|
هل
نجحت أمريكا في احتواء الهند نوويا؟
|
|
إبراهيم
غالي**
|
13/03/2006
|
|

|
|
الرئيس الأمريكي بوش ومانموهان سينغ رئيس الوزراء الهندي
|
اتفاق
التعاون النووي الذي وقعته الولايات
المتحدة والهند في أثناء زيارة الرئيس
الأمريكي "بوش" لنيودلهي يومي 2 و3
مارس 2006 يبدو غريبًا في طبيعته
وتوقيته، وأيضًا من حيث مصالح الطرفين
منه، ونتائجه المتوقعة على قضية الحد
من انتشار الأسلحة النووية عالميًّا.
ورغم
أن الاتفاق لا يزال في انتظار موافقة
برلمان كل من الدولتين، وكذا دول
مجموعة المزودين النوويين الخمسة
والأربعين، فإن التوقيع عليه يدفع إلى
الحديث ليس فقط عن طبيعة الاتفاق
وبنوده، ولكن أيضًا تجاوزه إلى قضايا
أبعد من ذلك.
ويمكن
القول إنه اتفاق سياسي أكثر منه اتفاق
تكنولوجي. ذلك أن المصالح السياسية
التي يحققها الاتفاق للجانبين هي
الأبرز وضوحًا وهي السبب لتوقيعه
بالأساس. وقد بدأ الحديث عن هذا
الاتفاق في شهر يوليو 2005، وكان من
ثماره السياسية الأولى تراجع الهند عن
موقفها السابق الحيادي تجاه مسألة
البرنامج النووي الإيراني وميلها إلى
الموقف الأمريكي في هذا الشأن.
نوعان
من الاحتواء
ولعل
الإدارة الأمريكية قد هدفت من وراء هذا
الاتفاق ضرب عصفورين بحجر واحد؛ فهي
أولاً تسعى إلى شراكة مع الهند، ولكن
مع احتواء النزعة القومية لها وتوقفها
عن استكمال مشروعها النووي الضخم الذي
يحولها بالفعل إلى قطب عالمي جديد.
فليس خافيًا أن الهند قدمت عقيدتها
العسكرية النووية في أغسطس 1999 بشيء من
الغموض الهادف إلى تعزيز قدراتها
النووية طبقًا للتغيرات الجديدة على
الصعيد الدولي، وأنها لا تزال تتعمد
الغموض رسميًّا في الكشف الدقيق عن حجم
ترسانتها وقوتها النووية. ومن ثَم فإن
بناء شراكة مع الهند إيجابي بالنسبة
للولايات المتحدة، ولكن مع تقييد
الطموح النووي الهندي بشكل هادئ.
لذلك
تم الاتفاق على أن تمد الولايات
المتحدة الهند بالتكنولوجيا النووية
اللازمة للأغراض المدنية حلاًّ لمشكلة
تزايد الطلب على الطاقة بالهند.
وبالمقابل ستقوم الهند بفصل برامجها
العسكرية عن المدنية، وفتح 14 من
مفاعلاتها النووية الاثنين والعشرين
لعمليات التفتيش الدولي. وبالرغم من أن
الهند هي التي ستقرر أيًّا من
مفاعلاتها لأغراض مدنية وأيها لأغراض
عسكرية، فإن الحصيلة النهائية هي
تعرضها للتفتيش ودخولها معاهدة منع
الانتشار النووي، بل وتعرضها فيما بعد
لضغوط أمريكية وغربية تحول دون
تطويرها الترسانة النووية التي تسعى
لامتلاكها في العقود القادمة.
الاحتواء
الثاني الذي قصدته إدارة بوش كان
موجهًا إلى الصين. ولا يخلو التوقيع
على الاتفاق من تلك الدلالة، فثمة تخوف
أمريكي من الصعود الصيني من جانب،
وتخوف من قيام تحالف مستقبلي بين
العدوين اللدودين سابقًا (الهند
والصين) من جانب آخر. فقد شهدت السنوات
الماضية تحسنًا كبيرًا في علاقة
الدولتين الجارتين؛ إذ وقعتا عام 1993
اتفاقية لحفظ السلام والهدوء، وتم
تدشين حوار أمني وإجراءات لبناء الثقة
عام 2000، واتفاقهما عام 2004 على توطيد
علاقاتهما العسكرية. وإذا أضيف لذلك
التقارب الهندي الباكستاني الذي أسهم
فيه دخول الدولتين في تكتلات اقتصادية
آسيوية، فإنه يمكن القول إن الولايات
المتحدة لا بد أن تقف حجر عثرة أمام
نشوء تحالفات بالمنطقة تخل بطبيعة
النظام الدولي الراهن، وإن كان ذلك لا
ينفي أن ثمة عقبات كبيرة غير الولايات
المتحدة تحول أيضًا دون إتمام التقارب
الهندي الصيني.
