 |
|
الملك عبد الله مع رئيس الوزراء الصيني وين جياباو خلال زيارته للصين في 23 يناير 2006 |
فتحت
الزيارة التي قام بها خادم الحرمين
الشريفين الملك عبد الله لكل من الصين
والهند وهونج كونج وماليزيا وباكستان
أواخر يناير وأوائل فبراير 2006 الباب
أمام قفزة عربية سعودية جديدة نحو الشرق
ضمن سياسة التوجه شرقًا التي بدأتها
العديد من الدول العربية، وخصوصًا
الخليجية لأسباب اقتصادية تتعلق
بالاستفادة من نموذج النمو الآسيوي،
وأخرى سياسية ذات دلالة تتلخص في موازنة
الضغوط الغربية المتزايدة.
والحقيقة
أن سياسة "التوجه شرقًا" التي
عكستها زيارة الملك عبد الله الموسعة
الأخيرة، وحجم الصفقات والاتفاقات التي
عقدت خلالها، ليست سياسة سعودية خالصة،
وإنما هي سياسة بدأت دول عربية عديدة
انتهاجها منذ بروز دول النمور الآسيوية
وانهيار الشيوعية، وفرضتها أسباب
سياسية للتخلص من رهن إرادة الدول لدى
دول الغرب، وأخرى اقتصادية للاستفادة
من هذا التوهج الاقتصادي في نقل خبرات
وتجارب هامة.
وظهر
هذا التوجه شرقًا في سياسات العديد من
الدول العربية بداية من السودان ومصر،
وحتى دول الخليج والمغرب العربي، خاصة
مع التمدد الاقتصادي الصيني والهندي
والآسيوي عمومًا وعقد عشرات الاتفاقات
الاقتصادية، وشجع عليه سياسة "الازدواجية"
في السياسة الأمريكية تجاه القضايا
العربية، وربط المعونات والمساعدات
بضغوط سياسية وفرض إصلاحات خارجية
خصوصًا عقب هجمات 11 سبتمبر والحاجة
لموازنة هذه الضغوط الغربية.
صحيح
أن هذا التوجه ارتبط في العهد السوفيتي
بالمعنى الأيديولوجي، لكنه تحول كليًّا
منذ أوائل التسعينيات عقب تفتت الاتحاد
السوفيتي وانهيار الأنظمة الشيوعية في
شرق أوروبا وظهور النظام العالمي
الجديد، وبروز دول شرق آسيا
اقتصاديًّا؛ ليصبح مدلوله الجديد
مرتبطًا بالنمو الاقتصادي بشكل كبير،
وربما يعود مستقبلاً لمدلوله السياسي
في حالة تعاظم القوى الصينية والهندية
وبروزهما كدول عظمى جديدة في المنطقة.
توجه
إستراتيجي لا اقتصادي فقط
وأهمية
زيارة الملك عبد الله الأخيرة تكمن في
حجم ووزن المملكة السعودية الاقتصادي
والسياسي كقائدة لدول مجلس التعاون
الخليجي، ما يشير لتوقع نمو كبير في
سياسة "التوجه شرقًا" بين دول
الخليج مستقبلاً، وربما يزعج الغرب
والولايات المتحدة تحديدًا، خصوصًا أن
العلاقات السعودية الأمريكية مرت في
السنوات الأخيرة بمطبات عديدة.
فالزيارة
فضلاً عن مضامينها الاقتصادية الهامة -باعتبارها
زيارة اقتصادية للشرق بنكهة سياسية- فهي
من النوع الذي يستهدف ما يمكن أن نسميه
"تنويع مصادر الاقتصاد والسياسة"
بعدما ارتكز التعامل الاقتصادي على
مدار نصف القرن الماضي على الغرب، حتى
وصل الأمر إلى فرض إصلاحات والتهديد
بعقوبات في الكونجرس.
أما
المعنى الإستراتيجي لجولة الملك عبد
الله فأكبر من ذلك، ويمتد للحديث عن سعي
دول الخليج ككل منذ غزو الكويت والتدخل
الأمريكي في المنطقة للبحث عن روابط
إستراتيجية -غير الرابطة العربية- مع
تكتل الجوار الآسيوي الصاعد لحفظ أمنها
وتنمية اقتصادها استعدادًا لعصر انتهاء
الوفرة النفطية.
بعبارة
أخرى هناك أهداف إستراتيجية أخرى أهم من
مجرد توقيع اتفاقات اقتصادية، ربما
تمتد إلى استكشاف (شراكة إستراتيجية) مع
الشرق الآسيوي استعدادًا للتقلبات
السياسية في عالم اليوم، وبحثًا عن غطاء
سياسي آخر غير الغطاء الغربي، على
اعتبار أن الغطاء الآسيوي يختلف في أنه
لا يخضع للعوامل الأيديولوجية أو
للأهواء والمصالح والضغوط التي اشتهر
بها الغرب في سياساته حتى الاقتصادية.
أيضًا
تتميز أهمية هذا التوجه شرقًا أنه يأتي
في ظل الصعود القوي لاقتصاديات دول جنوب
شرق آسيا، خاصة الصين والهند وماليزيا،
والنمو السريع الذي لا يقارن في الشرق
بشيخوخة الاقتصاديات الغربية التي باتت
تعاني "تخمة" وانخفاضًا في النمو؛
ليصبح من الضروري التوجه أكثر نحو الشرق
ليس فقط لتأثر المملكة ودول الخليج بما
يجري في الشرق بحكم الجوار، ولكن
للاستفادة من هذا التطور الاقتصادي
والتكنولوجي العالي فيما يمكن أن نسميه
"الطفرة الاقتصادية الثانية للمملكة"
والتي بدأت الآن.
فالمملكة
العربية السعودية دخلت "طفرة
اقتصادية ثانية" -مثل الطفرة الأولى
بين عامي 1975 و1985- تقوم على تنمية البنى
التحتية والقيام بمشاريع اقتصادية ضخمة
بفضل فوائض الأرباح الهائلة في
ميزانيتي العامين 2005 و2006 نتيجة ارتفاع
أسعار البترول والتي بلغت 57 مليار دولار
فقط في عام واحد، وبالتالي هي في أشد
الحاجة للاستفادة من تجارب الدول
الآسيوية وقدراتها التنموية
والاقتصادية.
وفي
الوقت نفسه تعيش دول مثل الصين والهند
وماليزيا أزهى عصورها الاقتصادية التي
تتطلب تزايدًا في استهلاك الطاقة
والنفط والغاز، وهي بدورها في أشد
الحاجة للمملكة باعتبارها أكبر مصدر
لهذه الطاقة في العالم.
ولذلك
لم تكن زيارة خادم الحرمين لهذه الدول
الآسيوية عفوية أو زيارة مجاملة بقدر ما
كانت خطوة محسوبة خصوصًا أن هناك
اهتمامًا قديمًا للملك عبد الله بمنطقة
آسيا، حيث سبق له عندما كان وليًّا
للعهد أن زار الصين واليابان وباكستان
وكوريا الجنوبية.
كما
أن الملك يدرك أن النفوذ الاقتصادي في
عالم اليوم هو نفوذ سياسي. وإذا كانت هذه
الدول التي زارها والتي يقدر سكانها
تقريبًا بربع سكان الكرة الأرضية في
طريقها لتصبح قوى عظمى -وفقًا للتقارير
الإستراتيجية المستقبلية- فمن صالح
المملكة تطوير تعاونها معها وتوثيقه في
ظل سياسة تنويع مصادر الاقتصاد -على
غرار تنويع مصادر السلاح- وعدم الاقتصار
على الغرب والولايات المتحدة، خاصة في
ظل التردي المستمر للاقتصاديات الغربية
وخطر الاعتماد علي الغرب وحده
اقتصاديًّا على الأقل.
بعبارة
أخرى قد تشكل السوق الآسيوية مستقبلاً
متنفسًا هامًّا للمنتجات السعودية
البتروكيماوية وغيرها، كما أن آسيا
عمومًا تشكل سوقًا مهمًّا للصادرات
السعودية. وبالمقابل فإن احتياجات آسيا
من الطاقة في تزايد مطرد وتتضاعف، وبدون
هذه الطاقة التي تمثل الماء لحياة هذه
التكنولوجيا المتطورة تموت هذه
الاقتصاديات الآسيوية.
جولات
اقتصادية بطعم سياسي
من
هنا كانت أهمية المحطات الآسيوية
الأربع التي زارها خادم الحرمين
اقتصاديًّا وسياسيًّا والتي رافقه فيها
وفد رسمي رفيع المستوى، إضافة إلى نحو 20
من كبار رجال الأعمال السعوديين؛
لتوقيع عدد من الاتفاقيات الثنائية مع
نظرائهم في تلك الدول، وسيظهر مفعول هذه
الاتفاقات الضخمة التي وقعها الملك
هناك في سنوات الطفرة الاقتصادية
السعودية المقبلة.
وكان
البدء بزيارة الصين أمرًا منطقيًّا
بالنظر إلى قوتها السياسية
والاقتصادية، خاصة أن العملاق الصيني
يتزايد طلبه على النفط سنويًّا بنسبة 15%
نتيجة التوسع الاقتصادي والنمو الهائل،
كما أن الصين ثاني أكبر مستهلك للنفط في
العالم وتحتاج إلى مصادر نفط جديدة
لتغذي اقتصادها الذي يشهد تحولاً غير
مسبوق، وهذه الدولة الآسيوية العملاقة
استوردت 130 مليون طن من النفط الخام
العام الماضي 2005، أي بارتفاع نسبته 3.3%
منذ 2004، بعد نمو نسبته 30% في العام الذي
سبق.
