 |
|
غياب القائد رفيق الحريرى أحدث توازنات طائفية جديدة على الساحة اللبنانية |
في
الرابع عشر من شهر فبراير 2006 يكون قد مر
عام على "الزلزال" السياسي الذي
ضرب لبنان باغتيال رئيس الوزراء الأسبق
رفيق الحريري، والذي ما زالت توابعه
العنيفة تهز لبنان وتعمل عملها في بنيته
السياسية والطائفية هزات بلغت من الشدة
والتأثير إلى الحد الذي يدفع إلى
التساؤل: هل هناك "لبنان جديد" نشأ
بعد الاغتيال؟.
إجابة
على هذا التساؤل يرى الكاتب الأمريكي في
جريدة "ديلي ستار" اللبنانية "مايكل
يونج" في مقاله المنشور يوم 20 يناير
2006 على موقع معهد واشنطن لدراسات الشرق
الأدنى أن ثمة لبنان جديدا قد نشأ
بالفعل بعد عملية اغتيال الحريري،
تتحكم فيه استقطابات طائفية جديدة تقوم
على معادلة "الشيعة في مقابل السنة"
ناسخة الاستقطاب القديم القائم على
أساس "المسلمين في مواجهة المسيحيين".
وعلى
الرغم من تراجع الوزراء الشيعة يوم 3-2-2006
عن تعليق مشاركتهم في مجلس الوزراء
اللبناني، فإن الكاتب قد اعتبر أن مسألة
التعليق في حد ذاتها كانت كاشفة عن
حقيقة بروز معسكرين أساسيين في لبنان:
الأول يضم القوى الشيعية بقيادة حزب
الله بالتحالف مع حركة أمل، والثاني
بزعامة القيادي السني سعد الحريري نجل
رئيس الوزراء المغتال، والذي يقود
الأغلبية البرلمانية.
ويرى
الكاتب أنه منذ الانسحاب السوري من
لبنان في إبريل 2005 أصبح من السهولة
بمكان القول إن لبنان باتت تتنازعه
رؤيتان للمستقبل، وإن الخلفية الطائفية
الرئيسية لهذا التنافس بين الرؤيتين
تتمثل بشكل رئيسي في الشيعة مقابل
السنة، وليس التقسيم على أساس المسلمين
إزاء المسيحيين كما كان الوضع قبل الحرب
الأهلية اللبنانية (1975 – 1990).
رؤية
الحريري
الرؤية
الأولى، بحسب المقال، هي رؤية "سعد
الحريري" القائمة على النموذج
التقليدي المدني التجاري، والذي في ظله
يتحول لبنان إلى محور للاستثمار
والصفقات التجارية المتحررة من القيود
والعوائق مع الغرب والعالم العربي،
ويتعايش المسلمون والمسيحيون في مودة
في ظل هذا النموذج، كما أن العلاقات مع
إسرائيل سيحكمها اتفاق الهدنة لعام 1949،
ولكن لن يكون هناك اتفاق دائم يمكن
توقيعه قبل قبول كل الدول العربية
بالسلام. وأصحاب هذه الرؤية تواقون
لمعرفة الحقيقة بشأن مقتل الحريري،
ويعتقدون أن النظام السوري كان مسئولا،
ولكنهم لا يخلون من قدر -وصفه الكاتب
بالقليل- من تأنيب الضمير وهم يشاهدون
دمشق تُعَاقب. وهذه الرؤية -بحسب
الدراسة- ليست مقصورة على السنة، لكن
السنة هم أصحابها الأصليون؛ حيث
يعتقدون أنها تجسد قيم رئيس الوزراء
المغدور رفيق الحريري.
ويلفت
الكاتب النظر إلى التناقضات الداخلية
في هذا المعسكر قائلا: النقطة السلبية
والتي قد تشكل خطورة كامنة داخل المعسكر
السني هي تنوع الجماعات السنية التي
تضمها "خيمة الحريري الكبيرة"؛
فالحريري دائما ما يركز على اعتدال
رؤيته، لكنه لم يستطع أبدا أن يخفي أنه
كزعيم سني يلجأ أيضا إلى الإسلاميين
السنة المتشددين والسنة المنتمين
للشرائح الاجتماعية السفلى، وهما فئتان
من المرجح أكثر أن يفكرا وفق مصطلحات
طائفية متشددة عن تلك التي يفضل
استخدامها البرجماتيون الأكثر إخلاصا
لنهج الحريري.
