بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

العالم الإسلامي 

قراءة في بيانات القمم الإسلامية

القاهرة- عزة جلال -باحثة في الشؤون السياسية

 7/11/2000

تُعتبر منظمة المؤتمر الإسلامي "التعبير التنظيمي" الرسمي عن الأمة، وعن الدول المسلمة؛ فإسلامية الأعضاء هي العامل المشترَك الجامع لهم في إطارها، والتوقف أمام البيانات الصادرة عن مؤتمرات قمة المؤتمر الإسلامي ومحاولة تصنيف خرائطها الفكرية مسألة تبدو هامةً في سياق التعرف على فكر النُّخَب الحاكمة في الدول الإسلامية وإدراكاتها حول تحديات العالم الإسلامي وقضاياه المختلفة، وهو أيضًا مؤشر للاستدلال على الأثر الذي تتركه تلك الإدراكات على قضية الفاعلية.. ومدى ملاءمة السياسات المقترَحة والمواقف المتخذَة والتوصيات المُتبنَاة لحجم التحديات الحقيقية التي يواجهها العالم الإسلامي.

كما يُعَدُّ ذلك مؤشرًا لا بأس به إلى مدى تغلغل مفهوم (الأمة الإسلامية) والمتطلبات والمقتضيات التي يتركها على إدراكات وسياسات وممارسات هذه الدول الأعضاء التي تميزت برباط عَقَدي يبرز في صفة (الإسلامي) التي تقترن باسم المنظمة ـ وهي صفة جامعة ـ كما أنها صفة مميزة، فهل وجدت هذه الصفة معنى ومغزى وتأثيرًا على عمليات الإدراك، والمواقف، والسياسات، والعلاقات، أم ظل ذلك الوصف دالاً على مجرد (اجتماع) أو (تجمع) لا يتسم بالفاعلية الواجبة لمنظمة عَقَديَّة جامعة تتميز بوصفها (الإسلامي)؟!

ويهدف هذا المقال إلى الخروج بتصور عام لتعامل القيادات المسلمة مع الموضوعات المشتركة بين الدول الإسلامية ولطريقة تناولها للمشكلات، من أجل إدراك مساحة (الإسلامي) في عقول النخبة المسلمة، وهو ما سيتم عن طريق تتبع عدد من المفاهيم الأساسية في بيانات القمة، ثم كيف تعاملت تلك البيانات مع ما عرض حيالها من قضايا، وذلك في محاولة للخروج بعموميات حول تلك البيانات وأنماط تفاعلها مع القضايا الإسلامية كهدف مباشر ومؤشر إلى التفاعل والتعامل، وربما على فاعلية هذه المنظمة.

تابع في هذا المقال:

أولاً:  الأمة- الأقليات .. من خريطة المفاهيم

ثانياً: قضايا الأمة الإسلامية في بيانات القمة.

ثالثاً: تقويم قرارات منظمة المؤتمر.

 

أولاً:من خريطة المفاهيم

ثمة اتفاق بين المتخصصين في دراسة المنظمات الدولية على أن مفاهيم معينة تكون لها أهمية خاصة تنبع من كونها مرتبطة بنشأة وعمل المنظمة، والبحث عنها في ثنايا قرارات المنظمة ليس فقط عملاً كاشفًا عن رؤية الأعضاء وتصوراتهم وقناعاتهم إزاء تلك المفاهيم ودرجة استيعابهم لها؛ بل أيضًا مسألة مهمة لتقييم أداء المنظمة والتعرف على درجة نجاحها والتزامها بالأهداف القاصدة لها والمبادئ المرتكزة عليها.

في هذا السياق يأتي تناول عدد من المفاهيم على اعتبار أن منظمة المؤتمر الإسلامي منظمة ذات تفرد نابع من تفرد الرابطة الجامعة لدولها والتي نيط بها أن تصبح منظمة إقليمية (بالمعنى الجغرافي التقليدي للإقليمية) تضم دولاً تنتمي لإقليم واحد بحيث تلعب الجغرافيا هنا دورًا محددًا لنشاط المنظمة ولعضويتها؛ كما أنها ليست منظمة متخصصة من تلك المعنية بمجال محدد يتشارك فيه أعضاؤها وهي في ذات الوقت ليست منظمة مفتوحة العضوية لكافة الدول، حيث تلعب الرابطة العَقَدية دورًا فاصلاً في الانتماء لها.

هذا التفرد تمخض عن عدد من المفاهيم التي تدور في أفقها وتنبع من طبيعة وشيجة الربط لأعضاء المؤتمر، مثل مفهوم (الأمة) التي هي نطاق عمل المنظمة ومحيطها الحيوي، ومفهوم (الأقليات) كمفهوم مكمل للأمة التي هي كُلٌّ أوسع من مجموع دوله؛ إذ إن الرابطة الدينية تمتد بأذرع لها في دول ليست إسلامية، مؤكدة على الطابع العَقَدي الثقافي للأمة الذي يتجاوز الدول وحدودها الجغرافية، وتعريفها لنفسها، ثم ما يطرحه هذا المفهوم من خصوصية للمؤتمر الإسلامي حيث إن العناصر الفاعلة فيه ليست فقط (دولاً) كأغلب المنظمات (الدولية).

ومفهوم (التضامن) ـ كغايةٍ دار في فَلَكها أداء المنظمة، وهدف متعدد الأوجه يسعى خلفه الأعضاء منذ نشأتها وإلى الآن، ـ تحقق على أصعدة وتعثر على أخرى، نشط في فترات وتراجع في أخرى ليبقى أملاً للدول ولقادتها كلما اجتمعوا في أية قمة؛ لذا فإن استعراض موقف قرارات القمة من تلك المفاهيم يبدو هامًّا للتعرف على تفكير القادة والرؤساء ولتقييم أداء المنظمة في مؤشراته العامة.

مفهوم الأمة

بتحديد مؤتمر القمة الأول (1969) أن (... وحدة العقيدة هي عامل تقارب شعوبهم...) يبرز مفهوم الأمة الواحدة الموحدة ذات الثقافة والثوابت والمرجعية الواحدة، وحيث لا تقف الأمة عند منطوق لفظها، وحيث يمتد المفهوم بمعناه ليشمل أنساقًا مفاهيمية أخرى (كالوحدة) و(التضامن) فإنه بهذا المعنى ثمة حضور للمفهوم في كافة مؤتمرات القمة، إلا أن التوقف أمام استعمال المفهوم في قرارات بيانات القمم يصبح مفيدًا لاكتشاف مدى وزنه وتأثيره في الخريطة الإدراكية والقدرة على تفعيله في مؤسسات وسياسات وعلاقات وآليات. فعلى مدى ثمانية بيانات صادرة عن مؤشرات القمة جاء ذكر لفظ "أمة" في حدود خمس مرات في متن البيانات، هذا مع غياب لأي قرار يتناول الأمة بالتعريف أو الشرح أو حتى الثناء والاهتمام.

