|
حماس
في الحكم.. التجربة الإسلامية الأصعب
|
|
محمد
جمال عرفة**
|
31/01/2006
|
|

|
|
أنصار لحركة حماس يحتفلون بمخيم خان يونس للاجئين |
رغم
أن قوى وحركات وأحزابا إسلامية حققت
نجاحا ملحوظا في قرابة 5 انتخابات
برلمانية على مدار الأعوام الثلاثة
الماضية في المغرب والبحرين وتركيا
والعراق ومصر، فإن فوز حركة حماس
الأخير بأغلبية المقاعد في انتخابات
المجلس الوطني للسلطة الفلسطينية
واقتراب الحركة من تشكيل حكومة ذات
صبغة إسلامية لأول مرة في التاريخ
العربي الحديث يعد بمثابة انقلاب في
العالم لكونه التجربة الثالثة التي
يفوز فيها حزب إسلامي بالأغلبية
ويقترب من تشكيل الحكومة.
وقد
تعرضت التجربتان السابقتان (الجبهة
الإسلامية للإنقاذ بالجزائر، وجبهة
الإنقاذ بالسودان) لمؤثرات داخلية
وخارجية، أفضت إلى إجهاض تجربة
الانتخابات الجزائرية قبل أن تكتمل
بتشكيل الجبهة الإسلامية للإنقاذ
بزعامة عباسي مدني حكومة إسلامية،
وتعرضت تجربة السودان لمحنة حرب
الجنوب والحصار الدولي وانشقاق
الترابي والبشير بعد انقسام الحركة
هناك. فهل ستكون التجربة الثالثة في
الأراضي الفلسطينية أفضل حالا؟
فتجربة
حماس -رغم أنها أول تجربة حقيقية لجناح
ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين-
تتميز بأنها من أصعب التجارب؛ لأن
الحركة الإسلامية هناك لا تواجه فقط
التحدي الداخلي المتمثل في الفساد
وتحسين أحوال البلاد الاقتصادية
والسياسية والاجتماعية، بل تواجه كذلك
تحديا أخطر هو أنها ستدير دويلة مجزأة
مقطعة الأوصال تقع تحت الاحتلال الذي
يتحكم في كل مواردها بما فيها الكهرباء
والمياه، وربما لا يستطيع رئيس
حكومتها زيارة مقرها الرسمي في رام
الله بعدما أصدرت حكومة تل أبيب قرارا
بمنع تنقل قياديي حماس ومضايقة
أعضائها في المجلس التشريعي.
حكومة
حماس في فلسطين قد تكون هي بالتالي "كلاكيت"
ثالث مرة للإسلاميين في الحكم، لكنها
التجربة الثالثة التي تحيطها المشاكل
بما يصعب تقييمها بشكل حيادي كحكومة
تنتهج منهجا إسلاميا وتمارس العملية
السياسية في أجواء طبيعية تمكننا من
الحكم على فشل أو نجاح تجربة الحركات
الإسلامية في الحكم.
مأزق
حماس الأمريكي
حركة
المقاومة الإسلامية (حماس) وباقي
الحركات الإسلامية التي لمع نجمها في
السنوات الأخيرة خصوصا جماعة الإخوان
في مصر تواجه عدة تحديات داخلية
وخارجية ربما يكون أخطرها على الإطلاق
أن فوز الحركة يمثل تحديا لخطة الرئيس
الأمريكي بوش لنشر ما يسميه هو بـ
الديمقراطية في العالم العربي
والإسلامي وقد يقلبها رأسا على عقب
لأنها أصبحت تأتي بالإسلاميين للسلطة
على عكس المطلوب، ومن ثم قد يزيد هذا
التطور المفاجئ سطوة المتطرفين في
إدارتي واشنطن وتل أبيب على السواء.
ففوز
حماس بغالبية المقاعد (76 من 132) شكل ثاني
صفعة لمشروع بوش الشرق أوسطي (الذي
يلقى خلافا بين معتدلي ومتطرفي
الإدارة الأمريكية)، بعد فوز جماعة
الإخوان المسلمين في مصر بـ20% من مقاعد
البرلمان وحصولها على المركز الثاني
بعد الحزب الوطني الحاكم والسقوط
الذريع لقوى المعارضة الليبرالية
واليسارية الجديدة التي يعتمد عليها
أساسا المشروع الأمريكي.