ولهذا
وقعت الصين والسعودية عدة اتفاقات
لتوسيع التعاون بينهما في مجال الطاقة
والتبادل التجاري والتكنولوجي، بعدما
ارتفعت واردات الصين من النفط السعودي
وحده من 8.8 ملايين طن في 2001 إلى نحو 20
مليون طن العام الماضي، طبقًا للأرقام
التي نشرتها وسائل الإعلام الصينية
الرسمية وهذه تشكل 450 ألف برميل من النفط
السعودي يوميًّا و14% من مجمل واردات
الصين النفطية من العالم.
وقد
لخّص وزير الخارجية السعودي الأمير
سعود الفيصل الذي يرافق الملك عبد الله
في زيارته، أهمية رحلة الصين بقوله: "إن
الصين واحدة من أهم أسواق النفط،
والسعودية واحدة من أهم مصادر الطاقة
بالنسبة للصين، واتفاق الطاقة سيحدد
الإطار لاستثمارات محددة في مجال
الطاقة، إلا أن الاتفاقيات حول
المشاريع ستوقع بين شركات النفط في
البلدين".
ويبدو
أن الملك عبد الله يدرك هذا الهدف
الإستراتيجي في السعي نحو الشرق؛ لهذا
تحدث في كلمته الرسمية في الصين عن
رغبته في "الوصول إلى منظور مشترك
فيما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط
والقضايا العالمية"، وهو تلميح هام
في ظل تعاظم دور الصين العالمي كأمر
حيوي للاستقرار في المنطقة كي تحل قطبًا
ثانيًا يوازن الطابع الفردي الأحادي
لعالم القطب الأمريكي الواحد الحالي
الذي يترتب عليه أضرار كثيرة بالمصالح
العربية.
ومن
هذا المنطلق الاقتصادي السياسي كانت
أيضًا أهمية أول زيارة يقوم بها عاهل
سعودي إلى الهند منذ 50 عامًا تقريبًا
عندما زارها الملك سعود بن عبد العزيز
آل سعود في عام 1955، باعتبار أن الهند هي
أكبر ثاني دولة بعد الصين في آسيا
نموًّا اقتصاديًّا وحاجة للنفط
السعودي، فضلاً عن أنها تمتلك
تكنولوجيا إلكترونية متطورة جدًّا
وتوشك أن تتحول إلى "وادي سليكون"،
أي مركزًا متطورًا لتكنولوجيا الحاسبات
والإلكترونيات.
وقد
عبّر عن أهمية الزيارة "تلميذ أحمد"
المسئول البارز في الحكومة الهندية
بقوله: "إن الطاقة تمثل جوهر العلاقات
الثنائية بيننا.. السعودية هي مصدرنا
رقم واحد للنفط، حيث تلبي 26% من
احتياجاتنا، ومن المرجح أن يستمر ذلك
لعدة سنوات مقبلة"، كما أن الهند -التي
تستورد 70% من احتياجاتها من الطاقة- تود
تحويل العلاقات بينها وبين السعودية من
علاقة مشتر وبائع للنفط إلى علاقة
استثمار ومشاريع مشتركة؛ لأن ذلك يشكل
أساسًا صلبًا لدفع علاقات الطاقة بين
البلدين إلى الأمام".
وقد
برز في هذه الزيارة للهند، وكذلك
باكستان جانب سياسي آخر يتعلق بالدور
الذي تلعبه المملكة في تهدئة الصراع بين
الهند وباكستان، فضلاً عن الحاجة
السعودية لدور هندي في إنهاء أزمة
البرنامج النووي الإيراني الذي يقلق
بعض دول الخليج، وبما لا يضر المنطقة
ويدخلها في حروب جديدة تعصف بالفوائض
النفطية وتأكل حصاد الطفرة الاقتصادية
الجديدة.
وفي
ماليزيا تم توقيع العديد من الاتفاقيات
الاقتصادية والتجارية التي تعمل على
تواتر لمسيرة التعاون التجاري المتصاعد
بين البلدين، ففي الفترة الواقعة بين
عامي 1991 و2003، تضاعف حجم التبادل التجاري
بين السعودية وماليزيا أربعة أضعاف
ليرتفع من 212 مليون دولار إلى 991 مليون
دولار، وارتفعت صادرات ماليزيا إلى
المملكة من 108 ملايين دولار إلى 408
ملايين دولار، وارتفعت واردات ماليزيا
من المملكة من 104 ملايين دولار إلى 583
مليون دولار في الفترة نفسها.
جولة
الملك عبد الله الآسيوية ربما لم تكن
تستهدف فقط التوجه شرقًا من أجل التجارة
والنفط، بقدر ما كانت توجهًا أكبر ذا
دلالة أعمق على تحول إستراتيجي لموازنة
علاقات الغرب بالشرق، وإذا كان هذا
التوجه قد نبذته المملكة في ظل العهد
الشيوعي، فهو الآن أكثر قبولاً
واحتمالاً لمزيد من التطور والانفتاح
على اقتصاديات شرق آسيا المتطورة.
اقرأ
أيضًا:
**المحلل السياسي بموقع "إسلام أون لاين.نت".
|