|

|
|
الناخب المصري يفضل في أحيان كثيرة المرشح المستقل |
يرى
البعض أن ظاهرة المرشحين المستقلين في
الانتخابات البرلمانية المصرية ظاهرة سلبية،
وتشير إلى ضعف الحياة السياسية والأحزاب
السياسية. ومن الواضح أن الظاهرة في تنامٍ،
خاصة منذ انتخابات عام 2000 وحتى انتخابات 2005.
والقول بأن ظاهرة المستقلين ظاهرة سلبية أمر
يحتاج إلى مراجعة، وهو في الواقع يبنى على بعض
التصورات التي نجدها في الواقع الغربي. ولكن
الواقع المصري، وأيضا الواقع العربي عامة،
يكشف عن ملامح مختلفة لممارسة الحياة
السياسية.
والحقيقة
أن البحث في دلالة ظاهرة المستقلين يزداد
أهمية خاصة أن النظام الحاكم يحاول القضاء
على هذه الظاهرة من خلال التشريعات القانونية
وتعديلات الدستور الأخيرة،مما قد يؤدي إلى
وأد الظاهرة بصورة متعسفة وقهرية، خاصة مع
النية الواضحة لتعديل الدستور حتى يصبح الأخذ
بنظام القائمة الانتخابية دستوريا، مما يعني
صعوبة نجاح المرشح المستقل.
وبالطبع
يمكن أن نتوقع أن موقف النظام الحاكم يهف للحد
من دور جماعة الإخوان المسلمين، ولكن الوقائع
تؤكد أيضا أن النظام بات يخشى ظاهرة
المستقلين عامة.
ظاهرة
غير سلبية
يلاحظ
أن الترشيح المستقل يفتح الباب أمام ظهور
القيادات المحلية التي تكتسب خبرات تمكنها من
الفوز في الانتخابات. كما يعد بابا أمام
التيارات السياسية الناشئة كي تختبر تواجدها
في الشارع السياسي. كما أنه الباب الذي يمكن
التيارات التي لم يسمح لها بإنشاء أحزاب
سياسية مثل جماعة الإخوان المسلمين، من
الترشح في الانتخابات البرلمانية. كما يمكن
بعض التيارات التي قد لا ترغب في تشكيل أحزاب
سياسية مثل الحركة السلفية، من التقدم
بمرشحين مستقلين.
بهذا
يمكن أن نرى أن المرشحين المستقلين هم جزء
أساسي من حالة الحراك السياسي، أي إن وجودهم
يمثل مرحلة مهمة في تشكيل الحياة السياسية.
وعليه فإننا نحتاج لتأكيد أهمية هذه الظاهرة
حتى تتشكل القوى السياسية التي يمكن أن تعبر
عن مختلف توجهات الناخبين. ولكن دور المرشح
المستقل لا يقف عند هذا الحد، بل يعبر أساسا
على وجود نزعة انتخابية واضحة لدى الناخب
المصري لاختيار القيادة المحلية كممثل له في
البرلمان، مما يعني أن الاختيار لا يتم على
أساس اختيار النخب السياسية الفاعلة في
الأحزاب السياسية، بقدر ما يتم اختيار
القيادة المحلية المؤثرة.
كذلك
يلاحظ أن القيادات المحلية ترتبط بالعصبيات
والانتماءات العائلية والقبلية، أو
الانتماءات الجغرافية للمهاجرين من الريف
إلى المدينة أو المهاجرين من مدن مصر إلى
القاهرة. والمشكلة في الواقع أننا ننظر لتلك
الانتماءات وتأثيرها بوصفها ظاهرة سلبية، في
حين أنها ظاهرة إيجابية في تصورنا؛ لأن تلك
التكوينات تعبر عن الحالة الاجتماعية، وتشير
بوضوح إلى التكوينات الاجتماعية المحلية،
والتي يقوم على أساسها ظهور القيادات المحلية.
فالقيادة المحلية تأتي كتعبير عن التنظيم
الاجتماعي السائد في مكان معين، مما يجعل لها
دورا أساسيا في مجمل النظام الاجتماعي السائد.
وهو أمر مهم في الحياة الاجتماعية للمصريين،
حيث يقوم النظام الاجتماعي بدور مؤثر في
تسيير الحياة اليومية لعامة الناس.
ومن
خلال هذا المنظور، نرى أن المرشح المستقل هو
جزء من الحالة الاجتماعية للمنطقة
الجغرافية، وهو بهذا يربط الأوضاع
الاجتماعية بالأوضاع السياسية، وهذا أمر
إيجابي أيضا. ولكن علينا أن نفرق بين تلك
الصورة وبين الظواهر السلبية التي تشهدها
الانتخابات المصرية، ومنها دور المال أو دور
البلطجة. فهذه الظواهر السلبية لا ترتبط
بظاهرة المرشحين المستقلين، بل ترتبط في
الواقع بتزايد حالة الفساد والاستبداد على
المستوى السياسي عامة.
الاجتماعي
يأتي أولا
تلك
الصورة في الواقع تؤكد غلبة العامل الاجتماعي
على العامل السياسي في الانتخابات
البرلمانية في مصر. وتلك ليست صورة سلبية، بل
هي صورة تعبر عن الواقع الثقافي والحضاري
المصري والعربي. فالأساس التنظيمي في حضارتنا
يقوم على أولوية الاجتماعي على السياسي،
وأولوية الديني على الاجتماعي، وأولوية
الأمة على الدولة،أي إننا بتعبير دقيق أمة
دينية اجتماعية، قبل أن نكون شعبا سياسي
النزعة. وهذه الطبيعة الاجتماعية يجب أن
تراعى في تنظيم الحياة السياسية.
والحركات
الإسلامية، ومنها جماعة الإخوان المسلمين
تمثل النموذج الأوضح لتلك الظاهرة، فهي حركات
اجتماعية في الأساس وقبل أن تكون حركات
سياسية، وهي ذات اهتمامات حياتية شاملة،
وتقوم على الدافع الديني؛ ولهذا نجد أن جماعة
الإخوان المسلمين تتحرك في الانتخابات
بوصفها قوى اجتماعية محلية، بجانب أنها قوى
سياسية. وتلك الرابطة بين البعد الاجتماعي
والسياسي، بجانب العامل الديني، تكسب حركة
الإخوان زخما سياسيا لا تتمتع به الحركات
السياسية الأخرى ولا الأحزاب ولا النظام
الحاكم.
والنظام
الحاكم في مصر يحاول إقامة رابطة مصالح مع
القيادات المحلية، وهو أمر انقلب عليه في
نهاية الأمر؛ لأنه أصبح يواجه بمنافسة حادة
بين القيادات المحلية التي ارتبطت به. ولكن
هذه المعالجة من قبل النظام الحاكم أشاعت
حالة من التربح من العملية الانتخابية، ولا
تمثل في الواقع رابطا صحيحا بين السياسي
والاجتماعي؛ ولهذا تحتاج كل القوى السياسية
إلى إقامة رابطة سلمية بين الواقع الاجتماعي
وبين مشروعها السياسي، يقوم على أساس جذب
التكوينات الاجتماعية لمشروعها، والتحالف
معها على أساس الموقف الاجتماعي السياسي
المشترك.
وفي
كل الأحوال لن تستوعب التكوينات الاجتماعية
بكاملها في الأحزاب السياسية؛ لهذا يبقى
المرشح المستقل تعبيرا عن حالة اجتماعية،
تؤدي إلى دعم الحراك السياسي، وتجعل له أساسا
اجتماعيا.
اقرأ أيضا:
**مفكر
وباحث اجتماعي
|