ومقابل هذا الغياب للمفهوم كان هناك حضورٌ طاغٍ في بيانات القمة "للدولة" القومية، وليس الأفراد أو التنظيمات تحت أو عَبْر القومية؛ فعلى مدى خمسة مؤتمرات قمة تبدأ من مؤتمر القمة الثاني (1974) إلى الثامن باستثناء مؤتمرين تكرر قرار: (… ضرورة الالتزام باحترام استقلال كل دولة واجتناب التدخل في الشؤون الداخلية لأي منها..)، وشهد مؤتمر القمة السادس نصًّا أكثر حزمًا، حيث: (الالتزام الصارم بمبادئ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لكل منا..).

ورغم أن غياب توصيف القرارات لمفهوم الأمة قد يعني وضوحًا في التعامل بمفهوم (دولة إسلامية) فإن هذا أيضًا لم يتحقق حيث خلت مؤتمرات القمة من أي نص على معنى (دولة إسلامية) تاركة الأمر للواقع، وبدا أن الواقع يُعرِّف (دولة إسلامية) بأنها الدولة ذات الأغلبية المسلمة.. وعدم تحديد مفهوم "أمة" أو "دولة إسلامية" قاد المنظمة إلى سياسات غير محددة الوجهة والهدف بدت على هامش مؤتمرات القمة؛ حيث شهد مؤتمر القمة الأول (1969) مشكلةً بسبب طلب الهند (وهي دولة ذات أغلبية هندوسية) للعضوية لأن بها عددًا كبيرًا من المسلمين، وهذا العدد يجب أن يمثل، رغم أنه قد تم قَبولها فإن اعتراض الرئيس الباكستاني، وتهديده بعدم الحضور منع الهند من الحضور ومن العضوية، وذلك في إطار النزاع التقليدي بين الهند وباكستان؛ فقد أثار عدم الوضوح في تحديد التعريف قضايا إشكالية على أرض الواقع.

وكذلك فإن عدم تحديد معنى الأمة أو الدولة الإسلامية وراء عدم تمثيل جهات ومؤسسات رغم كونها تمثل المسلمين في دول غير إسلامية ورغم كونها تتمتع بدرجة كبيرة من النفوذ والتأثير، هذا على الرغم من تبني المؤتمر الأول (1969) لوحدة العقيدة كعامل تقارب بين الشعوب المسلمة، وفي هذا الإطار تحضر جبهة (مورو) الممثلة لمسلمي الفليبين اجتماعات القمة بصفة مراقب، ورغم تقدم القبارصة الأتراك بعدد من الطلبات للعضوية في أكثر من قمة لم يحصلوا على العضوية.

وتحضر أوغندا اجتماعات القمة كعضو، رغم أن أغلبية السكان غير مسلمين بعد قَبول عضويتها في مؤتمر القمة الثاني (1974)!! وكان السبب الظاهري وراء ذلك أن رئيسها مسلم، ورغم تعاقب رؤساء غير مسلمين عليها فإنها لا تزال تتمتع بالعضوية.

وحول ماهية عناصر الأمة الإسلامية تُطرَح تساؤلات عديدة من خلال استعراض ظروف عقد مؤتمرات القمة ومن قراءة البيانات الصادرة عنها، التي تكرس جميعها الطابع الرسمي لمعنى الدولة، رغم ما يتركه ذلك من تشويش لمعنى الأمة وتفعيله في السياسات والعلاقات، وما أحدثه من مفارقات لوحظت؛ كدعوة الرئيس اللبناني لمؤتمر القمة الثالث 1981 الذي عقدت جلسته الافتتاحية داخل الحرم المكي الشريف وتنبه مسؤولو الضيافة في القمة في اللحظات الأخيرة ومنعوه من الدخول والمشاركة في الاجتماع لكونه مسيحيًا‍‍‍. ورغم خصوصية هذه الحالة فإن مكمن المفارقة فيها أن يحضر مَن يمثل الدول الأعضاء وهو يتدين بدين غير الإسلام، ومنها أيضًا الحديث عن التعاون الاقتصادي بين دول المؤتمر الإسلامي عبر توصيف تلك الدول بأنها (دول نامية) كما ورد في مؤتمر قمة لاهور (1974) –ثم في مرحلة حديثة توصيف تلك الدول على أنها (دول جنوب) في مواجهة دول شمال (قمة طهران 1997) دون اعتبار لخصوصية الأمة.

وربما كان عدم وضوح معنى الأمة أو بالأحرى عدم الاجتهاد داخل قمم المؤتمر لتعريف الأمة صعب من وجود رابطة وظيفية تنشأ في إطارها فكان على تلك الدول أن تتعامل بواقعية مع أوضاعها الاقتصادية، ومن هنا قد يحسن إحداث نوع من الترابط بين هذه المفاهيم، ضمن رؤية واضحة حول (الأمة)، (العالم الإسلامي)، (الدولة)، والأوصاف التي توصف بها مثل (إسلامية)، (نامية)، (دول الجنوب).

وعليه فإن تعدد المفاهيم للدلالة على الكيانات المتنوعة ذات العضوية في المنظمة ليس أمرًا مستغربًا، وتعدد الانتماء لهذه الدول أمر من الواجب أخذه في الحسبان من دون أن يهمل ذلك تحديد المفاهيم الأساسية، والعلاقات فيما بين هذه الأوصاف، وإلا أصبح التنظيم الممثل لمعنى الأمة (منظمة المؤتمر الإسلامي) ضعيفًا في أدائه وفاعليته، ولذا فإن مفهوم الأمة سيظل حضوره ضعيفًا وباهتًا؛ وذلك غير مانع من انتماء تلك الوحدات إلى تكوينات أخرى من مثل "الدول النامية" "دول الجنوب" و"دول عدم الانحياز"، وعضوية بعض هذه الدول ضمن منظمات إقليمية كالجامعة العربية، ومنظمة الوحدة الإفريقية، ومنظمات آسيوية أخرى، سواء أكانت تخصصية أو إقليمية؛ فالقضية ليست في تعدد الانتماءات، ولكن حضورها ضمن نسب تتعامل فيها هذه الانتماءات وتتكامل لا تتنافى وتتصارع.

مفهوم الأقليَّات

ظهر الاهتمام المبكر نسبيًا بقضية الأقليات المسلمة في اجتماعات وزراء خارجية دول منظمة المؤتمر. والأقليات المسلمة هنا تعني المسلمين الذين يعيشون في دول قومية ذات أغلبية غير مسلمة؛ ولأن الدول غير الإسلامية ليست أعضاء في المؤتمر الإسلامي؛ وبالتالي فإن مسلميها ليسوا غالبًا ممثلين داخلها، فقد وضع مؤتمر وزراء الخارجية السادس (1975) دراسة شاملة عن أوضاع الأقليات والجاليات المسلمة في العالم ضمن مهام الأمانة العامة، وسعى مؤتمر وزراء الخارجية أيضًا في (1978) إلى إنشاء إدارة للأقليات في الأمانة العامة، كل ذلك قَبْل أن يفكر قادة الدول المجتمعون في مؤتمرات القمة منذ 1969 وحتى 1987 في مسألة الأقليات بحيث تبلور لأجلها قرارات محددة رغم كونها مسألة لا يمكن فصلها عن الأمة ذات الانتماء العقدي الواحد.

