 |
|
قوات الأمن السعودي تمكنت من إحباط محاولة تفجير مصفاة أبقيق النفطية |
من
قبيل التهويل، أو استسلاما للتعبيرات
والمصطلحات الجاهزة، تطلق بعض الأدبيات
السياسية على "تنظيم القاعدة" لفظ
"شبكة"، انطلاقا من اقتناع رسخ في
الأذهان يستند إلى أن هذا التنظيم ساح
في القارات الست تقريبا، وأصبح له أعضاء
وتابعون ومتعاطفون في بلاد شتى، بعضهم
بات معروفا لدى أجهزة الأمن
والاستخبارات في دول عديدة، وبعضهم
ينضوي تحت أجنحة "الخلايا النائمة"
التي تعمل في الخفاء، وتكلف بأدوار
معينة لم يحن وقت تنفيذها بعد.
وقد
برهنت التحريات والتحقيقات التي أجرتها
أجهزة أمنية رفيعة عقب هجمات 11 سبتمبر
2001 على أن التنظيم وضع أقدامه في أماكن
لم يكن أحد يظن يوما أن باستطاعته أن
يطأها.
وعلى
التوازي، هناك "شبكة" مختلفة تماما،
تتمثل في أنابيب نقل الطاقة، من نفط
ومشتقاته وغاز طبيعي، تمتد داخل الدول
المصدرة لها من آبار الإنتاج إلى معامل
التكرير وموانئ التصدير، أو تعبر
خارجها في إطار شبكات موجودة أو مفترضة -أي
تم توقيع اتفاقات وبروتوكولات بشأنها
لكن لم يتم تنفيذها بعد- تخترق حدود أكثر
من دولة، في مشروعات ضخمة تبلغ كلفتها
مليارات الدولارات، وتشارك في تدشينها
شركات عالمية عملاقة، ويدور حولها
تنافس دولي محموم، من أجل الاستفادة من
صفقاتها الثمينة.
ضرب
الأهداف النفطية ليس جديدا
وخلال
الفترة التي تقع بين 1980 و2000 وقعت 90 حادثة
تخص العمليات المتعلقة بالطاقة، 18 منها
في أفريقيا و29 في أمريكا اللاتينية و17
في أوروبا و6 في آسيا و16 في منطقة الشرق
الأوسط، أي أنه قبل الاحتلال الأمريكي
للعراق كانت المنطقة تقع في المرتبة
الرابعة عالميا من حيث استهدافها
بعمليات تخص مجال الطاقة، لكن أضحت
المنطقة بعد هذا الغزو في المنزلة
الأولى. وقد تنوعت هذه الحوادث بين
تفجير أنابيب وحقول نفط وتدمير مكاتب
ومقرات شركات الطاقة وخطف خبرائها في
أثناء عمليات الاستكشاف والتنقيب.
وطالت تلك العمليات أكبر القوى
العسكرية في عالمنا المعاصر، وهو حلف
"الناتو"، الذي استهدفته بعض
الجماعات اليسارية في أوروبا، خلال عقد
الثمانينيات من القرن المنصرم، فضربت
وسائط إمداد قوات الحلف بالطاقة.
أما
في بلادنا فأول لحظة لالتقاء الشبكتين
بقوة، وبما يشكل ظاهرة، فكان حادث
محاولة تفجير مصفاة أبقيق السعودية
العملاقة في يوم الجمعة 24 فبراير 2006،
والذي جاء بعد سلسلة من ضرب أنابيب نفط
عراقية، بشكل متتابع، جعل منطقة الشرق
الأوسط تقفز إلى المرتبة الأولى في
العالم من حيث تهديد ومهاجمة وسائط نقل
الطاقة. وقبل هذا كان موضوع ضرب النفط
غير قائم إلا في أذهان المتخوفين من
حدوث ذلك من بين المسئولين وخبراء
الطاقة والقائمين على دراسات الجدوى
بالشركات الدولية العاملة في هذا
المجال. لكن الجميع أخذوا حذرهم منذ
التهديد الذي أطلقه زعيم تنظيم القاعدة
أسامة بن لادن وطالب فيه بضرب أنابيب
النفط في منطقة الخليج العربي، وتبعه
تهديد ثان على لسان الرجل الثاني في
التنظيم أطلقه في ديسمبر من عام 2005. وقبل
هذا كانت هناك إرهاصات للالتقاء بين
شبكتي "الإرهاب" و"الطاقة"
قدمتها الحالات العراقية والشيشانية
والجزائرية، ووجدت جذورا لها في أفكار
وممارسات بعض "الجماعات والتنظيمات
السياسية المتطرفة ذات الإسناد
الإسلامي"، حال تدبر البعد الاقتصادي
للعمليات الإرهابية، التي تنفذ هناك
وهناك، ابتداء من هجمات محدودة
للاعتداء على السياح وبعض المنشآت
الاقتصادية في دول عربية عدة وانتهاء
بهجمات الحادي عشر من سبتمبر، التي قصدت
الرمز الاقتصادي للولايات المتحدة
الأمريكية، وهما برجا مركز التجارة
العالمي.
وتقدمت
هذه الإرهاصات خطوة جديدة بفعل تنبيه
الولايات المتحدة للسعودية قبل عامين
تقريبا من أن هناك احتمالات لتسلل عناصر
تنتمي إلى "القاعدة" إلى داخل
أراضي المملكة لمهاجمة منشآت نفطية
ومراكز تجارية يرتادها أجانب، وكذلك
بفعل الإجراءات الاحترازية التي
اتخذتها السلطات الكويتية بشأن تأمين
منشآتها النفطية بعد تصاعد حركة العنف
المضادة للتواجد الأجنبي هناك. وجاءت
تهديدات بن لادن المباشرة بضرب أنابيب
نقل النفط لتأخذ هذه الخطوات إلى أبعد
حد احترازي ممكن.
التقاء
الشبكتين
وهذه
الهواجس إلى جانب الجذور المشار إليها
قد ترجح استمرار التقاء الشبكتين في
المستقبل المنظور، حال تضييق الخناق
على "تنظيم القاعدة"، الذي يدرك
أهمية النفط للدول الغربية، سواء من
ناحية الاستهلاك أو حركة الاستثمار
التي تقوم بها شركات طاقة دولية كبرى.
وكأن "القاعدة" هنا تتوهم إمكانية
تلبية الدعوات المتكررة التي تطلقها
مؤسسات عربية غير رسمية وخبراء ومفكرون
حول استخدام "سلاح النفط" ضد الدول
الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، ردا
على تحيزها السافر إلى إسرائيل في
صراعها مع الدول العربية، واعتداءاتها
المتكررة على الشعب الفلسطيني. وما يزيد
من هذا الترجيح أن القيام بعمليات تفجير
أنابيب النفط والغاز في عمق الصحراء، أو
الاعتداء على شاحنات نقل النفط في أثناء
عبورها المضايق البحرية مثلما حدث
للشاحنة الفرنسية في مياه اليمن خلال
شهر أكتوبر من عام 2002، يبدو أمرا يسيرا
إلى حد كبير، نظرا لأن هذه الأنابيب
تمتد مئات بل آلاف الكيلومترات في مناطق
غير آهلة بالسكان، ومن الصعب توفير
الحماية الأمنية الكافية لها.
ومن
هنا فإن شبكة الأنابيب التي تمتد
كالشرايين والأوردة والشعيرات الدموية
في جسد الكرة الأرضية، وتبلغ نحو 191 ألف
كم من أنابيب النفط الخام، و392 ألف كم من
أنابيب تحمل مشتقات نفطية و804 آلاف كم
أنابيب غاز طبيعي، تعد هدفا يسيرا
لتنظيم القاعدة، الذي بوسعه أن يهاجمها
إما بسيارات مفخخة، كما حدث في أبقيق،
أو بصواريخ محدودة المدى وضعيفة القدرة
التدميرية، لكنها ستؤدي إلى اشتعال
مصافي النقط وآباره فور وصولها إليها،
كما يمكن أن يتمكن التنظيم من خطف
طائرات حربية أو مدنية من دول الخليج أو
خارجها، لمهاجمة هذه الأهداف مباشرة.