هذا
التطور سيربك بالتالي الخطط الأمريكية
في المنطقة، وربما يضع خطة بوش لنشر
الديمقراطية في مهب الريح ويظهر فشل
سياساته في وقت يعاني فيه من مستنقع
العراق. ورغم الرد الأمريكي الرسمي
الدبلوماسي الهادئ على هذا الفوز بأن
هذه هي "حلاوة الديمقراطية التي
تأتي بالتغيير"، فلم يقبل
الأمريكيون عمليا هذا التغيير وقرروا
معاقبة الشعب الفلسطيني بقطع المعونات
والمساعدات، رغم أن حماس فازت -كما قال
الأمين العام للجامعة للعربية عمرو
موسى- وفق قواعد الديمقراطية الغربية
التي ضغط الأمريكيون لتنفيذها في
المنطقة وهددوا من يرفضها بعقوبات.
أيضا
من أبرز التحديات ذات الطابع الخارجي
التي تواجه حماس
أن هناك انقساما داخليا في إدارة بوش
بين فريقين: أحدهما متطرف يرى أنه
لا فارق بين الإخوان أو المعتدلين
وغيرهم في التيارات الإسلامية ويضع
الكل في سلة واحدة. والثاني يفرق
بين التيارات المتطرفة والتيارات
المعتدلة، ويرى أنه يمكن استخدام "المعتدلة"
في ضرب "المتطرفة"، ولكن المعضلة
هنا أن الحركة التي يجري الحديث عن
فوزها ورغم تصنيفها "النظري" على
أنها معتدلة بحكم أنها فرع من الإخوان
المسلمين، تصنفها واشنطن كحركة "متطرفة"؛
ما يعني انتصار التيار المتشدد في
إدارة بوش.
أما
التحدي الثالث المهم
فيتمثل في أن حماس -في حال تشكيل حكومة
ذات توجه إسلامي لأول مرة في انتخابات
عربية- ستكون أول حكومة إسلامية في
منطقة تعج بالمشاكل، وستكون مجاورة
لدول حليفة لواشنطن (مصر والأردن حيث
يوجد تيار إسلامي إخواني قوي)، فضلا عن
مجاورتها للدولة العبرية؛ ما قد
تعتبره واشنطن تهديدا لمصالحها في
الدول الثلاث وانقلابا في خريطة
الصراع في الشرق الأوسط وتغييرا في
ثوابت الصراع بالمنطقة.
ولهذا
فمنذ فوز حماس لم يتوقف الحديث في
واشنطن ومراكز الأبحاث الغربية ومحطات
التلفزيون عن فشل خطة بوش الشرق أوسطية
وضرورة وقفها بعدما أثبتت أن صناديق
الانتخابات تأتي بالإسلاميين، وأن
الشعوب العربية -التي تعاني الفساد
والديكتاتورية- أثبتت أنها تصوت
للخيار الإسلامي في نهاية الأمر، رغم
أن هناك فريقا آخر لا يزال يدافع عنها
ويتهم الحكومات بأنها السبب الحقيقي
لفوز الإسلاميين، بعدما عصفت بالحريات
وضربت القوى الليبرالية والأحزاب
العلمانية ضمن حملة قمع الديمقراطية
فأخلت الطريق لبديل واحد، هو
الإسلاميون.
ويراهن
مسئولون في الحركات الإسلامية وحركة
حماس على ما يبدو هذه المرة على أن
يتعامل الأمريكيون مع حماس بواقعية
مختلفة بسبب المشكلات التي لا تحصى
والتي تواجه الولايات المتحدة في
المنطقة وخاصة العراق، والرغبة في عدم
تكرار خطأ رفض التعامل مع حكومة
فلسطينية "معتدلة" سابقة هي حكومة
فتح؛ لأن البديل هذه المرة أخطر وهو
عودة الصراع الفلسطيني/الإسرائيلي
للمربع رقم صفر وعودة التوتر الحاد
للشرق الأوسط، وبالتالي استمرار مشاعر
الكراهية نحو الولايات المتحدة في
المنطقة واحتمالات استمرار انتقال "العنف"
من المنطقة للولايات المتحدة كما حدث
في 11 سبتمبر 2001.
أسباب
فوز الإسلاميين واحدة
ووسط
"هوجة" التحليلات التي اهتمت
بتفسير أسباب فوز حماس، والتي أرجع
أغلبها الفوز إلى ما يسمى "التصويت
الاحتجاجي" على ممارسات الحكومة
العربية ومنها الحكومة الفلسطينية،
ظهرت تفسيرات أخرى تشير إلى أن أسباب
فوز الإسلاميين واحدة لا تتغير بل وقد
تزيد نتيجة تزايد العنف والاضطهاد
المستمر الذي تعاني منه هذه الحركات
واتساع قاعدة مناصريها ومؤيديها
وأعضائها، وثبوت فشل الأطروحات
الأيديولوجية القديمة، وظهور دراسات
وخبرات وتجارب أعمق لتجربة الإسلام في
الحكم.
فمن
الأسباب التقليدية التي تتردد على
ألسنة الخبراء لشرح أسباب فوز
الإسلاميين عموما:
1-
الرغبة في الإصلاح السياسي والاجتماعي.
وفي هذا السياق رفعت غالبية الأحزاب
الإسلامية شعارات إصلاحية بما فيها
جماعة الإخوان في انتخابات البرلمان
المصري الأخيرة، وحركة حماس في
انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني.
2-
السعي لمحاربة الفساد والتكافل
الاجتماعي، وهو برنامج واضح في أدبيات
الحركات الإسلامية عموما بحكم اتصالها
بالجماهير واشتغالها بالعمل الخيري.
3-
مواجهة حالة التبعية ورضوخ الحكومات
العربية للغرب، وهو اتهام عام
للحكومات من قبل أحزاب وقوى المعارضة
العربية، ومنها القوى الإسلامية، وكان
ذلك أحد مآخذ حماس على حكومات فتح
السابقة واتهامها برهن إرادة الشعب
الفلسطيني بالمصالح الأمريكية
والإسرائيلية وبالتالي التخلي عن
ثوابت القضية، بل إن هناك تحليلات
اعتبرت أن انتخاب حماس هو اختيار لخيار
المقاومة الذي جرى التخلي عنه.
ومن
الأسباب الجديدة التي يمكن أن تفسر
ضمنا المشاركة الواسعة للتيار
الإسلامي في الحياة السياسية واختيار
الشعوب له:
1-
دخول العديد من القوى والحركات
المعترك السياسي واكتساب خبرات في
البرلمان أو الحكومات (حركة "حمس"
الإسلامية الجزائرية وجبهة العمل
الإسلامية الأردنية)، والتجارب التي
بدأت في المحليات، كلها شجعت حركات
أخرى على المشاركة السياسية، ودفعت
الشعوب العربية لانتخاب الإسلاميين.
2-
قناعة الأحزاب الإسلامية بضرورة
المشاركة والتغيير والوصول
للبرلمانات أو الحكومات بغرض مواجهة
ومنع خطط ضرب الإسلام التي ظهرت عقب 11
سبتمبر في صورة تغيير مناهج التعليم
الديني وغسيل مخ الشباب، ومحاصرة
الجمعيات الخيرية والوقف الإسلامي،
وبالتالي انتخاب قوى إسلامية قادرة
على هذه المقارعة الدينية، خاصة مع
استجابة بعض الحكومات لبعض الضغوط
الغربية التي تصب في صالح هذه المخططات.
3-
ظهور أدبيات سياسية وبرامج ووثائق
وبرامج حزبية لأول مرة للقوى
الإسلامية تحدد فيها علاقتها بالآخر
وبرامجها الاجتماعية وموقفها من
الحريات وتداول السلطة. وقد ظهر هذا في
"وثيقة الإصلاح" ثم "برنامج
الإخوان الانتخابي" اللذين
أصدرتهما جماعة الإخوان في مصر، وكذا
في البرنامج الانتخابي لحماس في
فلسطين، وهي برامج -رغم عدم اكتمالها-
كانت موضع اتهام للقوى الإسلامية بعدم
الحرص على تداول السلطة والرغبة في
الوصول لها فقط.
خلاصة
الأمر بالتالي أن تجربة حماس في الحكم
ورغم أنها التجربة الثالثة لوصول حزب
ذي توجه إسلامي سني للسلطة -بعد
الجزائر والسودان- قد لا تكون تجربة
حقيقية يمكن القياس عليها لوجود ظروف
وعوامل داخلية وخارجية مختلفة، أبرزها
وقوع الدولة موضع البحث تحت الاحتلال
واستمرار مرحلة التحرر الوطني، كما
أنها تجربة تتطلب إجابات على أسئلة
مختلفة تتعلق بالقبول للدولة العبرية
والتعامل معها، والتعامل مع الملف
الأمني وحركات المقاومة المختلفة، لا
المشكلات الاقتصادية والفكرية
والاجتماعية المتصلة بملف الإسلام
والحكم؛ وهو ما قد يجعل تجربة حماس
نموذجا للدراسة والخبرة لباقي الحركات
الإسلامية أكثر منها نموذجا عمليا
لحكم الأحزاب الإسلامية.
اقرأ
أيضا:
حماس
الآن.. "برجماتية أكثر ومقاومة
مختلفة"
فتـح..
حسابات ما بعد الخسارة
حماس
وانتفاضة الانتخابات
حماس
وأبو مازن.. شراكة أم صدام؟
انتخابات
المجلس التشريعي الفلسطيني.. ما لها
وما عليها
حماس
في السلطة.. حدود الثبات والتغير
الإسلاميون
وأمريكا (صفحة خاصة)
تجديد
الخطاب الديني في الزمن الأمريكي
**
المحلل السياسي بموقع إسلام أون لاين.نت.
|