 |
|
شيخ الإسلام أثناء حديثه
عن قوة انتماء المسلمين لوطنهم
تايلاند... |
يوم الثلاثاء الموافق 19
سبتمبر كان العالم على موعد مع حدث وصفه
الكثيرون بأنه غير متوقع في دولة استقرت
سياسيا منذ ما يقرب من 15 عاما بعيدا عن
شبح الانقلابات العسكرية الذي زار تلك
الدولة 17 مرة في الفترة من 1932 إلى
1991! كان العالم على موعد مع انقلاب
عسكري جديد في مملكة تايلاند، حيث أعلن
رئيس الأركان الجنرال سونتي بونياراكلين
الاستيلاء على السلطة، وعزل حكومة
رئيس الوزراء تاسكين شيناواترا، وذلك
قبل أن يسارع للقاء الملك بمومبيول دوليا
ديج للحصول على تفويض بتولي السلطة مؤقتا
حتى يتم انتخاب حكومة جديدة.
منذ الأول من شهر سبتمبر وعلى
مدار أسبوعين، كان كاتب هذه السطور على
موعد بزيارة طويلة لمملكة تايلاند بدعوة
من وزارة الخارجية في الحكومة المخلوعة.
وبالرغم من أن الهدف من الرحلة الذي تمثل
في استعراض حاضر العلاقات السياسية
والاقتصادية القوي مع الشرق الأوسط،
ناهيك عن المستقبل الواعد لهذه العلاقات،
نقول إنه بالرغم من أن هذا الهدف من الرحلة
قد تحقق بالفعل، فإن الراصد المدقق في
الإرهاصات السياسية التي كانت تصدر من كل
من الشارع السياسي والمؤسسة العسكرية كان
يمكنه أن يستشرف ذلك الانقلاب العسكري
الذي بدا للبعيدين عن مسرح الأحداث
كمفاجأة.
فالشارع السياسي الذي حمل رئيس
الوزراء المخلوع تاكسين في عام 2001 إلى
السلطة، وذلك قبل أن يجدد ثقته فيه في
انتخابات عام 2005، بدأ في سحب رصيد
الثقة من بنك زعامة تاكسين الذي يبدو أن
السلطة أمالت رأسه فأصبح يضيق بالنقد،
وذلك قبل أن يبدأ في السيطرة على وسائل
الإعلام، ولكي ينتهي الحال بفضيحة
بيعه نصيبه في شركة اتصالات كبرى يمتلكها
لمستثمرين من سنغافورة في صفقة قيمتها
مليارا دولار أحاطت بها شبهات فساد ليس
أقلها التهرب من دفع الضرائب عليها للدولة.
ومرة أخرى، يعود رئيس الوزراء
لاستدعاء مهارته كرجل أعمال ناجح عندما
دعا في شهر إبريل الماضي لانتخابات جديدة
لتجديد التفويض الشعبي لحكومته، إلا
أن مهاراته لم تنجح هذه المرة إلا في
إكسابه 57% من الأصوات. إلا أن مقاطعة
جميع الأحزاب لهذه الانتخابات، ناهيك
عن فشل معظم مرشحي حزبه الحاكم في الحصول
على نسبة الـ20% من الأصوات اللازمة
لدخول البرلمان، أحكم من حلقات الأزمة
على الرجل، خاصة مع إصدار المحكمة
العليا حكمها بعدم شرعية الانتخابات،
وتحديدها نوفمبر المقبل موعدا للانتخابات
الجديدة، وذلك قبل أن يحسم العسكريون
الأمر بانقلابهم.
حكومة الكلام.. عن السلام!
وعلى الرغم من وجاهة الأسباب
التي ساقها المحللون السياسيون لتفسير
ذلك الانقلاب من ناحية، ووصفه بأنه
مفاجئ من ناحية أخرى، فإن ذلك التحليل
ينقصه السبب الرئيسي وراء هذا الانقلاب.