لم
استهداف المنشآت النفطية؟
ويسعى
الإرهابيون -سواء كانوا يرفعون الإسلام
شعارا سياسيا لهم أم ينتمون إلى واحدة
من الحركات المتطرفة التي تمارس العنف
على أي من الخلفيات الأيديولوجية
السائدة- من وراء استهداف منشآت نقل
الطاقة إلى تحقيق خمسة أهداف رئيسية،
أولها: حرمان الأنظمة الحاكمة من ميزة
التنعم بالعائدات التي تحققها مبيعات
النفط والغاز الطبيعي، والتي تمنح هذه
الحكومات القدرة على تحقيق الاستقرار
والاستمرار في سدة السلطة، عبر استخدام
العائدات والوفورات النفطية في تلبية
الاحتياجات المادية للشعوب، بتنفيذ
مشروعات خدمية، ومكافأة الموالين
للقائمين على الأمر. وثانيها أن مهاجمة
وسائط نقل الطاقة توفر بالنسبة
للراديكاليين فرصة ذهبية للانتقام من
قوى عالمية بحاجة ماسة للنفط لتشغيل
حركة التصنيع، وسد الاستهلاك اليومي
لمواطنيها من مختلف مشتقات النفط. كما
أنها تعد وسيلة للنيل من مصالح بعض
الشركات الدولية العملاقة العاملة في
مجالات الطاقة، والتي ينتمي أغلب
مالكيها إلى دول يعتبرها تنظيم القاعدة
عدوا له. وينطبق هذا الأمر بجلاء على
الولايات المتحدة ، التي تعمل الإدارات
المتعاقبة التي تحكمها، على رسم سياسات
خارجية تهدف إلى تحقيق مصالح الشركات
الأمريكية، وهي مسألة يبرهن عليها
الإصرار الأمريكي على رسم مستقبل
مشروعات الطاقة في منطقة بحر قزوين،
والاهتمام بالسودان وبدول غرب أفريقيا
التي ظهر النفط فيها حديثا.
أما
الهدف الثالث فيتعلق بإمكانية قيام هذه
الجماعات والتنظيمات بخرق أنابيب النفط
في أماكن معزولة بعمق الصحراء، بعيدا عن
الحماية الأمنية المحلية لأي دولة أو
الحماية الدولية العامة، ثم سرقة النفط
المتسرب وتهريبه للبيع في السوق
السوداء، واستخدام عائداته المادية في
الحصول على السلاح والمتفجرات وبناء
الهياكل التنظيمية وتجنيد الأتباع، أو
تعزيز النفوذ الاجتماعي لهذه التنظيمات
بشكل عام. وما يساعد على تحقيق هذا الهدف
أن السوق السوداء للنفط تعد نشطة نسبيا،
ولها زبائنها في مختلف أرجاء العالم،
لدرجة أن بعض الدول المنتجة للنفط داخل
"أوبك" تبيع جزءا من إنتاجها في هذه
السوق، للتحايل على الحصص الإنتاجية
الملتزمة بها. والهدف الرابع هو استغلال
الاهتمام الدولي الشديد بالطاقة في
تحقيق ضجة إعلامية من خلال مهاجمة وسائط
نقل النفط والغاز الطبيعي، بما يلفت
الانتباه إلى وجود هذه التنظيمات
المنفذة للهجوم، وبما قد يجبر الأنظمة
الحاكمة على التعاطي مع مطالبها. أما
الهدف الخامس فهو تعظيم تأثير العامل
النفسي، الناجم عن الشعور بوقوع النفط
تحت تهديد دائم، في رفع أسعار هذه
السلعة الحيوية، وبالتالي تكبيد كبار
مستهلكي الطاقة، وفي مقدمتهم الولايات
المتحدة، خسائر مالية كبيرة، تروق
لتنظيم القاعدة الذي أعلن مسئوليته عن
حادث أبقيق، وتوعد بمزيد من الهجمات على
منشآت النفط في الخليج العربي برمته.
اقرأ
أيضًا:
**
مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة.
|