|

|
|
بيتر حكيم
|
شهدت
العلاقات الأمريكية اللاتينية في الآونة
الأخيرة ركودا واضحا، نشأ عن عدة عوامل
تضافرت مع بعضها البعض لتفرز في النهاية ذلك
الوضع الراهن. وقد نبعت تلك العوامل من
الطرفين على السواء؛ بمعنى أن الاثنين كان
لهما دور أساسي في تعكير العلاقات؛ فواشنطن
نظرت بتجاهل إلى القارة اللاتينية، غاضة
الطرف عن مشوارها الديمقراطي الطويل،
والحكومات اللاتينية نظرت بريبة وتوجس إلى
الدور الأمريكي في قيادة العالم، متشككة في
ذلك الدور "الأحادي" الذي استفحل بعد
أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.
بمعنى
آخر: لقد تضافرت نظرة "التجاهل" (من جانب
واشنطن) مع نظرة "الريبة" (من جانب القارة
اللاتينية) لتنتج تلك العلاقة الراكدة التي
لم تكن متواجدة في أوائل التسعينيات.
إلا
أن واشنطن لا تدرك مدى خطورة ذلك "الركود"
على الاقتصاد الأمريكي الذي يعتمد بشكل مكثف
على القارة اللاتينية -وهو ما أبرزته منذ فترة
مجلة "فورين آفيرز" الأمريكية في يناير/فبراير
2004، تحت عنوان "الشريك المتردد" أو Reluctant
Partner- مُلقيةً الضوء على أهمية القارة
للاقتصاد الأمريكي، ولا سيما البرازيل التي
تعتبر أكبر وأكثر الدول تأثيرا في القارة.
تجاهل
القارة اللاتينية
بعد
نهاية الحرب الباردة في عام 1989 -كما أشار "بيتر
حكيم" في مقاله في الـ"فورين آفيرز" في
يناير/فبراير 2006 بعنوان "هل خسرت واشنطن
أمريكا اللاتينية"- كان هناك اعتقاد أمريكي
بأن توجه القارة اللاتينية نحو الديمقراطية
واقتصاد السوق سيكون له تأثير عميق في توطيد
العلاقة بين القارتين. وقد كان هناك من
الممارسات الفعلية ما دعم ذلك التوجه:
-
تقديم "مقترح برادي" لتخفيف الديون
طويلة الأمد عن كاهل القارة اللاتينية.
-
توقيع "اتفاقية أمريكا الشمالية للتجارة
الحرة" بين الولايات المتحدة وكندا
والمكسيك.
-
تهدئة وتيرة الحروب البينية في أنحاء القارة
اللاتينية.
-
إنقاذ واشنطن للاقتصاد المكسيكي في عام 1995.
أما
ما بعد عام 1995، فقد باتت السياسة الأمريكية
تجاه القارة متسمة بالتركيز فقط على القضايا
الملحة، دون وضع إستراتيجية واضحة الملامح
والأهداف. ومن تلك
القضايا المُلحة التي ذكرها "حكيم" في
الـ"فورين آفيرز" تحت عنوان "هل تخسر
واشنطن أمريكا اللاتينية؟" تنامي الدور
الصيني في القارة اللاتينية، وتنامي قوة
الرئيس الفنزويلي "هوجو شافيز". وجاءت
أحداث سبتمبر 2001 لتُزيد واشنطن بعدا عن
القارة، جاعلةً العلاقة معتمدة أكثر على "المُلحّ"
دون "الإستراتيجي"؛ الأمر الذي ولَّد
الريبة والتوجس لدى حكومات أمريكا اللاتينية.
الريبة
تجاه واشنطن
إن
تركيز واشنطن على "المُلح" فقط أدى إلى
تدني التأييد "اللاتيني" للسياسات
الأمريكية. فالغالبية العظمى للاتينيين،
سواءً حكومات أو شعوبا، باتت لا تؤمن
بالاعتماد على واشنطن كشريك موثوق فيه.
وزاد من ذلك التوجس فشل واشنطن في قيادة
العالم بعد سقوط الاتحاد السوفيتي في عام 1989،
ثم بعد تفجيرات سبتمبر 2001.
هذا
بالإضافة إلى المواقف الضعيفة والمخزية
للإدارة الأمريكية تجاه شئون حساسة كثيرة؛
وهو ما أدى إلى تضاعف الريب اللاتيني تجاه
الشريك الأمريكي؛ وهو الأمر الذي جعل "حكيم"،
وهو رئيس الحوار الأمريكي الداخلي، يعترف
قائلاً: "إن العلاقات الحالية بين
الأمريكيتين تشهد أدنى درجاتها منذ نهاية
الحرب الباردة".
إلا
أن "حكيم" لا يلقي اللوم فقط على الإدارة
الأمريكية، وإنما يلقي اللوم أيضا على جميع
حكومات أمريكا اللاتينية التي تباطأت
وتكاسلت في معالجة الإشكاليات الاجتماعية
والاقتصادية من جذورها وأصولها، مكتفيةً
بالإصلاحات الجزئية المطلوبة لإقامة مؤسسات
ديمقراطية شكلية. هذا فضلاً عن استخدام بعض
القادة اللاتينيين للشعارات المناهضة
لواشنطن، بهدف كسب الأصوات فقط دون الرغبة
الحقيقية في الإصلاح.
الاقتصاد
الأمريكي وتغيير الحسبة
وتعلل
بعض الدوريات الأمريكية تجاهل واشنطن للقارة
اللاتينية بتدهور الأخيرة سياسيا واقتصاديا
طيلة السنوات العشر الماضية؛ وقد ذكرت الـ"فورين
آفيرز" في مقالها "الشريك المتردد": إن
النمو الاقتصادي البطيء في أنحاء القارة مع
تصاعد التوترات السياسية والاجتماعية قد أدى
إلى تهديد الأجندة الأمريكية تجاه القارة،
وهي الأجندة التي تسعى إلى جعل القارة شريكا
أكثر إنتاجا وتنافسا، عبر دعم السياسات
الديمقراطية واقتصاد السوق، وعبر دفع عجلة
التجارة الحرة والاستثمارات، وعبر دعم
الجهود التعاونية لحل القضايا العامة مثل
الإرهاب والمخدرات.
وفي
قراءة هذا التعليل، نحسب أن تجاهل واشنطن
لأمريكا اللاتينية إنما هو ناتج عن خروج
الأخيرة عن الخط "الديمقراطي" الأمريكي
المرسوم، واختيارها لخط آخر، وهو الخط
اليساري. وقد سمت الـ"فورين
آفيرز" خروج أمريكا اللاتينية عن الخط
الأمريكي بالنمو الاقتصادي البطيء تارةً،
وبتصاعد التوترات السياسية والاجتماعية
تارةً أخرى؛ وذلك من أجل إخفاء تحيزها لنموذج
الإصلاح الأمريكي.
بمعنى
أكثر صراحة: إن الإدارة الأمريكية غير راضية
عن اختيار أمريكا اللاتينية لخط آخر للإصلاح
غير الخط الأمريكي، لا سيما إن كان هذا الخط
يساريا، ومن ثم يجيء وصف ذلك "الخروج"
بكل ما هو سلبي.
إلا
أن "بيتر حكيم" لا يعفي الإدارة
الأمريكية من أهمية توثيق العلاقات مع القارة
اللاتينية حتى ولو "شذت" عن الخط
الأمريكي، والسبب في
ذلك بسيط؛ وهو أن واشنطن لها سوق كبيرة في
أمريكا اللاتينية؛ حيث تصل الصادرات
الأمريكية للقارة إلى 150 بليون دولار سنويا؛
وهو ما يعادل نفس نسبة الصادرات الأمريكية
تقريبا إلى الاتحاد الأوربي.
