وفي
أزمة الرسوم المسيئة، كانت ردود الفعل
الأولى مزيجا من التحدي والإصرار، حتى
بات الأمر وكأنه محاولة من الإعلام
الغربي والعديد من المؤسسات الأخرى،
لفرض قبول التهجم على الرموز الدينية
على الإنسان العربي والمسلم.
ونفهم
من هذا الموقف أنها في الواقع محاولة
لنزع القداسة عن الرموز الدينية،
وجعلها موضوعا مباحا للنقد والتهجم.
ولكن استمرار المظاهرات -بالإضافة
للمقاطعة الاقتصادية- أدى لتغير مهم في
الموقف الغربي، خاصة من الاتحاد
الأوربي، وكذلك من الإدارة الأمريكية،
حيث أدت تلك الاحتجاجات لتوصيل رسالة
إلى الغرب، مفادها أن مصالحه في
المنطقة مهددة بقدر تعديه على مقدسات
المسلمين.
ولا
يمكن فصل ما حدث في أزمة الرسوم عن
حوادث أخرى، ربما تبدو مختلفة، ولكنها
تصب في نفس الاتجاه. فقد كانت النتائج
التي تحققت لجماعة الإخوان المسلمين
في الانتخابات البرلمانية المصرية،
صدمة أخرى للإدارات الغربية. ولعل ما
تحقق لحركة المقاومة الإسلامية حماس،
من فوز كاسح في الانتخابات التشريعية
الفلسطينية، كان بمثابة الصدمة الأكبر.
وقبل
هذه الأحداث، كانت نتائج الانتخابات
الرئاسية في إيران صدمة من الوزن
الثقيل للحكومات الغربية. وكل تلك
الأحداث معا كانت رسالة من الشعوب
العربية والإسلامية، تؤكد اختياراتها
الحرة، وتعبر عن مشروعها السياسي
وتوجهاتها المستقبلية.
وجاءت
الاحتجاجات الشعبية على الرسوم
المسيئة لتكشف المواقف الشعبية للأمة
العربية والإسلامية، وليدرك الغرب أنه
بصدد مواقف شعبية تفرض نفسها على
الساحة السياسية، وتلقي بتأثيرها
الواضح على النظام الدولي.
وعندما
بدأت محاولات غربية لتهدئة الشعوب
العربية والإسلامية وجدنا العديد من
الاعتذارات المتنوعة الأسلوب
والعبارات، ومن جهات إعلامية أو رسمية.
وهو موقف جديد في العلاقات بين الدول
الغربية والعالمين العربي والإسلامي.
ولذا نرى أنه يؤسس لوضعية دولية جديدة،
تقوم على قدرة الأمة العربية
والإسلامية، على فرض موقفها على
الأوضاع الدولية من خلال الضغوط
الشعبية المباشرة.
وإذا
عدنا إلى تاريخ الحوار بين العرب
والمسلمين من جانب والغربيين من
الجانب الآخر، فسنرى أن هذا الحوار لم
يثمر عن أي نتائج. فالغرب ما زال يجهل
الحضارة والثقافة العربية
والإسلامية، ولم تؤدِ هذه الحوارات
إلى فهم جديد لهما. والواقع أنها كانت
حوارات من طرف واحد، يفرض فيها الطرف
القوي جدول أعمال الحوار، بل ويحدد
نتائجه، وكأنه يحاور نفسه.
ومن
الواضح أن الطرف العربي والإسلامي في
هذه الحوارات لم يستطع تغيير توجهها،
وربما كان هذا الطرف في العديد من
الحوارات لا يعبر عن حضارتنا قدر
تعبيره عن المواقف الغربية. وفي
النهاية لم يسمع الغرب إلا صوته، وتصور
أنه يغير الواقع العربي والإسلامي.
والآن
يسمع الغرب الصوت العربي والإسلامي في
مواقف متعددة ومتتالية، وكأنها حالة
جارفة ولحظة انتفاضة حقيقية. وهذا
الصوت المحتج أثر في العلاقة مع الغرب،
وربما أثر في رؤية الغرب لواقعنا أكثر
من كل الحوارات التي دارت عبر العقود
الماضية. وبهذا تأسست صورة جديدة عنا
لدى الغرب، علينا أن نعتبرها بداية
نبني عليها، ونؤسس عليها موقفا للأمة
يفرض جدول أعمالها، ويسهم في تحديد
دورنا على المستوى الدولي.
ولعل
من أهم تلك النقاط التي يمكن أن نبدأ
منها تلك الدعوات التي نادت بوضع وثيقة
دولية لحماية المقدسات الدينية. فتلك
في الواقع رسالة مهمة، نرى أنها
رسالتنا الحضارية والدينية. فنحن أمة
تقدس الأديان، وتضعها في مكانة خاصة.
وجزء من رسالتنا الحضارية أن ندعو
العالم لاحترام الأديان، وفرض الحماية
على المقدسات والرموز الدينية.
وعلينا
أن نتحد مع كل الجهات التي تؤيد هذا
الموقف في الغرب، بحيث يكون تحالفنا مع
المتدينين في كل بقاع الأرض رسالة
للقوى والنظم العلمانية لوقف حربها
على الأديان.
ولكن
الأمر يحتاج منا إلى جهد فقهي حتى لا
تكون حماية الأديان جزءا من فرض
الوصاية على التفكير الديني، أو
حصارًا لحق الاجتهاد، مما يلزم معه
تعريف حدود حرية التفكير والبحث
والاجتهاد، وتمييزها عن التعدي على
المقدسات، حتى نستطيع الوصول إلى
توافق دولي حول حدود الحرية، وقواعد
الحفاظ على المقدسات والرموز الدينية
من الانتهاك.
ومدخلنا
لذلك يمكن تأسيسه على المواثيق
الدولية التي تحمي الحرية الفردية
وتحافظ على خصوصية الحياة الفردية،
وتمنع الحض على الكراهية والاتجاهات
العنصرية تجاه أي فرد أو جماعة.
فالتعدي
على المقدسات الدينية هو في الحقيقة حض
على الكراهية تجاه الجماعات المؤمنة،
فتحقير عقيدة الفرد والتهكم عليها،
وهي تمثل مقدسه الأعلى، هو تحقير من
شأن الفرد والجماعة المؤمنة التي
ينتمي لها. ولا معنى على الإطلاق لأن
نحمي الفرد من السب والقذف ونبيح السب
والقذف في حق عقيدته. فتحقير عقيدة
الإنسان الدينية، أشد تأثيرا عليه من
تحقيره.
وعليه
يصبح من الضروري تحويل حالة انتفاضة
الاحتجاج الراهنة لتكون تأسيسا لصفحة
جديدة لدور الأمة العربية والإسلامية
على المستوى الدولي؛ صفحة تسطرها
الشعوب لا الأنظمة، لتستعيد مكانتها
ورسالتها الحضارية.