ولعل
دخول أمريكا إلى الهند بقوة قد أحدث
مفعوله سريعًا، فبعد أشهر من بدء
الحديث عن الاتفاق النووي مع الهند منذ
يوليو 2005، قام الشريكان الصين
وباكستان أواخر عام 2005 بتوقيع 22
اتفاقًا للتعاون أحدها تتعهد فيه
الدولتان ألا يقوم أحدهما بعمل قد يؤثر
في أمن البلد الآخر وسلامته، أي هو
اتفاق موجه إلى الهند والولايات
المتحدة؛ وهو الأمر الذي يعيد أي تحسن
في العلاقات الهندية الصينية والهندية
الباكستانية خطوات إلى الوراء.
منع
الانتشار في مهب الريح
هذه
الأغراض السياسية التي سعت الولايات
المتحدة لتحقيقها قد كرست من ناحية
أخرى مبدأ عدم احترام الإدارة
الأمريكية لكل اتفاقات منع الانتشار
النووي، بل إن توقيت الإعلان عن
الاتفاق، في وقت تواجه فيه الولايات
المتحدة إيران وهي عضوة بمعاهدة منع
الانتشار النووي، يثير التساؤل حول
مصير نظام منع الانتشار بأكمله. ويشير
"دارييل كيمبول" المدير التنفيذي
لرابطة مراقبة الأسلحة الأمريكية
المستقلة إلى أن الحرية التي تتمتع بها
الهند في منع قيام أية عمليات تفتيش
على أية مفاعلات نووية مستقبلية،
تناقض مزاعم الإدارة الأمريكية بأن
الاتفاق يفيد الحد من الانتشار
النووي، وأضاف: "لقد باع البيت
الأبيض المبادئ والمواقف الأمريكية
الأساسية المتعلقة بالحد من الانتشار
النووي".
فالاتفاق
الأمريكي الذي سبقه اتفاق تعاون فرنسي
هندي في المجال النووي وقع في شهر
فبراير 2006 هو اعتراف صريح بدخول عضو
جديد للنادي النووي رغم عدم توقيعه على
اتفاقية منع الانتشار، وبإمكانية أن
يمارس هذا العضو الاتجار في مواد نووية
وتصدير التكنولوجيا النووية للخارج؛
وهو الأمر الذي يعترض عليه عدد من
النواب بمجلسي النواب والشيوخ
الأمريكيين؛ لأنه يؤدي لمزيد من مخاطر
الانتشار النووي عالميًّا.
ويصل
بعض المحللين لدرجة أعلى من التشاؤم
إزاء نتائج هذا الاتفاق؛ فالمحلل
بصحيفة "الإيكنومست" البريطانية
"سترانج ديل" يرى أن الصين ستفعل
نفس الأمر مع باكستان وتمدها بمزيد من
القدرات النووية، وأن هذا الأمر لن
يؤثر فقط على إجراءات بناء الثقة في
جنوب آسيا وشرقها، بل ستمتد آثاره إلى
بلدان الشرق الأوسط بداية من استمرار
تمسك إيران بخيارها النووي وصولاً إلى
دخول الصين وأمريكا سباقًا للتسلح
الإقليمي قد يفضي إلى أن يكون السلاح
النووي جزءًا من حفظ أمن الدول من
السعودية ومصر إلى اليابان وكوريا
الجنوبية وتايوان.
ولعل
هذا الرأي السابق يتماشى مع أبسط
المقولات القديمة التي فسرت انتشار
الأسلحة النووية والتي تقول بأن
الانتشار يولد الانتشار. فالاتحاد
السوفيتي "سابقًا" سعى للحصول على
السلاح النووي لمواجهة الحرب الوقائية
الأمريكية، وسعت كل من بريطانيا
وفرنسا لمواجهة الخطر السوفيتي، كما
قامت الصين ببناء ترسانتها النووية
خوفًا من التهديد الأمريكي، ثم سعت
الهند لتطوير برنامج نووي لمواجهة
التهديد الصيني خاصة بعد خسارتها حرب
1962 بين البلدين، وهكذا فعلت باكستان في
محاولة التكافؤ ولو القليل مع الهند.
وفي
حالتنا العربية، امتلكت إسرائيل
السلاح النووي؛ لأنها ترى نفسها وسط
محيط من الأعداء يسعون إلى تدميرها،
ولا بد أن تملك الرد المناسب والحاسم
في نفس الوقت... وهكذا تدور دورة
الانتشار في كل أنحاء العالم.
والغريب
أن د. محمد البرادعي المدير العام
للوكالة الدولية للطاقة الذرية قد
أشاد بالاتفاق النووي الذي أبرم بين
الولايات المتحدة والهند، باعتباره
يعزز الجهود الرامية إلى الحد من
انتشار الأسلحة النووية، ولأنه يشكل
خطوة مهمة لتلبية الحاجات المتزايدة
للهند في مجال الطاقة ومن بينها
التكنولوجيا النووية والوقود كعامل
تنمية.