ففساد الذمة يمكن أن يهدد بضرب السلام
الاجتماعي على المدى المتوسط، في حين
أن الفساد السياسي يضرب الديمقراطية على
المدى البعيد، إلا أنه يبقي أن
الممارسات التي يمكن أن تؤدي للانفصال
أخطر بكثير من كل من فساد الذمة والفساد
السياسي على الأقل على المدى القريب.
فالانفصال يضرب السيادة جغرافيا
وقانونيا في مقتل، كما أنه يجهز على
الوحدة الوطنية. وعود على بدء، فإن
المراقبين لم يدركوا أن الانقلاب العسكري
سبقه مفرزة انقلابية في بداية شهر سبتمبر
عندما أعلن الجنرال سونتي رئيس الأركان
بشكل مفاجئ قرارا ببدء محادثات سلام مع
زعماء المتمردين المسلمين في الولايات
الجنوبية، وذلك في خطوة أصابت القيادة
السياسية في البلاد بالذهول لعدم إبلاغ
قائد الجيش الحكومة بالقرار بشكل مسبق،
ناهيك عن عدم التشاور معها.
فقد دأبت الحكومة منذ ثمانينيات
القرن الـ20 على إجراء اتصالات عميقة مع
جبهة بيرساتو (تجمع لعدد من حركات
الانفصال الرئيسي) الإسلامية. وقد
كان السبب الرئيسي في عقم هذه الاتصالات
أن القيادة السياسية أصرت على الإبقاء على
هذه الاتصالات دون مستوى المفاوضات بهدف
عدم إكساب أي شكل من الشرعية لهذه الحركات،
بالإضافة إلى رفض القيادة السياسية
الاتصال بزعماء الجبهة الحقيقيين،
والاقتصار على الحديث مع المتعاطفين معها
ممن لا يملكون لا حرية الحركة، ولا
التفويض لاتخاذ القرار.
وقد كان في تقديرنا، أن اتخاذ
قائد الجيش قرارا بإجراء محادثات مباشرة
مع قادة حركة الانفصال بدون التشاور مع
القيادة السياسية التي كانت تحتكر ملف
الانفصاليين، أن هذا القرار كان هو
الانقلاب الحقيقي، وأن نزول الدبابات
إلى الشوارع بعد ذلك بما يقرب من أسبوعين
لم يكن سوى البيان العسكري الأول لهذا
الانقلاب. ومن ثم، ففي ظننا أن رسم
خريطة سكانية توضح موقع مسلمي تايلاند -أصحاب
المشكلة- جغرافيا، وعرقيا، وثقافيا،
وسياسيا، واقتصاديا، وتاريخيا،
يمكن أن يصل بنا إلى تقدير الموقف الذي
توافر للقيادة العسكرية للبلاد، الذي
دفعها دفعا للانقلاب بهدف الحفاظ على وحدة
أراضي المملكة وسيادتها. وأهم ملامح
هذه الخريطة، ومن ثم تقدير الموقف:
1ـ إن تعداد المسلمين بلغ 6.5
مليون نسمة بنسبة 12% من السكان، وهم
بذلك ثاني أكبر أصحاب ديانة بعد الديانة
البوذية التي يدين بها غالبية الشعب الذي
بلغ تعداده 54 مليون نسمة، في حين
يبلغ تعداد المسيحيين 450 ألفا، أما
الكونفشيوس والسيخ والهندوس فيبلغ
تعدادهم 50 ألفا فقط.
2ـ إنه بالرغم من أن الدستور
يكفل لجميع أفراد الشعب ومن بينهم
المسلمون حرية مطلقة في ممارسة العبادة،
وجميع الحقوق السياسية على الصعيدين
المحلي والقومي، فإن بعضا من القيادات
المسلمة في البلاد تستشعر أن حجمهم
السكاني، وإسهامهم التاريخي في البلاد
يقابل بتراجع بطيء وإن كان ملموسا في
تمثيلهم سواء في المناصب القيادية في
السلطتين التنفيذية والتشريعية.