رؤية
الحزبين الشيعيين
في
مقابل هذه الرؤية تنهض رؤية أخرى ترتبط
بالحزبين الشيعيين المتمثلين بجماعة
حزب الله وحركة أمل الأكثر غموضا والأقل
قوة بحسب تعبيرات الكاتب، أو فيما يسمى
"الثنائي الشيعي" إذا أخذنا
بتعبيرات وسائل الإعلام. وتتسم هذه
الرؤية بعدم الثقة بالغرب وخاصة
الولايات المتحدة، والرغبة بمواصلة
الكفاح المسلح ضد إسرائيل.
أصحاب
هذه الرؤية يؤكدون أن الشيعة دائما
مدافعون بقوة عن الوطنية اللبنانية،
ولا يتجاهلون الاتفاقات مع الخارج،
وأنهم أثبتوا نواياهم الحسنة بطرد
الإسرائيليين في عام 2000. وقد رفض أصحاب
هذه الرؤية أن يعتبروا سوريا عدوا،
ويكررون أنه في ظل السوريين منح الشيعة
لأول مرة دورا بارزا في الحياة السياسية
اللبنانية.
اقتصاديا
يعارض الحزبان التوسع في خصخصة
المؤسسات العامة، ومقتنعان أن العمالة
الشيعية في المؤسسات المملوكة للدولة
أصبحت وسيلة شديدة الأهمية لازدهار
الطائفة في السنوات الأخيرة.
وفى
إشارة كاشفة يقول المقال: إنه بالنسبة
للشيعة الفقراء فإن "جمهورية الحريري
التجارية" لم تقدم سوى حوافز ضئيلة
لهذا الجمهور الشيعي الفقير، خاصة أن
أبناء الطائفة يتركزون في مناطق بعيدة
عن وسط بيروت المعاد إعماره، والذي يمثل
درة تاج عملية إعادة بناء العاصمة
اللبنانية التي اضطلع بها الحريري الأب.
ويرى
الكاتب أن العديد من الشيعة يعتنقون
وجهات نظر حزب الله؛ لأنه لأول مرة بعد
عقود من التهميش تتمتع الطائفة
بالاحترام. ورغم وصف الدراسة للجمهور
الشيعي بأنه ليس أكثر أيديولوجية من
الآخرين، فإنه يشير إلى أن أفراد هذا
الجمهور يعتبرون "ميليشيا" حزب
الله رمزا لكرامتهم وأداة شرعية
للمطالبة بالمزيد في المساومات بين
الطوائف.
وبناء
على ذلك، يشعر الشيعة أن جهود الأمم
المتحدة لنزع سلاح حزب الله لن تفضي إلا
إلى إضعاف طائفتهم مرة أخرى، وأن هذه
المخاوف التي يعبر عنها الجمهور الشيعي
تنسجم مع مخاوف حزب الله من أنه من دون
السلاح سيصبح الحزب مجرد منظمة طائفية
أخرى؛ وهو ما يجبره على التخلي عن طموحه
أن يكون طليعة إقليمية في الصراع ضد
إسرائيل والولايات المتحدة.
جنبلاط
وعون
ويتناول
الكاتب اللاعبين الآخرين في الساحة
اللبنانية بعد مرور نحو عام على زلزال
الاغتيال قائلا: حتى قبل أن يبدأ الجنود
السوريون انسحابهم من لبنان فإن "حاوي"
سياسات الأقليات اللبنانية الزعيم
الدرزي "وليد جنبلاط" أدرك أن
النتيجة سيحسمها الصراع بين معسكر
الحريري وحزب الله؛ أي بين السنة
والشيعة، وهذا يفسر لماذا سعى للتوسط
بين الطرفين آملا أن يعزز سلطته الخاصة.
والنتيجة العملية لهذه الجهود أسفرت عن
أن "الحاوي" بات مهندسا للإجماع
حول القانون الانتخابي الذي جرت بموجبه
الانتخابات النيابية في صيف 2005.