وبذلك
يرى البرادعي أنه لا سلبيات للاتفاق
وكأن مجرد توقيع دولة تمتلك سلاحًا
نوويًّا فعليًّا على معاهدة منع
الانتشار النووي هو إنجاز لهذا النظام
الذي فشل على مدار نصف قرن في تحقيق
هدفه الأصلي، وهو نظام نشأ فقط لأغراض
ومصالح الدول النووية الخمس المعلنة،
ولم يتضمن أي بنود حول الرقابة على أو
منع امتلاك دولة لا تنتمي للمعاهدة
للسلاح النووي.
الهند
أيضًا خاسرة
وعلى
الجانب الهندي، ثمة مكاسب سياسية
عديدة يحققها الاتفاق، فهو ينهي عزلة
الهند نوويًّا، ويضفي عليها اعترافًا
دوليًّا، وبشروطها، بأنها القوة
النووية السادسة عالميًّا، كما أنها
ولا شك تستفيد اقتصاديًّا وسياسيًّا
في تعاملها مع الغرب بوجه عام، وتدخل
نفسها بقوة في السياق الدولي.
بيد
أن هذه المصالح السياسية سيقابلها
تراجع آخر في المجال النووي الهندي،
فالاتفاق في أحسن الأحوال سيمثل قيدًا
إضافيًّا على تطوير الهند لقوتها
النووية ويجعلها مستقبلاً قوة نووية
وسطى فقط.
وحتى
يتضح الأمر، فإن العقيدة النووية
الهندية تقوم على إستراتيجية الحد
الأدنى من الردع ذي المصداقية، ويفسر
ذلك بأن الحد الأدنى للردع يتطلب أن
يصل حجم الترسانة النووية الهندية ما
بين 60 و130 رأسًا نوويًّا، وأما الردع ذو
المصداقية فهو يتطلب ما بين 300 و400 رأس
نووي تكفي لمواجهة الصين وفرنسا
وبريطانيا.
وثمة
توجه آخر لدى بعض العسكريين الهنود،
فهم يفرقون بين ردع لمواجهة تهديد
إقليمي بالأساس وردع يواجه تهديدًا
أكبر، والأخير يتطلب أن تنتج الهند
أكثر من 300 رأس نووي ووسائل إطلاقها من
الصواريخ عابرة القارات والغواصات
النووية.
وإذا
كانت التقديرات الرسمية الهندية تشير
إلى امتلاك الهند بين 30 و40 رأسًا
نوويًّا، بينما تشير تقديرات مركز
كارنيجي لعام 2005 إلى أن لديها ما بين 50
و90 رأسًا، فإن الطريق الهندي لا يزال
طويلاً لتحقيق هدفه.
والمشكلة
أن ثمة خلافًا أيضًا بين القادة
العسكريين حول شكل الردع الهندي
المطلوب في ظل الصعوبات الاقتصادية
والتكنولوجية التي يواجهها مثل هذا
التطوير للردع الهجومي والذي يتطلب
نحو 40 بليون دولار لإنتاج ما يزيد عن 300
رأس نووي.
ويقف
الاتفاق الأخير مع الولايات المتحدة
عائقًا أمام هذا التطوير؛ لأنه ستجرى
مراقبة بعض المفاعلات الهندية، ولأنه
لن تسمح الولايات المتحدة أن تتجاوز
العقيدة الهندية حد الردع الأدنى في ظل
اتفاق مشترك بينهما، وسيكون بمقدور
الولايات المتحدة أن توقف الصفقات
الهندية التي ترمي إلى جلب تكنولوجيا
الصواريخ عابرة القارات (5000 كم) أو
الغواصات النووية من بعض الدول
الغربية.
الاتفاق
إذن وإن كان يوحي في ظاهره بانتصار
هندي وتراجع أمريكي، أو العكس، إلا أنه
ضربة أمريكية جديدة لجهود الحد من
انتشار الأسلحة النووية، ودليل على أن
تحالفات القوى اليوم لا تتم إلا بين
أقوياء حتى لو اخترقت كافة قواعد
القانون الدولي.
اقرأ
أيضا:
الهند
والمسألة النووية.. لا تنازلات
الصين
وجنوب آسيا.. واقعية جديدة
أمريكا
وباكستان ازدواج في المعايير وتناقض
في الممارسة
كلينتون
في الهند.. لا مكاسب للطرفين
جنوب
شرق آسيا.. صيف عسكري حار جدا!
آسيا
المتنامية: ماذا أعدت أمريكا لها؟
*
محرر الشئون السياسية بموقع "إسلام
أون لاين.نت"
|