فبالرغم من أن الحكومة المخلوعة ضمت نائبا
لرئيس الوزراء هو محمد نور مأتا، في
حين احتل سبعة منهم سبعة مقاعد في مجلس
الشيوخ و21 مقعدا في مجلس النواب،
فإن بعض المسلمين يقارنون بين هذه الأرقام
وبين أرقام سابقة تمثلت في تولي مسلمين
مناصب مثل: رئيس مجلس الشيوخ وآخر
رئيسا لمجلس النواب، ووزير خارجية،
ووزارات أخرى، ناهيك عن مناصب حكومية
رفيعة مثل وكلاء وزارات وسفراء.
3ـ بالرغم من كون المسلمين
مشمولين برعاية دستورية من الملك شخصيا
الذي أسهم في بناء بعض المساجد، وترميم
الآخر منها، تلك المساجد التي بلغ
عددها في البلاد 3405 مساجد، وبالرغم
من أن الملك هو الذي يقوم بتعيين شيخ
الإسلام في البلاد وفقا لتوصية من رئيس
الوزراء، وبناء على موافقة اللجان
الإسلامية في مختلف المحافظات،
وبالرغم من أن الترجمة الوحيدة لمعاني
القرآن الكريم للغة التايلاندية تمت
بتوجيه ورعاية من الملك الذي كثيرا ما
يحضر شخصيا الاحتفال السنوي بالمولد
النبوي الشريف، نقول إنه بالرغم من كل
ذلك، فإن قطاعا كبيرا من المسلمين في
الولايات الجنوبية يستشعرون إهمالا فادحا
من الحكومة المركزية فيما يتعلق بخطط
تنميتهم اقتصاديا.
4ـ بالرغم من سماح الحكومة
بإنشاء المدارس الدينية، ناهيك عن
تأسيسها عام 1988 كلية الدراسات
الإسلامية في محافظة فطاني الجنوبية بدعم
من السعودية، وتأسيس كلية إسلامية في
محافظة جالا الجنوبية عام 1999 بدعم من
بنك التنمية الإسلامي والسعودية وقطر
والكويت، ووجود مشروع لتأسيس جامعة
إسلامية في محافظة ناراتيوت بالتعاون مع
الأزهر الشريف، وبالرغم من أن الحكومة
لا تلزم التعليم الأساسي للأطفال في
الجنوب ذي الأغلبية المسلمة تعلم اللغة
التايلاندية، نقول إنه بالرغم من ذلك،
فإن الحكومة فشلت في وقف شعور بالتغريب
تملك قطاعا كبيرا من المسلمين في الجنوب
بوجه خاص.
فرغما عن احتفاء كثير من
المسلمين بمظاهر تلك الحرية الثقافية
الحقيقية، فإنهم عمليا لم يمكنهم سوى
حصد مزيد من التغريب من وراء تلك الحرية
بسبب عجز العديد من الجنوبيين عن التحدث
باللغة القومية؛ وهو الأمر الذي لا يتيح
لهم تولي مناصب سواء كانت متوسطة أو عليا
في البلاد.
5ـ إنه بالرغم من أن المسلمين
دستوريا وفعليا لا يعاملون في تايلاند على
كونهم أقلية، فإن غالبية المسلمين في
تايلاند، في حين أن الأغلبية الساحقة
منهم في المحافظات الجنوبية الثلاث (فطاني
ـ ناراتيوت ـ جالا) مختلفون عرقيا مع
الشعب التايلاندي، حيث ينتمون إلى عرق
المالاي. وقد أدى هذا الوضع إلى دفع
جانب معتبر من الـ17% من المسلمين الذين
يعيشون في المحافظات الجنوبية للشعور
بنوع من التعاطف مع حركات الانفصال التي
تتخذ من تلك المحافظات منطلقا لها.
