنوب تايلاند بهدف "تعديل"
عقول وقلوب المقاومين هناك.
وقد
نجد "الحزب الإسلامي الماليزي" -كما تشير
"نور"- معارضا لذلك الدور الحضاري
الجديد؛ إلا أنه في ظل خفوت المعارضة
الماليزية إلى حد ما، كما أوضحنا من قبل، وفي
ظل تأييد واشنطن لذلك الدور، أضحى "الإسلام
الحضاري" هو المعنى الحقيقي للإسلام، وما
سواه غير حقيقي؛ الأمر الذي أهل ماليزيا
لتكون جسر التواصل بين واشنطن والعالم
الإسلامي.
وعلى
الرغم من تلك "الليونة" التي باتت عليها
العلاقة الماليزية الأمريكية فإن ذلك لم يمنع
"بدوي" من رفض انتشار القوات الأمريكية
في مضيق "ملكة" بحجة مقاومة الإرهاب،
مشيرا إلى أن القرصنة المتواجدة في المضيق لا
يمكن إدراجها تحت مُسمى الإرهاب.
وعلل
"بدوي" رفضه لاقتراح الأدميرال الأمريكي
"توماس فارجو" في مارس 2004 بأن انتشار
القوات الأمريكية في هذا المضيق هو الذي
سيجلب الإرهاب وهو الذي سيستفز الإرهابيين،
وليس العكس كما تتصور أو تتخيل الإدارة
الأمريكية.
ويبدو
أن رفض "بدوي" للمطلب الأمريكي ينبعث من
الهاجس الأمني أكثر من أي هاجس آخر. فالتخوف
من استفزاز "الإرهابيين" يسبب له قلقا
أمنيا خاصة في ظل رفض الإسلاميين لتقاربه مع
واشنطن.
ونستطيع
القول: إن هاجس الأمن يمثل المُشكل الأساسي
والأصلي لتوجهات الرئيس الماليزي الجديد،
سواء على المستوى الداخلي أو الإقليمي أو
الدولي.
فهو
يسعى إلى تأمين بلاده داخليا من خلال مراقبة
المصانع النووية "الإرهابية" من ناحية،
واسترضاء الشعب الماليزي عبر حملاته ضد
الفساد من ناحية أخرى؛ ويسعى إلى تأمين بلاده
إقليميا من خلال تحسين العلاقات مع دول
الجوار من ناحية وتكثيف الإنفاق على الدفاع
من ناحية أخرى؛ ويسعى إلى تأمين بلاده دوليا
من خلال تقديم "الإسلام الحضاري"
ومسايرة المناخ الدولي من ناحية، والاقتراب
إلى القوة العظمى من ناحية أخرى.
اقرأ أيضا:
*باحثة
بمركز "بروكينجز"الأمريكي، صاحبة تقرير
"الرؤية الأمنية لآسيا-الهادئ"، الصادر
عن المركز في أغسطس 2005.
**باحثة
دكتوراه بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية
بجامعة القاهرة
|