بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

المنطقة العربية

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


القضاء المصري بين الاستقلال والاحتواء

24/05/2006

محمد عبد القادر**

المستشار طارق البشري

في خضم الأزمة الساخنة التي تصاعدت وتيرتها مؤخرًا بين السلطة التنفيذية ورجال السلطة القضائية في مصر، أطل علينا المستشار "طارق البشري" بكتابه الجديد الذي صدر مطلع شهر مايو 2006، قبل محاكمة القاضيين مكي والبسطويسي بأيام قليلة، وحمل عنوان "القضاء المصري بين الاستقلال والاحتواء"؛ ليوضح جوانب عديدة لمشهد سياسي وقانوني ربما لا يدركه الكثيرون في مصر حول العلاقة بين القضاء والسلطة وتاريخها في مصر.

ويؤكد البشري أن النزعات والأزمات التي ارتبطت بالقضاء المصري ونزاهته واستقلاله، تمتد منذ خمسينيات وستينيات القرن الخالي، حيث أحداث مجلس الدولة عام 1954 ومذبحة القضاء في عام 1969، لنصل إلى عام 2006، وكأن شيئًا في الكون لم يصبه جديد. ذلك بعد أن أحيل المستشاران هشام البسطويسي ومحمود مكي لمجلس تأديب في سابقة تُعَدّ الأولى من نوعها، إثر اتهامهما بالإساءة إلى بعض القضاة القائمين على الانتخابات البرلمانية الماضية بالضلوع في عمليات تزوير لصالح الحزب الحاكم.

الكتاب يحمل بين صفحاته زخرًا بمعلومات جد قيمة، تنضح بقناعة ذاتية تصلح لأن تغدو قاعدة أو مبدأ عامًّا، مؤداها أن الأمن الاجتماعي يحتاج إلى نظام قضائي مستقيم ومقتدر، وهذا النظام ليس مطلوبًا لمحض كفالة الحقوق ورد المظالم، وإنما كذا لكفالة انتظام الجماعة في شئونها وحفظ القدر الكافي لتماسكها واطراد سيرها، والأمر هنا أمر سمعة واطمئنان وثقة، بالمعاني الجماعية لهذه الكلمات؛ ليبقى لدى أفراد الجماعة الاستعداد للتحاكم ما بقيت هذه المعاني مستقرة حسب الغالب من الحالات.

وعليه، فلا إصلاح ديمقراطيًّا ناجعًا بغير إصلاح قضائي حقيقي، وآية ذلك أن نظم الحكم عندما تكون قوية فيما تقدمه للناس من سياسات ناجعة ونافعة، وفيما تستند إليه من مسوغات شرعية سياسية كانت أو ثقافية، وفيما تشيعه لدى الناس من روح الأمل والرجاء المبني على إرهاصات مقنعة، فهي بذلك تتعامل بثقة واطمئنان وبقدر من الشجاعة مع مختلف القضايا والمطالب الجماهيرية. بيد أنها حين تفتقد هذه القوة في أي من المجالات السابقة، إنما تكون على درجة كبيرة من الاحتياج لأن تتستر وراء مؤسسات تشتهر بالحياد والاستقلال، وهو ما حدث في أعوام 1951 - 1952 في أواخر سنوات الملك فاروق، ثم حدث في 1968 -1969 بعد انكسار ثورة يوليو، كما أنه يحدث على مدى السنوات الأخيرة.

غير أن مثل هذا السلوك يدفع رجال القضاء إلى أن ينهضوا للتمسك باستقلالهم وبثوابت تقاليدهم كلما أدركوا أنهم يراد بهم أن يستغل ظاهر حيادهم الوظيفي، لتحقيق أهداف سياسية أو اجتماعية لصالح القابضين على نظام الحكم. ولعل ذلك يلخص جوهر المشهد الأخير بين القضاء والقائمين على النظام في مصر.

هيمنة السلطة التنفيذية

ويشير المستشار البشري إلى أن النظرة الفاحصة إلى هيئات السلطة التنفيذية في مصر تفضي إلى ملاحظة أنها تشمل وزارات تمد بها الدول المركزية سلطانها وسيطرتها على مؤسسات وهيئات كان يتعين أن تقوم على استقلال نسبي عن الدولة، وأن تكون ذات إدارة ذاتية تصدر عنها ومن داخلها ولا تخضع خضوعًا رئيسيًّا مباشرًا لسلطة الدولة.

ومن هذه الوزارات وزارة العدل التي كان يتعين أن تكون همزة الوصل بين السلطة التنفيذية وسلطة القضاء. ولعلّ من المفارقات في هذا السبيل أن سلطة وزارة العدل على القضاء وإدارته قبل دستور 1923، في عهد الخديويين، أي في العهود غير الدستورية، كانت أوهن مما صارت إليه في العقود الأخيرة من القرن العشرين، وكذا الفترة المنقضية من القرن الذي يليه؛ ذلك لأن هيئات المجتمع المدني حينئذ كانت أقوى نسبيًّا مما آلت إليه في الفترة المعيشة آنيًّا، وكذا لأن السلطة التنفيذية كانت في الماضي الأبعد أخف مما صارت إليه من بعد.

