|
رغم فوز حماس.. المبادرة بيد إسرائيل
|
|
روبرت ساتلوف*
قراءة: شيرين حامد فهمي**
|
02/02/2006
|
|

|
|
روبرت ساتلوف المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى |
كيف
انعكس فوز "حماس" في الأوساط
الأكاديمية الغربية؟ سؤال لا بد من
طرحه في هذه الأيام "الساخنة"
التي أعقبت تلك المفاجأة المذهلة التي
أصابت الشرق والغرب معا؛ وهو ما أدى
إلى تسابق الأقلام العربية والغربية
وتدافعها جميعا نحو تقديم تفسيرات
لتلك المفاجأة، من خلال تحليل دوافعها
وأسبابها، واستشراف توابعها ونتائجها.
وأكثر
مما لفت الانتباه، من ضمن الرؤى
الغربية، خطاب المدير التنفيذي لمعهد
"واشنطن لدراسات الشرق الأدنى" -وهو
"روبرت ساتلوف"- في مؤتمر "هيرتسيليا"
بإسرائيل؛ والذي عُقد قبيل إعلان
نتائج الانتخابات التشريعية
الفلسطينية بثلاثة أيام. وفي هذا
الخطاب الذي حمل عنوان "توازن الأمن
القومي الإسرائيلي"، توقع "ساتلوف"
فوزا "حماسيا"، مستنبطا ذلك من
التطورات الفلسطينية التي حدثت فيما
بين عامي 2002 و2006، والتي صبت جميعها في
مصلحة "حماس" دون "فتح". وقد
ألقى "ساتلوف" "اللوم" على
جميع الأطراف -من السلطة الفلسطينية
إلى الإدارة الأمريكية إلى الدولة
الإسرائيلية إلى الدول العربية-
لكونها ساهمت وسمحت بحدوث تلك
التطورات التي يراها "ساتلوف"
سلبية. إلا أنه عاد ليؤكد في نهاية
خطابه بأن إسرائيل ستظل هي إسرائيل،
على الرغم من صعود "حماس". بمعنى
آخر، ستظل هي سيدة القرار، وستظل هي
المبادرة الأولى والأخيرة التي تأخذ
دائما "بزمام الفعل"، لتجعل الطرف
الآخر محصورا دائما في "رد الفعل".
التحول
من 2002 إلى 2006
يصف
"ساتلوف" الحالة الفلسطينية بين
عامي 2002 و2006 قائلا: إنها شهدت انحدارا
واضحا للسلطة الوطنية الفلسطينية،
تمثل في التشتت والاضطراب والإفلاس
والفوضى؛ هذا بالإضافة إلى الجدال
اللانهائي وسط صفوف "الفتحاويين"؛
وهو ما أفسح المجال لمنظمة مثل "حماس"
-المعروفة مجتمعيا في الداخل
الفلسطيني- لكي تبزغ وتتألق، بل لكي
تنجح في قيادة حملة "روحية"
أوصلتها في النهاية إلى البرلمان
الفلسطيني.
ويتساءل
الكاتب مستنكرا: "كيف تصل منظمة مثل
حماس إلى البرلمان الفلسطيني، وهي
المُدانة دائما بـالإرهاب من قبل
الجميع؟"، ويستكمل تساؤله قائلا:
"من كان يتوقع أن يتحول التصور الذي
رسمه الرئيس الأمريكي في يونيو 2002 -وهو
الذي نص على إقامة قيادة فلسطينية غير
مُطعمة بالإرهاب- إلى واقع مناقض متمثل
في إيجاد برلمان فلسطيني مُطعم بما
أطلق عليه الإرهاب؟".
الجميع
مسئول عن فوز "حماس"
يلوم
"ساتلوف" رئيس السلطة الفلسطينية
"أبو مازن"، واضعا إياه في أعلى
قائمة المُلامين، كونه قد رفض تطبيق
تلك السياسة التي تقول بأن هناك "قانونا
واحدا، سلطة واحدة، سلاحا واحدا".
ويلوم الإدارة الأمريكية لكونها قد
فشلت في الضغط على "أبو مازن"
لتنفيذ تعهداته تجاه الأمن ونزع
السلاح، قبل فوات الأوان؛ وأنها قصرت
في ذات الوقت في مد "أبو مازن"
بالدعم الكافي؛ كما يلوم على الإدارة
الأمريكية عدم تصديها لقرار "أبو
مازن" بإجراء الانتخابات
التشريعية، وعدم إنكارها لذلك التبرير
الذي كان يقول بأن الانتخابات سوف
تساعد "أبو مازن" على تنفيذ
تعهداته تجاه نزع السلاح. وأخيرا يلوم
على الإدارة الأمريكية قناعتها
بواجبها "المقدس" تجاه
الديمقراطية التي أسفرت في النهاية عن
وصول "الأشرار" (يقصد "حماس")
إلى السلطة الفلسطينية.