بدأ الاهتمام بالأقليات (وحسبما تشير بيانات مؤتمر القمة) في مؤتمر القمة الخامس 1987، وكان ذلك الاهتمام في البداية عامًّا وهلاميًّا؛ إذ جاءت قرارات هذه القمة لتتحدث عن مسألة الأقليات المسلمة جملةً ودون تحديد، ولم تزد القرارات الثلاثة المتخذة في شأن الأقليات المسلمة عن مناشدة الدول الأعضاء مساعدة اللاجئين المسلمين في مختلف الأماكن، وضرورة تأييد حقوقهم الدينية والسياسية والاقتصادية والثقافية المشروعة طبقًا للقوانين الدولية –لا يُستثنَى من هذا العموم إلا تأثر اجتماع القمة بذاكرة المؤتمر وقتها، حيث حملت الصحافة العالمية أنباء اضطهاد الأقلية التركية في بلغاريا، فذيلت فقرة الأقليات بالطلب إلى الأمين العام إعداد تقرير عن الأقلية التركية في بلغاريا والمطالبة ببقاء هذا الموضوع مدرجًا على جدول أعمال وزراء الخارجية.

ومنذ القمة الخامسة (1987) استمر موضوع الأقليات مطروحًا على اجتماعات مؤتمرات القمة التالية عليه كافة، وإن لم تُوجَد استراتيجية معينة أو تصور محدد لتناول مسألة الأقليات؛ ولهذا اكتفى المؤتمر السادس (1990) بالتأكيد على مواصلة السعي لحماية حقوق الجماعات والأقليات المسلمة والنهوض بها في الدول غير الأعضاء (دون تحديد لهذه الدول أو لآلية النهوض بتلك الأقليات) وذلك لأنه لم تكن هناك في خلفية الأحداث أية واقعة لتحرك الرؤساء والملوك، فيصدر قرار داخل القمة بشأن أقلية بعينها أو تحديد وسيلة بعينها تكون سبيلهم لنصرة تلك الأقلية.

وتُعَدُّ القمة السابعة (1994) هي الأكثر اهتمامًا بقضايا الأقليات والأكثر تحديدًا فيما يخص أقلياتٍ محددةً، ففي ضوء اهتمام عالمي بمسألة الأقليات، ومع تصاعد وتيرة الانتماءات الأولية دون القومية، لم يكن مستغرَبًا أن تحتل قضايا أقلياتٍ معينةً مكانًا بارزًا في الإعلان الصادر عن قمة (1994) مقارَنة بالبيانات السابقة؛ فقد طرحت قضية مسلمي كشمير وصدر في شأنها قرار بإدانة ما يتعرض له هذا الشعب المسلم، وكذا تم توجيه الشكر للحكومة الباكستانية لجهودها لحل الأزمة التي يتضرر بسببها شعب كشمير سلمًا، وطلب الرؤساء في القمة من الأمين العام الاتصال بحكومتي الهند وباكستان وممثلي شعبي كشمير وجامو لاستطلاع إمكانية إسهام منظمة المؤتمر الإسلامية في حل المشكلة وإنهاء معاناة الشعوب المسلمة في المنطقة، ولم يكتفِ المؤتمر بذلك، بل قرر إيفاد بعثة من ثلاثة أعضاء لتقصي الحقائق في كل من جامو وكشمير، وتقرر في القمة ذاتها جمع تبرعات في صندوق التضامن الإسلامي المنشأ بالمنظمة من أجل شعب كشمير، كما أصدرت القمة في نهايتها إعلانًا خاصًا بكشمير وجامو غلبت عليه عبارات (نرغب) (نود).. دار حول الحل السلمي للمشكلة وإنهاء معاناة المسلمين هناك.

وفي قمة (1994) طرحت مسألة طلب القبارصة الأتراك الانضمام للمؤتمر الإسلامي، وتقرر أن يستمر النظر في الطلب وتستمر المسألة على جدول الأعمال، وعبرت القمة أيضًا عن قلقها مما يحدث للأقلية التركية في تراقيا دون تحديد أية وسيلة و آلية لدرء تلك الاعتداءات، وكما حظيت مشكلة كشمير وجامو باهتمام داخل القمة، حظيت مشكلة مسلمي الفليبين باهتمام مماثل، حيث رحبت القمة في قرار لها بالتفاوض السلمي بين حكومة الفليبين وجبهة تحرير مورو المعبرة عن مسلمي الفليبين، ولم يتوقف القرار عند ذلك بل امتد ليحدد محاور التفاوض المفترض مراعاتها بين الجانبين، وقد شملت – حسب نص القرار- الالتزام باتفاقية طرابلس المبرمة بين الجانبين في 1976؛ هيكلاً وآليةً لتنفيذ الفترة الانتقالية؛ كما عبر المؤتمر عن ترحيبه بعملية بناء الثقة بين الحكومة وجبهة تحرير مورو واحترامهما لاتفاق وقف إطلاق النار.

وشهدت تلك القمة اهتمامًا بقضية البوسنة حيث كانت الحرب الدائرة على أرض البوسنة والهرسك قد استرعت الانتباه، فأكد البيان الختامي للقمة على ضرورة تكوين فريق عمل في نيويورك لتقييم الإسهامات الحاضرة والمستقبلية من الأعضاء في قوة الأمم المتحدة المخصصة لحل قضية البوسنة، وأعرب البيان أيضًا عن عزم الأعضاء توفير وسائل الدفاع عن النفس للبوسنيين.

وفي نهاية البيان صدر إعلان منفرد بشأن البوسنة تقرر فيه تفعيل فريق العمل المنشأ في مؤتمر وزراء الخارجية لتعبئة ما يلزم من عون، وتفويض الأمين العام في استلام طلبات العون من حكومة البوسنة، كما تقرر في ذات الإعلان زيادة المعونات الاقتصادية والإنسانية الموجهة للبوسنة من خلال فتح برنامج للتبرع تحت رعاية منظمة المؤتمر لتحظى قضية البوسنة بذلك رعاية مميزة من المؤتمر الإسلامي كرد فعل على الاهتمام العالمي بها؛ ولتخرج القرارات الحاسمة في شأنها عن تقديم المعونة الاقتصادية.

        وباستثناء تناول القمة للأقليات السابقة بشكل محدد ودرجة من التفصيل فقد وردت إشارات داخل البيان تتعلق بدعوة الأمين العام لإجراء اتصالات مع حكومات الأقليات المسلمة – دون تحديد لهذه الحكومات – للوقوف على أوضاع الأقليات في دولها، كما تقرر إجراء مشاورات بشأن ما يجب القيام به إزاء تعرض عدد من الأقليات المسلمة للانتهاكات والاعتداءات.

        وطالبت القمة الأمين العام بالاهتمام بمسلمي أوروبا وإجراء اتصالات لذلك ضمانًا للحفاظ على هويتهم وتراثهم عن طرق التعاون مع المنظمات المعنية.. دون تحديد لهذه المنظمات.

        أي أنه باستثناء الاهتمام المحدد بأقليات محددة ساقت الأحداث تطورات في أوضاعها في الفترة السابقة على انعقاد القمة مثل مسلمي كشمير وجامو ومثل مفاوضات جبهة تحرير مورو الفليبينية مع الحكومة ومصادمات تعرضت لها الأقليات المسلمة من أصول تركية في بلاد أوروبية، كان تناول مسألة الأقليات عامًا وغير محدد ويعكس رغبةً في التواجد ولو الشكلي من المؤتمر الإسلامي في وسط الأحداث، فجاءت قراراته لتعكس متابعة لتلك الأحداث دون أن تعكس إدراكًا لأبعادها؛ وبالتالي افتقدت وسيلة الإنفاذ والتفعيل؛ وبدت القرارات كرد فعل، رغم وجود هذه المشاكل المتعلقة بقضايا الأقليات على نحو مزمن، وهذا أمر لابد أن يكون ضمن منظومة من الآليات لا تتخلى فيها منظمة المؤتمر الإسلامي عن دورها الأصيل في هذا الصدد.

        أما القمة الثامنة (1997) فقد شهدت استمرار عدد من القضايا التي طرحتها القمة السابعة حيث صدر قرار بتأييد حقوق شعبي "جامو وكشمير" في تقرير المصير وتأييد مساعيهم إلى ذلك، وتأييد الطائفة التركية المسلمة في قبرص والدعوة لإقرار واحترام حقوقها،    واستمر تأكيد إعلان طهران في تأييد المؤتمر الإسلامي لحقوق شعب البوسنة والتضامن معهم، كما أكد الإعلان ثقته بفريق الاتصال الوزاري.

ومع ذلك، لم تحظَ القضايا المستمرة بنفس درجة اهتمام القمة السابعة، وعلى غرار قمة (1994) صدرت في القمة الثامنة قرارات اتسمت بالعمومية مثل التعهد بالدعم الكامل للأقليات المسلمة في بلاد غير مسلمة، ومثل الدعوة لضمان حقوق الأقليات المسلمة السياسية والاقتصادية والدينية، دون تحديد للوسيلة أو تخصيص للموارد أو حتى إحالة إلى مناقشة معمقة في مؤتمر وزراء الخارجية التالي..

ويتضح من ذلك:

1- تأخر الاهتمام نسبيًا من قِبَل المنظمة بقضايا الأقليات الإسلامية في الدول القوية غير الإسلامية.

2- اتخاذ سياسات ومواقف ردود الأفعال حيال قضايا بعينها من دون أية رؤية استراتيجية لقضايا الأقليات المسلمة.

3- عدم ترجمة المواقف والسياسات إلى آليات فعَّالة لحماية هذه الأقليات وضمان الحصول على حقوقها في هذه الدول، فضلاً عن آليات مواجهة الانتهاكات الصارخة والواضحة من باب أولى.

4- إحالة إلى آليات غير كافية في المنظمة؛ وهذا أمر لا يضمن التنفيذ مثل إحالة الأمر إلى الأمين العام للمنظمة.

مفهوم التضامن

يساعد تناول مفهوم التضامن في بيانات قمة المؤتمر الإسلامي في استكشاف حيز التعاون بين الدول الإسلامية في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي.

        والواقع أنه برغم المسحة السياسية الدينية لنشأة منظمة المؤتمر كرد فعل على إقدام السلطات الإسرائيلية المحتلة على إحراق المسجد الأقصى الشريف في (1969) فقد استدرك ميثاق المنظمة بعد ذلك ليفتح آفاقًا أخرى للتعاون إلى جانب التضامن السياسي؛ فالفقرة (أ) من المادة (2) في الميثاق تنص على:

        "دعم التعاون بين الدول الأعضاء في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية والمجالات الحيوية الأخرى والتشاور بين الأعضاء في المنظمات الدولية الأخرى من أجل ذلك…".

        وقراءة القرارات المتعلقة بالتضامن الإسلامي في إعلانات القمم المختلفة للمؤتمر الإسلامي تعني البحث عن القرارات التي استخدمت مفهوم التضامن بشكل مباشر، وهي ضئيلة نسبيًّا، وتعني أيضا القرارات التي استلهمت معناه في صورة إقرار موضوعات أو مشروعات تعزز منه أو تؤدي إليه.

        القراءة الأولي تشير إلى احتلال التضامن في شكله الاقتصادي الرصيد الأكبر من مجمل قرارات التضامن (قرابة الأربعة عشر قرارًا من مجموع 29 قرارًا) بنسبة 48.2% أي حوالي نصف القرارات المتعلقة بالتضامن خصصت للتعاون الاقتصادي. إلا أن ذلك لم يكن ليعني أن أشكال التضامن والتكامل الاقتصادي كانت ملاءمة لطبيعة التحديات التي تواجهها دول العالم الإسلامي.

        فمنذ مؤتمر القمة الثاني (1974) الذي بلور خطوات المنظمة – في ضوء الأوضاع الاقتصادية في البلدان الإسلامية – في القضاء على الفقر والجهل والمرض، وإنهاء استغلال الدول المتقدمة للنامية، وتنظيم معدلات التبادل التجاري بين الدول المتقدمة والنامية.. ودعوة الجمعية العامة للأمم المتحدة لعقد دورة استثنائية تُخصَّص لمشكلات التنمية الاقتصادية وصولاً لنظام اقتصادي يقوم على تحقيق المصلحة المشتركة للجميع بما فيها الدول الإسلامية؛ منذ تلك القمة والتعاون الاقتصادي مطروح بوضوح على جدول كل قمة بلا استثناء على نحو صاعد، فالدول الإسلامية لم تَضَع وقتًا بعد طرح تلك الأهداف في القمة الثانية، فوافقت القمة الثالثة (1981) على خطة عمل قدمتها المملكة العربية السعودية في المؤتمر السادس لوزراء الخارجية من أجل تحقيق التعاون الاقتصادي في حقول عشر أهمها الغذاء والزراعة والتجارة والصناعة والنقل والسياحة.

        وفي القمة الرابعة (1984) تمت الموافقة على التقرير الذي رفعه مؤتمر وزراء الخارجية حول سبل إنفاذ الخطة، وتقرر في القمة ذاتها تعزيز برنامج التنمية في العالم الإسلامي من خلال دعوة الأعضاء وممثلي صناديق التنمية والبنك الإسلامي للتنمية في وضع تفصيلات للبرنامج.

        ومع القمة السادسة (1991) بدأ الحديث عن إشراك القطاع الخاص في تعزيز تضامن الدول الأعضاء اقتصاديًّا، كما تمت الدعوة لتوسيع رقعة التجارة المتبادَلة، وتخفيف الحواجز الجمركية وإلغاء الحواجز التعريفية وغير التعريفية، كما تقرر في قمة (1991) أيضًا استطلاع إمكانية إقامة سوق إسلامي مشترَك بين الدول الأعضاء؛ وفي سبيل ذلك تقرر إنشاء شبكة للمعلومات بين الأعضاء خاصة بالمسائل الاقتصادية، وكان ذلك تماشيًا مع مناخ عقد القمة في بداية التسعينيات وتزايد الحديث عن التجمعات الاقتصادية، لا سيما أن تجربة دول جنوب شرق آسيا كانت ماثلةً في الأذهان وقتها بحيث مثل الحديث داخل مؤتمرات القمة امتدادًا لجدل عالمي حول التعاون الاقتصادي، وهو ما حدا بالقمة السابعة (1994) أن تصدر قرارًا تحث دول المنظمة على تنسيق مواقفها الاقتصادية في إطار مجموعات التفاوض المشكلة في دورة أورجواي – شريطة ألاَّ يكون التعاون بين الشرق والغرب مضرًّا بمصلحة البلاد الإسلامية، والدعوة لجهد جماعي لزيادة الاستثمار داخل العالم الإسلامي كما جاء في القمة الأخيرة (1997).

        ورغم أن قرارات القمة اهتمت بالتضامن على صعيد الاقتصاد أكثر منه على أصعدة أخري هامة كالسياسة والثقافة، فهناك عدة ملاحظات حول أسلوب صياغة القرارات، حيث كان الحديث عن الدول الإسلامية أعضاء المؤتمر الإسلامي في ديباجة قرارات التضامن الاقتصادي عن دول (نامية) في مواجهة دول متقدمة، وكانت القرارات تدور حول تخفيف المصاعب الاقتصادية التي تعانيها الدول النامية وسيطرة البلاد النامية على مواردها. وفي مؤتمرات القمة منذ التسعينات، بدأ الحديث عن التعاون في إطار (الجنوب)..، أي أنه يمكن رصد غياب التوصيف الإسلامي والرابطة العَقَديَّة في مشاريع التعاون الاقتصادي البيني في إطار منظمة المؤتمر والتي تميز تلك الدول عن مثيلاتها التي تشاركها الوضع الاقتصادي نفسه في أطر تمثل علاقات التكامل أو التكافل فيما بينها.

        كما أن القراءة الدقيقة للقرارات المتعلقة بالتضامن في عمومة تشير إلى حقيقة أخرى؛ هي أن مجالات أخرى للتضامن التعاون الإعلامي والتقني .. كان النص عليها داخل قرارات القمة من أجل أن تخدم التعاون الاقتصادي، فعلى سبيل المثال لا الحصر:

        في القمة الرابعة (1984) تم إقرار إطار عمل مقترَح للجنة الدائمة للتعاون العلمي، تركز الإطار على تعضيد التعاون في مجالات الطاقة والزراعة وتنمية الموارد الاقتصادية المختلفة، وفي القمة السادسة (1991) تقرر إنشاء شبكة للمعلومات بين دول المنظمة خاصة بالمسائل الاقتصادية.

        أما بالنسبة إلى التضامن على الأصعدة غير الاقتصادية كالثقافة والسياسة، لم تزد القرارات المباشرة الواردة في حقه عن خمسة قرارات أكدت على أهمية تقوية الصلات الرُّوحية والأخوية القائمة بين شعوب الدول الأعضاء، وحماية حرياتهم وتراثهم المشترك وحضارتهم كما جاء في مؤتمر القمة الأولي (1969)، وتكررت الصياغة العامة في الحديث عن التضامن في أبعاده الثقافية والسياسية، فمؤتمر القمة الثالثة (1981) شهد صدور قرار حول أهمية التعايش بين الدول الإسلامية الأعضاء بغض النظر عن النظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تنتمي إليها. وقد أُنشِئ جهاز يخص التنسيق الثقافي بين هذه الدول (الإسيسكو).

        والقمة الرابعة (1984) أصدرت قرارًا بتقديم الدعم المادي والمعنوي للمؤسسات الثقافية المنبثقة عن منظمة المؤتمر وتقديم الدعم المالي لصندوق التضامن الإسلامي الذي كان قد أُنشِئ بقرار في مؤتمر القمة الثاني.

        أما القمة السادسة (1991) فقد أشارت إلى ضرورة النهوض بوعي الشباب المسلم وصون التراث الإسلامي وتوفير الدعم اللازم للمؤسسات التابعة لمنظمة المؤتمر للقيام بذلك ـ وكانت قد أُنشِئَت بالاتفاق في اجتماعات وزراء الخارجية.

        وكاستجابة للمتغيرات الدولية وتصاعد وتيرة الحديث عن حقوق الإنسان؛ فقد تناولت القمة السابعة (1994) أهمية التشاور بين الأعضاء في هذا الميدان عبر إصدار قرار ينص على ذلك.

        وبالنسبة إلى القمة الثامنة (1997) فقد أكدت في قرار لها على تعزيز التضامن والسلم والأمن، وربما تكون الأولى التي أقرت آلية لإنفاذ ذلك عندما قررت تكليف فريق من الخبراء الحكوميين بإعداد توصيات محددة بهدف دعم التعاون والتنسيق في مختلف المجالات التي تكفل تعزيز السلم. وفي بيان قمة طهران الملحَق بالإعلان، تم التأكيد على توطيد روابط القربى استنادًا لتعاليم الإسلام والرؤية المشترَكة للدول لإقرار السِّلْم.

        وبصدد القرارات التي تناولت التضامن في المسائل السياسية والإنسانية يمكن رصد تكرار الإحالة إلى الأمم المتحدة وتحديدًا الجمعية العامة ـ من ذلك على سبيل المثال لا الحصر:

        قرار القمة السادسة المتعلق بتعزيز العمل الإسلامي المشترك في المجالات الإنسانية كاللاجئين من خلال أمانة المنظمة، شريطة دعم مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة لهم، وقرار القمة السابعة الخاص بالتحاور حول قضايا حقوق الإنسان، في إطار الأمم المتحدة.. والاعتقاد أن علة ذلك هي عمومية قرارات القمة المرتبطة بتعزيز التضامن في غير ميادين الاقتصاد وافتقاد تلك القرارات لآلية تنفيذ..