ويكفي معرفة أنه خلال خمس وسبعين سنة عُيّن لوزارة الحقانية أو العدل 60 وزيرًا من (1878 - 1953)، وأنه خلال ثلاثين سنة من هذه المدة وعلى طول مدة دستور 1923 عُيّن 83 وزيرًا، بمتوسط أقل من سنة واحدة لكل وزير.

فيما لم يتول الوزارة خلال ربع القرن الماضي سوى وزيرين فقط، ذلك في فترة حكم سياسي تشخصنت فيها أغلب الوظائف القيادية واندمجت فيها الوظيفة في شخص شاغلها، بما يؤكد الهيمنة الفعلية على القضاء المصري من قبل السلطة التنفيذية ممثلة في وزارة العدل والتي بلغت الذروة خلال العقدين الأخيرين.

وفي ظل العمل بقانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972، صارت وزارة العدل في هذه الفترة تحت الارتباط اللصيق بقيادة الدولة السياسية ذات الوجود الدائم المسيطر، وصار لدى الوزارة من المقدرات الإدارية والمالية وأنماط الخبرات في السيطرة وتأليف القلوب، ما يشكل خطرًا على أعمال القضاء، وعلى مستويات التقاليد والأعراف والمستويات العلمية والفنية الرصينة التي كان قد بلغها القضاء بتراكم الجهود لأكثر من قرن من الزمان.

وعلى الرغم من أن دستور 1971 نص على استقلال السلطة القضائية، وعلى أن "القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأية سلطة التدخل في القضايا أو في شئون العدالة"، كما نص على أن القضاة غير قابلين للعزل فإن قانون السلطة القضائية الصادر في عام 1972 لم يتوخّ الطاعة لأحكام الدستور فيما رسمه لقنوات العمل وتوزيع السلطات داخل الهيئة القضائية، بما يجيز القول إنه لم يلتزم "بالنزاهة"، كونه نصب وزير العدل -عضو السلطة التنفيذية- مديرًا على سلطة مقابلة وهي سلطة القضاء، بما يتنافى مع أحكام الدستور.

مطالب نادي القضاة

وفي هذا السبيل يمكن القول: إن مطالب نادي القضاة التي أثيرت في الآونة الأخيرة، ليست مطالب خاصة بهم وهي كذلك ليست مطالب فئة اجتماعية، ولكنها مطالب مؤسسية تتعلق بأداء الرسالة القضائية في مصر، كما أنها تتعلق بالمسألة الدستورية؛ ولذلك يتعين أن تكون في قلب ما ينشغل به الرأي العام في الدولة المصرية.

وهذه المطالب تتجسد في أن يخلى بين السلطة التنفيذية وبين شئون القضاء، وأن تكون جمعياتهم العمومية صاحبة الشأن في اختيار الرؤساء الذين يصدر تعيينهم بقرار من رئيس الدولة، وأن تكون إدارة شئونهم تتبع مجلس القضاء الأعلى. وهي مطالب في جوهرها ليست بجديدة، إنما درست وأعدت مشروعات قوانين بها، تعديلاً لقانون السلطة القضائية، ووضعت لها الشروح والمذكرات الإيضاحية على مدى السنوات العشرين الفائتة.

ويمكن القول: إن مطالب نادي القضاة بشأن ضمانات استقلال ونزاهة القضاء المصري، هي بمثابة انعكاس لحركة نادي القضاة على مدى يتجاوز ستين عامًا، سعى خلالها النادي إلى تحسين أداء السلطة القضائية، وكان في ذلك مؤثرًا وفعالاً، وقد برز ذلك في مواقف عدة منها قومته في عام 1952 ضد ما كان يعتبر مصلحة خاصة للقضاة بمد سن المعاش لهم؛ لأن مشروع مد السن اقترن بشبهة استبقاء أحد رؤساء محكمة الجنايات للحكم في قضية حريق القاهرة على نحو يرضي الملك.

ويُذكر للنادي أيضًا بيانه الصادر في 28 سبتمبر 1968 اعتراضًا على ما أشيع من رغبته في إدخال القضاة في التنظيم السياسي، ويذكر له أيضًا مؤتمر العدالة الذي انعقد في عام 1968 وما تقدم به من إصلاحات. ويأتي موقفه الهادف إلى تعديل قانون السلطة القضائية، استمرارًا لمواقفه الرامية إلى تحقيق المزيد من ضمانات استقلال القضاء، وتحقيق الفاعلية لعملية إشراف القضاء على الانتخابات، إن رئاسية أو نيابية، أو غيرهما.

وهو في ذلك قد يدخل نفسه في أتون صدام مع وزارة العدل ممثلة السلطة التنفيذية والتي تسعى دائمًا إلى الإحاطة بالهيئات القضائية وإسباغ وجوه من الهيمنة لها على هذه الهيئات، ومع ذلك فإن نادي القضاة بما يضمه من القضاة المصريين يظل بمثابة المؤسسة التي تمثل قطبًا موازيًا وجاذبًا لأعضاء للقضاة استقلالاً عن وزارة العدل؛ إذ إن وجوده ونشاطه الرئيسي كفيل بتحقيق درجة التوازن المناسبة للتحقيق الفعلي للاستقلال القضائي.

ومن المعروف أن كبار رجال وزارة العدل هم من كبار رجال القضاء أيضًا ندبًا من المحاكم، ولكن الوضع الوظيفي المؤسسي أمر يتغلب في النهاية على الأوضاع الذاتية لشاغلي الوظائف المؤسسية، ذلك أن وزارة العدل هي في النهاية وزارة من تشكيلات السلطة التنفيذية التي تتسم بطبيعتها بتشكيلات هرمية، ترد قوة الدفع فيها من أعلى إلى أسفل، تعيينًا واختيارًا للشاغلين، وإصدارًا للقرارات.

بينما تشكيلات السلطة القضائية تتكون من وحدات متماثلة وتتصل بالقوانين المطبقة اتصالاً مباشرًا بغير خضوع رئاسي، وهي من الناحية الإدارية تتكون من قضاة تجمعهم الجمعيات العمومية والتي ترتب شئونهم الإدارية، مما يجعل قوة الدفع فيها آتية -حسب الأصل- من أسفل إلى أعلى. كما أن الأصل في وزارة العدل أنها تسير بإدارة الرجل الواحد أو بإرادة القلة القائدة للكثرة المقودة، بينما في العمل القضائي فإن القرارات الجماعية هي أساس كل التكوينات القضائية، من الجمعيات العمومية للمحاكم التي تدير العمل القضائي، إلى دوائر المحاكم التي تمارس القضاء.

وتكتمل هذه المنظومة بطريقة عمل نادي القضاة الذي تتحكم فيه جمعيته العمومية ويديره مجلس إدارة منتخب محدود المدة ويتجدد دوريًّا، ومن ثَم صار القراران (الجماعي والانتخابي) عنصرين مؤسسين للعمليات المتصلة بالقضاء وإدارة شئونه لا بوصفه مهنة ووظيفة فقط، ولكن بوصفه واحدًا من سلطات الدولة.

قانون السلطة القضائية

على الرغم من أن القضاة كان قد قاموا بحركة نشيطة في عام 1984 استردوا بها بعضًا من الاستقلالية عن الوزارة، وذلك بأن استعادوا "مجلس القضاء الأعلى" بحسبانه التشكيل الأعلى الذي يتكون من كبار رجال القضاء ويشرف على أداء العمل القضائي وشئون القضاء.

غير أن قانون السلطة القضائية والذي كان قد صدر برقم 46 لسنة 1972، يمنح وزير العدل سلطات عديدة على القضاء، وهي سلطات تنفذ إلى صميم إدارة العملية القضائية، بما يضاعف من الأهمية القصوى لمشروع التعديل الذي يطرحه القضاة من خلال نادي القضاة، وهو مشروع يتعين عدم النظر إليه بحسبانه مطالب "فئة اجتماعية" أيًّا كان سمو مرتبتها ومنزلتها، تأسيسًا على أن هذه المطالب تتصل في جانبها الأهم بصميم التنظيم الديمقراطي والدستوري للدولة المصرية والذي يتضمن مجموعة كبيرة من الأحكام التفصيلية تترابط بمسار واحد وبرؤية واضحة، هدفها فك الروابط التي تشد الهيئة القضائية الكبرى في مصر إلى السلطة التنفيذية، وهدفها تحقيق الاستقلالية المطلوبة لهذه الهيئة في إدارة شئونها بذاتها وبقواها الداخلية.

جملة القول: إن ما يثير التعجب -وفق رؤية المستشار طارق البشري- أن تدير وزارة العدل القضاء عبر مساعدين لوزير العدل ومشرفين على إدارة الوزارة وأقسامها، جلهم منتدبون من القضاء ومن كبار رجاله، ذلك أن خبرة هذا العمل لا تتوافر في غيرهم. ووجه العجب أنه بموجب قانون السلطة القضائية المعمول به آنيًّا يتم ندب أعضاء من رجال السلطة القضائية ليديروا السلطة القضائية من خارجها. وما أحرى القضاء أن يدار من داخله برجاله، ويفك بذلك وثاق التبعية بين سلطتين دستوريتين تقف إحداهما وهي السلطة القضائية رقيبًا للمشروعية على الأخرى.

اقرأ أيضًا:


** باحث سياسي.


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع