|
رغم
أن قمة منظمة المؤتمر الإسلامي التي
انعقدت مؤخرًا في الدوحة لم ترق
لتطلعات الشعوب الإسلامية فإنها طرحت
من جديد وبقوة قضية التضامن الإسلامي
خاصة في مواجهة تحديات العولمة ، فنحن
المسلمين اعتدنا- للأسف- أن نتعامل مع
الظواهر العالمية على أنها خيارات
نستطيع أن نندمج فيها أو ننسحب منها
أو نتشرنق دونها .. ثم نفاجأ بها
تداهمنا في عقر دارنا، ولا قبل لنا
بدفعها، فيكون رد فعلنا عشوائيًا
وارتجاليًا وبالتالي ضعيفًا ولا
يتناسب مع حجم التحديات، وهذا ما حدث
معنا مؤخرًا في قضيتي الفضائيات
والإنترنت اللتين كانتا إفرازًا
طبيعيًا لثورتي الاتصالات
والمعلومات .. وهو ما نخشى أن يحدث مع
قضية العولمة وهي أكبر وأشمل وأخطر.
التضامن
الإسلامي فريضة شرعية
والتضامن
الإسلامي فريضة شرعية دلت عليها نصوص
كثيرة في الكتاب والسنة وأقوال
العلماء قديمًا وحديثًا، وكرسها
تاريخ طويل من تواصل الأمة تحت لواءٍ
الوحدة والاجتماع، هذا التواصل الذي
لم يقطعه سوى عاملين طارئين على الأمة
الإسلامية أحدهما خارجي تمثل في
الاستعمار البغيض، والآخر داخلي تمثل
في تأثر الشعوب والنخب الحاكمة
العلمانية بنزعات القومية
والإقليمية التي كانت منصهرة في
بوتقة الدين الحنيف، ولكن لو افترضنا
غياب الحكم الشرعي والتواصل التاريخي
لكان واجب الأمة الآن خلقها لتواجه
الواقع المعاصر في عالم التحالفات
والتكتلات عالم العمالقة الذي لا
يحترم الكيانات الصغيرة ولا يرحمها،
وإذا كان الأقوى منا يبحثون الآن عن
الوحدة والاجتماع، فنرى الاتحاد
الأوروبي وحلف الناتو والآسيان
والآفتا وغيرها، فنحن أكثر حاجة منهم
لذلك، وهذا الواقع الذي يسير بخطواتٍ
متسارعة نحو العولمة يحول التضامن
الإسلامي من فرض كفاية إلى فرض عين،
ومن واجب على التراخي إلى واجب على
الفور.. لنتمكن-على الأقل- من الاحتماء
ببعضنا البعض أمام هذا الطوفان
الجارف، فلعل معظمنا لا يعلم أن أهم
ما يمنع أمريكا من افتراس كوبا رغم
العداء المستحكم والفارق الهائل في
موازين القوى، هو ضغوط مجموعة الدول
الناطقة بالأسبانية والبرتغالية
التي تجعل العملاق الأمريكي يخاف على
مصالحه من غضبها.
مقومات
الوحدة الإسلامية
يشكك
البعض في توفر عناصر الوحدة لدى الأمة
الإسلامية لاختلاف أعراقها ولغاتها
ونظمها السياسية والاقتصادية، وهذا
التشكيك ينقضه واقع الاتحاد الأوروبي
الذي يجمع دولاً منها الملكي ومنها
الجمهوري وفيها الكاثوليكي
والبروتستانتي والأرثوذكسي، وبينها
الغني والفقير، ومن تحكمه أحزاب
اشتراكية ومن تحكمه أحزاب ليبرالية،
ناهيك عن اختلاف الأصول العرقية،
بالإضافة إلى تاريخ أسود من الصراع
الدموي .. ولكنهم انطلقوا من عنصرٍ
واحد هو التواصل الجغرافي، وهو عنصر
وحيد من عوامل الوحدة التي يملكها
المسلمون، بل أسوق للمشككين ما هو
أكثر من ذلك .. ففي العام الماضي
اجتمعت قمة الفرانكفونية- الدول
الناطقة بالفرنسية- في العاصمة
الفيتنامية هانوي! وبحضور حوالي
أربعين دولة معظمها من أفريقيا
وبتمويل فرنسا وبلجيكا وإقليم كوبيك
الكندي وبأمانة بطرس غالي! فبالله
عليكم ما الذي يجمع المونتريالي
بالسنغالي باللبناني بالفيتنامي؟!
ولكنهم أيضًا انطلقوا من عنصرٍ واحد
هو اللغة، وهو أيضًا عنصر وحيد من
عوامل الوحدة التي يملكها المسلمون،
إذا نظرنا لارتباطهم جميعًا باللغة
العربية بدرجةٍ أو بأخرى.
كيفية
تحقيق التضامن
إن
معظم المسلمين على قناعة تامة بأهمية
التضامن لحاضرهم ومستقبلهم، ولكن ما
يحول دون تحقيق هذه الأمنية أن
مجتمعاتنا اعتادت أن تكون أبوية
تنتظر القرارات الفوقية، لذا فهي
بانتظار موقف الدولة وتصرف القائد
وتوجه الحكومة، بينما الحكومات لها
حساباتها المنفصلة عن تطلعات شعوبها،
تلك الشعوب التي تميل ميلاً
جماهيريًا جارفًا نحو التضامن بينما
هي عاجزة عن الحصول على حقوقها داخل
أوطانها، فضلاً عن أن تفرض رغباتها
على حكوماتها، لذلك فالأمل في
الانطلاق نحو الوحدة الإسلامية معقود
على إرادة حقيقية وخطوات عملية من
مؤسسات المجتمع المدني على
البرلمانات ومختلف التجمعات
والنقابات والروابط وعلماء الدين
ورجال الفكر والفن والأدب
والأكاديميين، وقبل هؤلاء جميعًا
رجال المال والأعمال الذين يمكنهم
تخطي الحدود بالتصدير والاستيراد
والاستثمار.. فتلك كانت بداية الاتحاد
الأوروبي وتلك هي أول خطواتنا على
طريق الألف ميل.
|