        كما يمكن رصد أن أهم القرارات المتعلقة بالتضامن في أبعاده الثقافية اتخذت في مؤتمرات وزراء الخارجية. فمن المؤتمر الثاني لوزراء الخارجية (1970) تكررت القضايا المتعلقة بالتعاون الثقافي على جدول أعمال أي مؤتمر لوزراء الخارجية بشكل دوري وهو ما افتقد على مستوى مؤتمرات القمة، ومنذ المؤتمر السادس لوزراء الخارجية كانت تعقد اجتماعات منفصلة تستعرض التطورات الحادثة في القضايا الثقافية المطروحة، ومن مؤتمرات وزراء الخارجية خرجت إدارة الشؤون الثقافية داخل الأمانة العامة للمنظمة، وتم تشكيل لجنة استشارية للأمين العام لتقدم المشورة في المسائل الثقافية.

        وإجمالاً يتضح لنا كيف أن غموض التصور والإدراكات لمفهوم الأمة وما يرتبط به من: "آليات – الهوية – التضامن – التكامل – التعاون" أدى إلى كثير من عدم وضوح السياسات والعلاقات، وعدم ترجمتها لآليات وأدوات ومؤسسات. وهو أمر افتقد الرؤية الاستراتيجية الحضارية الممتدة الحافزة لتأصيل هذه المفاهيم ضمن كيان منظمة المؤتمر الإسلامي، ومتابعة التنفيذ لبعض ما اقترحته المنظمة لتفعيل ودعم هذه المفاهيم وترجمتها إلى واقع حيٍّ.

ثانيًا: قضايا الأمة الإسلامية في بيانات مؤتمرات القمة

        يشير استعراض البيانات الصادرة عن مؤتمرات قمة المؤتمر الإسلامي إلى مجموعتين من القضايا: الأولى قضايا اتسم تناولها بالاستمرارية كالقضية الفلسطينية، والثانية قضايا تناولتها القمم بشكل مؤقت أو عارض أو عابر. ومن داخل المجموعة الأخيرة من القضايا يلحظ تمايز ما بين قضايا ومشكلات إسلامية- إسلامية، وأخري نشأت بين دول إسلامية وغير إسلامية. وفيما يلي نماذج من هذه القضايا:

أ- القضايا المستمرة

1- القضية الفلسطينية

لم تتمتع أية قضية إسلامية بتركيز واهتمام كاللذين تمتعت بهما القضية الفلسطينية والقدس الشريف خاصةً، حتى بدا للبعض أن منظمة المؤتمر الإسلامي قد نذرت نفسها لتلك القضية منذ إقدام سلطات الاحتلال الإسرائيلي على إحراق المسجد الأقصى (1969) واجتماع وزراء الخارجية العرب بالقاهرة وإقرارهم الدعوة لعقد اجتماع قمة لكل الدول الإسلامية لمناقشة تلك الواقعة، وأشار ميثاق المنظمة إلى اعتبار أن القدس هي القضية الرئيسية التي تُوليها المنظمة عنايتها.

        وحيث كان التركيز على الحفاظ على مدينة القدس وطابعها العربي واحترام ما بها من مقدسات قرارًا تكرر في كافة بيانات مؤتمرات القمة، وشدد عليه المؤتمر الأول (1969) تأثرًا بجريمة حريق المسجد الأقصى؛ فإن القضية الفلسطينية عمومًا كانت حاضرةً باستمرار في أي حديث عن القدس؛ فالقمة الأولي في غمرة الشعور الغضب من الحادث الآثم أكدت في قرار لها رفض أي حل للقضية الفلسطينية لا يكفل للقدس وضعها ما قبل عام (1967) وقرار آخر ناشد أعضاء الأسرة الدولية أخذ مسئولية الحفاظ على السلم والأمن لتحقيق الانسحاب السريع للقوات الإسرائيلية من كافة الأراضي التي احتلتها في (1967).

        وكان العذر في عمومية القرارات وشبهها بالمواد الصحفية أن القمة اجتمعت كرد فعل سريع على حادث مفاجئ، ولهذا جاءت القمة الثانية (1974) أكثر تحديدًا، وتقرر فيها المساندة الكاملة والفاعلة لدول المواجهة في نضالها المشروع والطلب إلى الأعضاء مساندة الشعب الفلسطيني ضد الاستعمار الصهيوني لاستعادة حقوقه، هذا وقد أصدرت القمة قرارًا خاصًا بالقدس الشريف يُدين التدابير المتخذَة من قِبَل السلطات الإسرائيلية لتهويد المدينة، ويطالب بالانسحاب الفوري منها وإقرار مواصلة الجهاد لتحريرها.

        وبدا – باستعراض القمة الثالثة وبيانها (1981) وهي الأكثر حرارةً فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية  – أن اهتمام القادة والزعماء بالقضية اهتمام صاعد، حيث كانت المقاطعة العربية لمصر بعد اتفاقية السلام بينها وبين إسرائيل مخيِّمةً على الأجواء؛ حتى إن القمة جاءت حاملةً اسم (دورة فلسطين والقدس) واستمر في تلك القمة نفس قرارات القمتين السابقتين عليها من ضرورة تحرير كل الأراضي الفلسطينية بما فيها القدس واعتبارها عاصمةً لفلسطين، كما صدر قرار بعدم جواز انفراد أي طرف من الأطراف العربية أو الإسلامية بأي حل خاص للقضية، واستمرار مقاومة نهج واتفاقات كامب ديفيد.

        كما اعتبرت القمة في قرار لها أن "قرار مجلس الأمن رقم 242" لا يتفق والحقوق الفلسطينية والعربية، وبالتالي فإنه لا يُشكِّل أساسًا صالحًا لحل أزمة الشرق الأوسط".

        وتأثرًا بخلفية الأحداث، جاء قرار للقمة يُدين "التواطؤ" بين النظام المصري وإسرائيل وأمريكا الذي – بنص القرار – يُعَدُّ عدوانًا على الحقوق الفلسطينية، كما أيدت القمة تعليق عضوية مصر في حركة عدم الانحياز، وربما يمكن القول إنَّ الانعكاس الواضح لأحداث كامب ديفيد على قرارات القمة قد ظهر في عدة قرارات من ذات طبيعة إجرائية بخصوص القضية فتحولت القرارات الإنشائية الحماسية التي افتقرت – في معظمها – إلى التحديد لقرارات أكثر تخصيصًا من نحو:

        العمل على إيقاف الدعم السياسي والاقتصادي والمالي الذي تحصل عليه إسرائيل؛ إنشاء مكتب عسكري في الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر لينسق بين دول المواجهة ومنظمة التحرير في مواجهة إسرائيل، إقرار حالة من المقاطعة السياسية والاقتصادية للدول التي تعترف رسميًا بإسرائيل، دعوة العالم لاحترام الشرعية وعدم توقيع أية اتفاقات في مدينة القدس أو زيارتها رسميًّا.

        واستمر في القمة الرابعة (1984) التأكيد على التمسك بالطابع العربي لمدينة القدس وتبني خطة السلام العربية التي تؤكد على احترام الحقوق العربية والفلسطينية "الكاملة" والالتزام بها ومراعاتها، وهي الخطة التي طرحت في مؤتمر القمة الثاني (1974) وتتمحور حول إقامة دول فلسطينية عاصمتها القدس.

        وشهدت القمة الخامسة (1987) تكرارًا لقرارات القمة الثالثة حيث أصدرت قرارات ترفض كل الاتفاقات والمبادرات الانفرادية، واعتبار قرار مجلس الأمن (242) لا يشكل أساسًا كافيًا لحل القضية، وصدر قرار ببطلان المستوطنات، وإدانة قيام بعض الدول بعلاقات دبلوماسية مع إسرائيل، كما شهدت تلك القمة قرارًا باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية.

        ومع مطلع التسعينيات حدث انعطاف واضح في موقف المنظمة – والذي عكسته قرارات مؤتمرات القمة في التسعينيات – من القضية الفلسطينية، فمع استمرار القرارات التي تنص على تحرير القدس والوقوف في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي – صدر قرار بتأييد عملية السلام الجارية لإقامة نظام سلام عادل؛ لينفتح بذلك باب ظل مواربًا فترةً غير قصيرة منذ تبني المملكة العربية السعودية خطة السلام العربية في قمة (1974)، التي ركزت على إعلان الدولة الفلسطينية وضمان حرية العبادة وإلغاء المستوطنات.. لكنها لم تفعل؛ فكان قرار قمة (1991) إنما يعني تغيرًا في تصور النخبة المجتمعة في القمة في اتجاه قَبول الحل السلمي التفاوضي للقضية.

        وتشهد قمة الدار البيضاء (1994) قرارًا بمطالبة إسرائيل بالانسحاب غير المشروط إلى حدود ما قبل (1967)، والالتزام في المباحثات مع الأطراف العربية بقرارات مجلس الأمن رقم: (242)، (338)، (425) واحترام مبدأ الأرض مقابل السلام.

        وهذه القرارات تكررت في قمة طهران (1997)، إضافةً إلى إشارة القمة الأخيرة في قرار لها – في ضوء الأحداث الجارية – وقتها يطالب إسرائيل بوقف الإجراءات التي تقوم بها بالقدس لتغيير وضعها الجغرافي والسكاني، ومناشدة المجتمع الدولي لاسيَّما راعيتا عملية السلام عدم الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل ووقف العمل في مستوطنة (أبو غنيم).

        ويمكن الخروج بعدد من الملاحظات من قراءة تعامل قرارات قمة المؤتمر الإسلامي مع القضية الفلسطينية.

1- تراوحت قرارات القمة ما بين استخدام اسم (إسرائيل) وتوصيف (كيان صهيوني)، وما بين تركيز على التوصيف الثاني ما قبل قمة (1991) وغياب له في القرارات الصادرة عن مؤتمرات التسعينيات؛ ليحل الاسم الأول حلولاً كاملاً مكانه، وهو ما يمكن أن يعكس تغيرًا في رؤية قرارات القمة لموضوع الاعتراف بإسرائيل الذي احتل مكانًا بارزًا من قمة (1981)، حيث دعا قرار صدر عن القمة إلى دعوة الأمم المتحدة لتجميد عضوية إسرائيل ومطالبة المؤتمر الإسلامي سحب الاعتراف بها، وتحية دول أفريقيا التي قطعت علاقتها مع إسرائيل.. بل وإقرار المقاطعة السياسية والاقتصادية للدول التي تعترف بإسرائيل، واستمر طرح مسألة الاعتراف بها في قمة (1987)، حيث أصدرت القمة قرارًا بإدانة إقامة بعض الدول علاقاتٍ دبلوماسيةً مع العدو الصهيوني، وفي القمة ذاتها صدر قرار باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال التفرقة العنصرية.

ومنذ قمة داكار (1991) احتلت قرارات تُعرِب عن الارتياح لقيام الأطراف العربية بالتفاوض مع إسرائيل ومتابعة المفاوضات الجارية بترقب.. مكان الحديث عن رفض الاعتراف، والعقوبات المُشهَرَة في وجه الدول التي تقوم بالاعتراف بها حيث يكتسب المؤتمر الإسلامي بذلك شكلاً أكثر براجماتيةً ومرونةً وأقل حماسًا في طرح القضية وفي التعامل معها كما قد يراه عدد من المحللين، أو رضوخًا واستسلامًا كما قد يفسره البعض الآخر.

2- فيما يتعلق بموقف مؤتمرات القمة من قضية التسوية بين العرب وإسرائيل؛ يُلاحَظ أنه على حين كانت الرغبة الأكيدة في الانسحاب الإسرائيلي الكامل من كافة الأراضي التي احتلتها في 1967، حاضرةً في مؤتمرات القمة؛ فلم يَغِب الحل السلمي الذي جاء مشروطًا في القمة الثانية (1974) باستعادة الشعب الفلسطيني لحقوقه واستعادة القدس لوضعها ما قبل (1967).

        ويمكن اعتبار القمة الثالثة (1981) هي الأكثر طرحًا لقضية التسوية، حيث جاءت قراراتها متأثرةً بتوقيع مصر اتفاق كامب ديفيد، وفيها صدرت قرارات عبرت عن تصور المؤتمر الإسلامي (للحل السلمي)، جاءت ملامحه متمثلةً في رفض انفراد أي طرف عربي أو إسلامي بأي حل للقضية الفلسطينية، ومن ثم رفض كامب ديفيد ورفض اعتبار قرار (242) أساسًا لحل القضية، وهو الرفض الذي تكرر في مؤتمر القمة الخامس (1987) فقد أكد قرار فيه أنه ليس أساسًا كافيًا للحل، كما أدانت القمة الثالثة التواطؤ بين النظام المصري وإسرائيل .. واعتبرته عدوانًا على الحقوق الفلسطينية، ورغم أنه في قمة (1984) استأنفت مصر عضويتها، فذلك لم يكن يعكس تغيرًا في رؤية المؤتمر لإمكانية قيام مباحثات على شاكلة المباحثات المصرية – الإسرائيلية؛ فقد عاد المؤتمر الخامس (1987) ليشدد من جديد على الانسحاب الصهيوني من جميع الأراضي الفلسطينية والعربية، ورفض كل الاتفاقيات والمبادرات الانفرادية؛ ليبدو بذلك أن المؤتمر لم يُغيِّر موقفه من قضية التسوية.