وقد
قسم هذا القانون -بحسب ما يرى الكاتب-
المناطق السياسية كي يتمكن حزب الله
وحركة أمل من الفوز بكتل كبيرة في
البرلمان المكون من 128 مقعدا على الرغم
من رحيل سوريا، فيما مكن جنبلاط
والحريري من توسيع نفوذهما.
وكان
المسيحيون هم الخاسرون الرئيسيون في
هذه الانتخابات؛ حيث خرج زعيمهم الأكثر
نفوذا "العماد ميشيل عون" من
الصفقة، ولكن رد الفعل الغاضب في أوساط
الطائفة المسيحية تمثل في أن عون العائد
لتوه من المنفى اكتسح كل المقاعد في
المناطق المسيحية، مشكلا تكتلا خاصا به.
وقد حاول عون أن يتخذ موقف الحياد بين
حزب الله والحريري، لكن ناخبيه الذين
يفتقدون الثقة بدرجة كبيرة في علاقة حزب
الله مع سوريا أجبروه على أن يدعم
روابطه مع تحالف الحريري ـ جنبلاط.
بعد
الانتخابات كانت إستراتيجية جنبلاط أن
يستمر في التعاون مع الشيعة في حكومة
جديدة. وقد أغرى الزعيم الدرزي الحريري
الذي يفتقد للخبرة ليوافق على إعادة
انتخاب "نبيه بري" زعيم أمل كرئيس
للبرلمان على الرغم من أن "بري"
داعم رئيسي للهيمنة السورية، كما يصفه
كاتب المقال.
الزواج
والانفصال
ويمضي
الكاتب في وصف تعقيدات الوضع اللبناني
بعد اغتيال رفيق الحريري بالقول: "إنه
عندما شكل زميل الحريري "فؤاد
السنيورة" الحكومة بذل جنبلاط غاية
جهده كي يتولى حزب الله وأمل وزارات
أساسية، وهي المرة الأولى التي يدخل
فيها حزب الله الحكومة. مع ذلك فقد شكل
ذلك زواجا غير طبيعي؛ ولذلك سرعان ما
تحولت التسوية بين معسكر الحريري ـ
جنبلاط ومعسكر حزب الله ـ أمل إلى
انفصال". يذكر هنا أن السيد حسن نصر
الله زعيم حزب الله قد صرح يوم 3-2-2006 عقب
إنهاء الوزراء الشيعة تعليق مشاركتهم
في مجلس الوزراء بقوله: "إن التحالف
الرباعي بين الحزب و"أمل" وتيار
المستقبل (الحريري) والحزب التقدمي
الاشتراكي (جنبلاط) انتهى"، مؤكدا
استمرار التحالف مع أمل، والتعاون مع
المستقبل، والاستعداد للتعاون مع
الاشتراكي إذا أراد ذلك.
ويرى
الكاتب أن السبب الظاهر للانفصال الذي
حدث هو تمرير أغلبية الحريري – جنبلاط
في مجلس الوزراء لقرار يطالب الأمم
المتحدة بتشكيل محكمة ذات صبغة دولية
لمحاكمة أولئك المسئولين عن مقتل
الحريري. بيد أن السبب الأكبر من ذلك بعد
هذا الاستعراض للوضع الكلي في لبنان
يخلص، كما يقول الكاتب، إلى عدم وجود
رؤية موحدة للبنان، وهذا ليس بالأمر
الجديد، لكن تستند حيثيات هذا
الاستنتاج إلى الآتي:
1-
تحالف حزب الله مع سوريا وبدرجة أهم مع
إيران يجعل من غير المحتمل أن يكون هناك
حوار جاد على نزع السلاح (سلاح الحزب)؛
حيث يعتبره قادة الحزب تهديدا يمس وجود
الحزب ذاته. وحزب الله لا يشعر أن هناك
دافعا للتوصل لتسوية ما دام يتمتع
بالدعم بين الشيعة.
2-
وبالمقابل، فإن تحالف الحريري - جنبلاط
يسيطر على أغلبية ضعيفة في البرلمان،
ويعاني من غياب زعيمه بالخارج خشية
الاغتيال.
وهذه
الظروف والملابسات تدفع المنحنى
الطائفي للتنافس بين الشيعة والسنة في
لبنان نحو الاحتداد، لكن يبقى العنف غير
مرجح.
اقرأ
أيضًا:
|