ولا
يخلي "ساتلوف" الحكومات العربية
ولا الحكومة الإسرائيلية من المسئولية.
فهو يعتبر الحكومة المصرية -مثلا-
مسئولة عن فوز "حماس"، لكونها
استضافت "الحمساويين" على أرضها.
فهي على الرغم من حظرها للإسلاميين "الراديكاليين"
-كما يشير "ساتلوف"- وعلى الرغم من
إلحاحها الدائم على واشنطن بعدم
التعامل معهم، فإنها كانت في منتهى
السعادة والامتنان بإعطائها شرف
الضيافة لفلسطينيي "حماس"
بالقاهرة.
أما
الحكومة الإسرائيلية فهي مُلامة بسبب
انتهاجها لسياسة عشوائية ومذبذبة
ومتناقضة تجاه "حماس"، حتى أفاقت
أخيرا على واقع الاتفاق بين "حماس"
و"فتح". ولم ينس "ساتلوف" أن
يوبخ الحكومة الإسرائيلية على تضييعها
لفرصة دبلوماسية عظيمة، حينما استخفت
بمشاركة "حماس" في انتخابات الضفة
الغربية، بدلا من أن تصر على منعها.
وبوجه
عام، فإن الكاتب يتحسر على الوضع
الأمريكي الآن حيال الفلسطينيين،
مقارنة بما كان عليه منذ 25 عامًا،
حينما كان "كارتر" رئيسا للولايات
المتحدة. ففي ذلك الوقت، كان "كارتر"
يحدد الشروط الموجبة على منظمة
التحرير الفلسطينية لكي يتم لها
السماح بالمشاركة كمنظمة شرعية في
الدبلوماسية الدولية؛ وكانت هذه
الشروط تتلخص في الاعتراف بإسرائيل،
والقبول بقرار مجلس الأمن (242)، ومكافحة
"الإرهاب".
أما
الآن، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل
يعطيان الشرعية لمنظمة "حماس" -ولو
على الصعيد التكتيكي- لكي تشارك في
الانتخابات التشريعية الفلسطينية،
ولكي تفوز بالأغلبية في البرلمان
الفلسطيني، دون مطالبتها بما طولبت به
منظمة التحرير الفلسطينية منذ قرابة
ثلاثة عقود.
سيناريو
"حماس"
تختلف
الآراء الأمريكية والإسرائيلية حول
السيناريو "الحمساوي"، كما يُدلي
"ساتلوف". فالبعض يظن أنها سوف
تلقي بمهمتها الأصلية -تدمير إسرائيل-
وراء ظهرها، استجابة للمساومات
والمقايضات التي هي أصل السياسة
الواقعية. والبعض الآخر يظن أنها سوف
تخرج بالحل النهائي، وأن معاهدتها مع
إسرائيل ستكون نهائية؛ وذلك لاحترامها
"المقدس" للاتفاقيات، كما يشير
"ساتلوف" قائلا: "إن اتفاقية مع
حماس سوف تكون بمثابة اتفاقية للأبد".
إن
"حماس" -برأي "ساتلوف"- ترغب
بشدة في التفاوض مع إسرائيل، اعتقادا
منها بأنها سوف توصل المفاوضات إلى محو
إسرائيل من الوجود؛ وهو الأمر الذي
يمثل أصل وجود "حماس" التي تؤمن
بغباء الحكومة الإسرائيلية، كما يحذر
"ساتلوف". ومن ثم، فهو ينصح
الحكومة الإسرائيلية بعدم التقرب إلى
"حماس" -حتى بعد اشتغالها
بالسياسة- لقناعته بأنها لن تُغير من
جلدها، وبأنها لن تنتهج النهج السياسي
"المعتدل"، حتى بعد وصولها إلى
السلطة. وكذلك يحذر الحكومة
الإسرائيلية من مجرد الاعتقاد في
امتلاك "حماس" لذلك المفتاح
النهائي الذي سيحل الصراع الإسرائيلي-
الفلسطيني.
"السماء
لم تقع حتى الآن"
وعلى
الرغم من صعود "حماس" -وهو ما يراه
"ساتلوف" أمرًا بالغ السوء- فإنه
يعتقد بأنه ما زالت هناك بقايا "أمل"
متمثلة في:
1)
استمرار اتفاقيات السلام بين إسرائيل
وكلٍ من مصر والأردن.
2)
هبوط القضية الفلسطينية إلى القائمة
السابعة على قائمة أولويات الشعوب
العربية، بعد أولويات التوظيف
والتعليم والصحة والفساد ومقاومة
الإرهاب (وهو الاستقصاء الذي قام به
السياسي الأمريكي "جيمس زغبي").
3)
نضوج العلاقات بين إسرائيل وأوربا،
لدرجة أنهما أصبحا يتحدثان معا عن
مشكلة النووي الإيراني دون إلحاح من
وزراء خارجية أوربا بضرورة انضمام
إسرائيل لاتفاقية نزع السلاح النووي،
كما كان يحدث من قبل.
4)
عدم مركزية القضية الفلسطينية بالنسبة
للصين والهند، كما كان الوضع من قبل؛
بمعنى أن العلاقات بين إسرائيل وهذين
العملاقين الآسيويين لم تعد تتحدد
بالقضية الفلسطينية، وباتت تعلو وتهبط
بغض النظر عن القضية.
كل
هذه المؤشرات تدلل -بحسب رأي "ساتلوف"-
على أن المصالح الأمريكية
والإسرائيلية في المنطقة العربية ما
زالت بخير؛ وأنه ما زالت هناك نقاط قوة
تصب في مصلحة الحكومتين، الإسرائيلية
والأمريكية؛ وأن "السماء لم تقع حتى
الآن".
إسرائيل
في يدها القرار
ويعتقد
"ساتلوف" بأن القرار الأول
والأخير بيد إسرائيل التي كانت دائما
هي "المبادرة" دون الأطراف الأخرى.
فعلى مر التاريخ، كانت إسرائيل تتصرف
باعتبارها سيدة مصيرها، وباعتبار
الأطراف الأخرى -سواء كانت السلطة
الفلسطينية أو الإدارة الأمريكية أو
الحكومات العربية- مجرد رد فعل أو
مستقبل للمبادرات الإسرائيلية.
ويتساءل متعجبا: "كم مرة كان فيها
الوفد الفلسطيني المفاوض مصدرًا
لاقتراح جديد، أو خريطة جديدة، أو فكرة
جديدة؟" بل إن الإدارة الأمريكية
ذاتها كانت دومًا تلعب دور "المستقبل"
لمواقف وتصرفات الحكومة الإسرائيلية.
وبناء عليه، يرى "ساتلوف" أن
إسرائيل هي المسئولة الآن عن التصرف
حيال فوز "حماس"، وأن القرار
بيدها الآن كما كان الوضع دائما؛ خاصة
أنها هي التي تسيطر على الأراضي، ومن
ثم على الجغرافيا والأمن والسكان.
إن
أي قرار ستتخذه إسرائيل لن تعارضه
واشنطن. فهي إن ظلت "وفية" لخارطة
الطريق الدبلوماسية، فإن واشنطن لن
تعارض. وهي إن أقرت الصعود فوق نفوذ "حماس"
المتزايد، للوصول إلى مفاوضات نهائية
مع "أبو مازن" بهدف إنقاذه، فإن
واشنطن لن تعارض أيضا.
وإن أقرت إسرائيل بتصميم "خارطتها"
الأحادية، فإن واشنطن لن تبالي. إن
الأمر في النهاية، كما يؤكد المدير
التنفيذي لمركز "واشنطن لدراسات
الشرق الأدنى"، موكول إلى قرار
إسرائيل، والباقي معلق على هذا
القرار؛ أو كما أنهى "ساتلوف"
خطابه في مؤتمر "هيرتسيليا" قائلا:
"إن المفتاح في القرار والباقي
مُعلق".
اقرأ
أيضا:
حماس
وأبو مازن.. شراكة أم صدام؟
حماس
وانتفاضة الانتخابات
حماس..
"التغيير والإصلاح" دون تدمير
إسرائيل
حماس
في السلطة.. حدود الثبات والتغير
احتواء
حماس سياسيا.. رهان أمريكي!
حماس
والجهاد.. بين نار المقاومة وأشواك
الدعوة
في
الذكرى الخامسة عشرة لميلادها.. "حماس"
إلى أين؟
*
المدير
التنفيذي لمركز "واشنطن لدراسات
الشرق الأدنى". المقال عبارة عن
قراءة في خطابه بمؤتمر "هيرتسيليا"
بإسرائيل في 23 يناير 2006، والذي نشر على
موقع المركز تحت عنوان "صعود حماس
وخيار إسرائيل" في 26 يناير 2006.
**
باحثة
دكتوراة بكلية الاقتصاد والعلوم
السياسية بجامعة القاهرة.
|