        وبانعقاد القمة السادسة (1991) في أجواء مؤتمر مدريد بين الأطراف العربية وإسرائيل، حدث تحول كبير في هذا الموقف، فبعد ما شهدته السبعينيات والثمانينيات من موقف مؤتمرات القمة من التسوية مع إسرائيل، يحدث تأييد وارتياح لعملية السلام الجارية لإقامة "سلام عادل على أساس من قرارات مجلس الأمن رقم (242) و (338)، ويستمر التشديد على الانسحاب الإسرائيلي غير المشروط لما قبل حرب (1967)، والالتزام في المباحثات بقرارات: (242) و (338) و (425)، واحترام مبدأ الأرض مقابل السلام في قمة الدار البيضاء (1994)، وقمة طهران (1997)، حيث تكررت القرارات بنفس حرفيتها.

        من الطبيعي أن تطرأ تغيرات وتطورات على تناول مؤتمرات القمة الثمانية للقضية الفلسطينية عبر ثلاثين عامًا تقريبًا هي عمر المنظمة، لكن تلك التغيرات لم تكن تطوراتٍ لازمةً عن اعتبارات التحول والتبدل الذي طرأ على أطراف القضية وعلى الظروف والأوضاع الدولية؛ إذ إنها في بعض الأحيان مثلت تراجعًا واضحًا ونكوصًا.. فمِن رفض قرارات مجلس الأمن الصادرة في (1967) خلال مؤتمرات القمة في الثمانينيات عبر قرارات تُوصَف على أهون تقدير بشدة لهجتها إلى الدعوة بل (مناشدة) الأطراف لاحترامها دون تحفظات كافية ترد على ذلك التغير، حتى لا تبدو قرارات المؤتمر المتعاقبة وكأنها غير مترابطة أو غير منطقية التسلسل خالية من رابط أو ناظم يجمعها.

2- القضية الأفغانية

        بالغزو السوفيتي لأفغانستان (1979) واستيلائه على السلطة بها وتنصيبه لحكومة موالية؛ أُدرِجت القضية الأفغانية على جدول أعمال المؤتمر الإسلامي، حيث اجتمع وزراء خارجية دول المنظمة فور حدوث الغزو لبحث الموقف وتدارك أبعاده، وعُلِّقَت عضوية أفغانستان لحين الانسحاب السوفيتي، وانعقدت القمة الثالثة (1981) وقد وضعت القضية الأفغانية في مكان بارز من أولوياتها فأصدرت القمة بشأنها قرارات نادت فيها باحترام هويتها الإسلامية، وطالبت بعودة اللاجئين الذين شردهم الغزو، وطالبت القوات الغازية بالانسحاب وطالبت بإغاثة الشعب الأفغاني أيضًا.

        واستمر قرار الإعراب عن القلق إزاءَ التدخل السوفيتي في أفغانستان متكررًا في بيانات القمم التالية، وكذلك المطالبة بالانسحاب الفوري لجميع القوات الأجنبية، وذلك حتى الخروج السوفيتي (1989)؛ لتحتل من بعده أحداث القتال الدائر بين الفصائل الأفغانية مكانةً كالتي شغلها الغزو السوفيتي؛ فيأتي مؤتمرا القمة (1994) و (1997) بقرارات تعلن عن قلق المؤتمر من الاقتتال بين الفصائل، وتدعو إلى مبادرة للحوار إحلالاً للسلم وتطالب المجتمع الدولي بتقديم معونات للشعب الأفغاني.

        وبقراءة القضية عبر قرارات القمة يمكن الخروج بملاحظات حول أسلوب تناول المؤتمر لها حيث استمرت مطروحةً على مدى ستة مؤتمرات قمة:

1-  تكرار الإشارة على الاعتماد على الأمم المتحدة لحل النزاع أو لإخراج المحتل، فمؤتمر 1981 أعرب عن ارتياحه لقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، لا سيَّما المتعلقة برفض التدخل الأجنبي المسلح بأفغانستان، وصدر قرار يُوصي اللجنة الوزارية – والتي كانت قد تشكلت في مؤتمر وزراء الخارجية للمؤتمر الإسلامي – بالتعاون مع الأمين العام للأمم المتحدة على أساس من مبادئ منظمة المؤتمر. ومؤتمر (1987) رحب بجهود الأمين العام للأمم المتحدة من أجل الحل السلمي للقضية، ومؤتمر (1994) أعرب عن تقديره لجهود الأمم المتحدة في التعامل مع الفصائل..

وليست قرارات الشكر والامتنان لموقف الأمم المتحدة في ذاتها مشكلة، إنما المشكلة أنه كان اعتمادًا وتعويلاً كاملاً على موقف الأمم المتحدة، وافتقد موقف منظمة المؤتمر وجود رأي إسلامي أو استراتيجية إسلامية خاصة بها في القضية، حتى ولو افتقدت آليةً لإنفاذ الموقف أو الاستراتيجية.

2- أن القرارات المتعلقة بالقضية لم تتضمن إعلانًا للجهاد ضد الغازي السوفيتي أُسوةً بموقف القرارات من القضية الفلسطينية والقدس – حتى وإن كان إعلان الجهاد في الحالة الثانية شكليًّا لم يتحقق – رغم كون الغزو في (1979) هو الحادثة الثانية الكبرى في تاريخ المنظمة، فجاءت القرارات لتعبر عن قلق من الأحداث ولتناشد المجتمع الدولي مساعدة الشعب الأفغاني.

3- مطالبة قرارات القمم المجتمع الدولي مساعدة وإغاثة الشعب الأفغاني.. ولم يرد ذِكْر المجاهدين في سياق القرارات بعد نشوب الحرب الأهلية، وعبَّرت القرارات عنهم (كفصائل مُتحاربة)، وهو ما قد يعكس رغبةً من المنظمة في عدم التورط في لوم طرف أو نصح آخر لا سيما أن دولاً إسلاميةً لها مواقف مِن أو مع بعض الفصائل قد تتخذ موقفًا ردًّا على ذلك.

        وحيث إنَّ القضية الأفغانية ذات طوريْنِ الأول: هو الغزو السوفيتي، والثاني: هو الحرب الأهلية، فقد ساعدت الحرب الباردة المنظمة والدول الإسلامية في إطارها على إصدار قرارات المؤتمر الإسلامي بذات التحديد بالنسبة لقتال الفصائل؛ فلم تتبَنَ منظمة المؤتمر مبادرةً للحوار بين تلك الفصائل؛ ولعل افتقاد الطَّوْر الثاني للقضية الأفغانية درجة الاهتمام العالمي العالية التي حظي بها الغزو السوفييتي والذي انعكس بدوره على مكانه القضية الأفغانية من جدول أعمال مؤتمرات القمة الإسلامية كان أحد أسباب ذلك.

ب- قضايا غير دائمة

        كان من الطبيعي أن تُؤثر النشأة المرتبطة بأزمة كبرى لمنظمة المؤتمر الإسلامي المتمثلة في حريق المسجد الأقصى على أولويات مؤتمرات القمة الأولي؛ فلا يكاد يلحظ وجود ل