6ـ إن الغالبية العظمي من مسلمي
تايلاند يحملون الثقافة المالاوية
ويتحدثون بلسانها، كما أن نسبة كبيرة
منهم يعيشون على الجانب الآخر من الحدود
لماليزيا، حيث يحافظون على صلة الرحم
على الصعيد الروحي، والثقافي،
كمقدمة للحفاظ على صلة الرحم سياسيا مع
ماليزيا.
7ـ في ظل الظروف السابق ذكرها،
فإن التاريخ السياسي لمحافظة مثل فطاني
التي تمتعت حتى 100 عام مضت بحكم ذاتي
يغذي روح الانفصال لدى الكثير من المسلمين
بهذه المحافظة التي تعد منطلقا
للانفصاليين. فإذا ما وضع ما سبق ذكره
جنبا إلى جنب مع المعجزة الاقتصادية التي
أحرزتها ماليزيا على مدار الربع قرن
الأخير، فإن كل تلك العوامل تدفع جانبا
من المسلمين، خاصة في الجنوب إلى
التطلع بشوق للالتحاق بماليزيا التي
يعتبرونها الدولة الأم، خاصة ما
يتصورونه من إهمال متعمد من جانب الحكومة
المركزية في تنمية الجنوب ذي الأغلبية
المسلمة. وقد جاء شهر إبريل عام 2004
بنقطة تحول نوعية في نشاط حركات الانفصال
في الجنوب ووصلت إلى ذروتها بسلسلة
التفجيرات في 31 أغسطس الماضي التي
استهدفت 22 من فروع البنوك في إقليم
جالا الجنوبي، وأسفرت عن مقتل ومصرع
30 من العاملين بها، وهو الأمر الذي
دفع البنوك للرضوخ لمطالب الانفصاليين
بالإغلاق في يوم الجمعة في الجنوب.
وبناء على تلك الخريطة التي طرحت أمام
القيادة العسكرية تقديرا للموقف دفعها
للانقلاب، يمكن أن نخرج بعدد من
الملاحظات، من بينها:
أولا: إن الانقلابيين انقلبوا
على حكومة وأحزاب سياسية يبدو أنها لم
تقدر -في خضم معاركها السياسية وطموحات
قادتها الشخصية- مدى الخطر الذي يهدد وحدة
أراضي وسيادة الدولة، إلا أن هؤلاء
الانفصاليين لم ينقلبوا على النظام
الحاكم القائم على الملكية الدستورية.
ثانيا: إن الانقلابيين يدركون
أن شرعية مرحلتهم الانتقالية تعتمد في
الأساس على الملك وولي عهده كيكو،
اللذين لا يختلف عليهما اثنان في تايلاند
بما في ذلك غالبية مسلمي تايلاند.
ثالثا: إنه بالرغم من مخاوف
العديد من السياسيين ورجال الأعمال من
التأثير السلبي المحتمل للانقلاب على
الاقتصاد، فإنهم من ناحية أخرى
يستشعرون ارتياحا لتولي الجنرال سونتي
ملف التمرد في الجنوب، ومبادرته
بالإعلان عن محادثات مباشرة مع قادته بعد
أن أدرك بخلفيته العسكرية الطويلة كضابط
في القوات الخاصة أن مثل هذا الصراع لا
يمكن أن ينتهي بنصر حاسم للحكومة المركزية.
الشاهد، فإن الراصد المدقق في
الأحداث الأخيرة في تايلاند ليس له أن يصف
الانقلاب العسكري الأخير بالمفاجئ،
كما أن المراقب عن قرب لمجريات الانقلاب
سيدرك أنه كان البديل الأقل سوءا عن وقوع
انفصال احتمالاته كانت تتزايد على
المديين المتوسط والبعيد في الجنوب،
أما المتخصصون في علوم المستقبليات،
فإنهم من المرجح أنهم شبه موقنين بأنه مع
إدراك الانقلابيين لخطورة استمرارهم في
الحكم إلى ما بعد معالجة ملف التمرد في
الجنوب، فإنهم سيسارعون بتسليم مقود
البلاد لديمقراطية مدنية مرة أخرى في وقت
قياسي.
|