والعجيب،
كما يقول "حكيم" في مقاله، أن يذهب ثلثا
الصادرات الأمريكية إلى المكسيك دون بقية
الدول الأمريكية اللاتينية الأخرى، وعدم
إعطاء دولة مثل البرازيل حظها من تلك
الصادرات، وعدم إعطائها مكانتها التي
تستحقها في القارة اللاتينية إنما ينم عن خلل
في الإدراك الأمريكي، كما تقول الـ"فورين
آفيرز"؛ إذ كيف تستغني واشنطن عن دولة مثل
البرازيل، التي تعتبر المحدد الأهم لمدى نجاح
السياسة الخارجية الأمريكية في القارة؟! وكيف
تستغني واشنطن عن دولة مثل البرازيل، صاحبة
التأثير الكبير على دول القارة بأكملها،
وصاحبة "التأثير المتطاير"
spill over effect
على أنحاء القارة؟ وأخيرا، كيف تستغني واشنطن
عن دولة مثل البرازيل التي تعتبر أكبر منتج في
القارة؛ إذ تنتج نصف منتجاتها وخدماتها؟!.
ومن
ثم، تنصح الـ"فورين آفيرز" الإدارة
الأمريكية بضرورة تغليب مصلحتها الاقتصادية
والتجارية على أي شيء آخر. ومنها أن تحوز
السياسات الاقتصادية في البرازيل على أهمية
عُليا لدى واشنطن؛ ومنها أن يهتم "بوش"
بتوطيد علاقته مع "لولا"، فنجاح
الأخير -حتى ولو كان على ظهر "شافيز" أو
"كاسترو"- معناه الاستقرار في البرازيل،
والاستقرار البرازيلي أساس لاستقرار القارة
بأكملها، واستقرار القارة اللاتينية أساس
لاستقرار السوق الأمريكية؛ وهو ما تطمح إليه
واشنطن أولا وأخيرا.
بيد
أن مثل هذه الآراء التي تنصح الإدارة
الأمريكية بتغليب مصالحها الاقتصادية
والتجارية مع قارة أمريكا اللاتينية على ما
عداها من اعتبارات ولو كانت أيديولوجية
تتجاهل حقيقة هامة، وهي أن أمريكا اللاتينية
كانت من بين أكثر مناطق العالم تضررا من
السياسات الليبرالية الجديدة؛ إذ أدت
إجراءات التحرير التجاري والمالي إلى تسريع
سيطرة الاحتكارات المتعددة الجنسيات
الأمريكية والأوربية على أسواقها الداخلية،
وزادت في الوقت نفسه من ارتباط الاقتصادات
الإقليمية بالأسواق الخارجية على مدار عقدي
الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.
وكانت
الولايات المتحدة تدفع بنهاية التسعينيات
إلى تعزيز هيمنتها الاقتصادية على القارة عبر
تطويرها لمنطقة التبادل الحر في أمريكا
اللاتينية، لكن مع بدء تصاعد وصول الرؤساء
اليساريين منذ عام 1998 وحتى الآن (لويس إيناسو
لولا داسيلفا في البرازيل، ونستور كيرشنر في
الأرجنتين، وتاباري فاسكويس في مونتيفيديو،
وهوجو تشافيز في فنزويلا، وإيفو موراليس في
بوليفيا) قد خلق وضعا جديدا يحد من هيمنة
الولايات المتحدة اقتصاديا على القارة.
غريب
إذن أن يتغافل المحللون الأمريكيون هذه
الحقائق، فالاقتصاد والسياسات الليبرالية
والمستغلة كانت سببا فيما تشهده أمريكا
اللاتينية من انقلابات بيضاء على منهج
السياسة الأمريكية في القارة، وكانت سببا
أيضا لتتجه القارة أكثر من ذي قبل إلى تعزيز
التعاون الاقتصادي فيما بينها؛ إما من خلال
تطوير السوق المشتركة لدول المخروط الجنوبي
"ميركوسور"، أو من خلال ظهور مشروعات
جديدة مثل البديل البوليفاري
ALBA
الذي تسعى
فنزويلا إلى أن يحظى بدعم وتأييد قادة القارة
في محاولة لمواجهة النفوذ الأمريكي.
اقرأ
أيضا: