بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

إعادة الهيكلة والخصخصة تخرب اقتصاد القوة العظمى:

الولايات المتحدة.. "طبّاخ السُّم يذوقه"!

2001/8/21

حسين النديم- إسلام أون لاين

عندما تحاول دولة من دول العالم الثالث أن تحصل على قرض ما من المؤسسات المالية الدولية فإن أول شرط يفرض عليها هو خصخصة المؤسسات الحكومية، وإعادة هيكلة مجمل النشاط الاقتصادي، وفتح الباب أمام المستثمرين الأجانب للمشاركة في امتلاك وتشغيل هذه المؤسسات المخصصة واللامهيكلة دون اعتبار للنتائج التي ستترتب على مستوى الرفاهية العام لهذه الشعوب، وعادة ما يعني ذلك رفع الدعم عن المواد الغذائية والوقود والرعاية الصحية والتعليم عن قطاعات واسعة من هذه الشعوب الفقيرة؛ وبالتالي تردي الوضع الصحي والمعيشي فيها، الأمر الذي يعني تراجع النشاط الاقتصادي على المدى البعيد.

إضافة إلى ذلك، يحدد المالكون الجدد للقطاعات الإنتاجية، خاصة في مجال الطاقة والنقل والجوانب الأساسية للاقتصاد؛ أسعار منتجاتهم وخدماتهم، بينما تكبل الاتفاقيات الدولية حكومة البلد المعني وتجبرها على عدم التدخل لتحديد الأسعار وحماية مواطنيها من جشع المالكين الخاصين. وربما لا يجوز التعميم على الإطلاق، لكن دراسة العديد من اقتصاديات الدول التي قبلت بتطبيق "برامج الإصلاح الهيكلي" Structural Adjustment Programs التي يفرضها صندوق النقد الدولي تبين أن النتائج على اقتصاد هذه الدول أصبحت كارثية ولم يتحسن الأداء الاقتصادي فيها بعد "تحرير الاقتصاد".

وقد لا يعرف البعض أن الدول الصناعية الكبرى حتى زمن قريب لم تطبق مثل هذه البرامج الهدامة، ولم يصل "التحرير" معظم الأجزاء المهمة من اقتصادياتها، فالحكومات بقيت محتفظة بحق الملكية في مجالات النقل والاتصالات، وتحدد سقف أسعار الطاقة، وتزود الدعم للإنتاج الزراعي، لكن الصورة تغيرت، وبدأت هذه الدول تتجرع نفس السم الذي كانت تسقيه للدول الفقيرة.

وتوضيحا لحقيقة الأمر نتناول في هذا المقال مثالا أصبح ساحة للصراع السياسي في الولايات المتحدة، وهو أزمة الطاقة في ولاية كاليفورنيا…

سقوط كاليفورنيا

في يناير من عام 2001 عبرت اثنتان من شركات توزيع الكهرباء في ولاية كاليفورنيا هما "ساذرن كاليفورنيا اديسون" و"باسيفيك غاز أند ألكتريك" العموميتان عن عزمهما إعلان الإفلاس لعدم قدرتهما على تسديد قيمة الطاقة التي تشتريانها من الشركات المنتجة للكهرباء الموجودة في الولاية وخارج الولاية، وكانت حكومة الولاية منذ نهاية العام 2000 قد بدأت بإصدار تنبيهات للمواطنين تحثهم على اتخاذ التدابير اللازمة لتوفير الطاقة، وبعد ذلك بدأت الولاية بتطبيق نظام قطع الكهرباء المتتالي في المناطق المختلفة. أما هذا الصيف فقد تفاقمت الأزمة حتى أصبحت الولاية الحارة تواجه وضعا أشبه بأوضاع دول العالم الثالث.

حدث هذا في ولاية كاليفورنيا: أكبر الولايات الأمريكية وأكثرها سكانا (25 مليونا) وأكثرها أهمية من الناحية الاقتصادية (تعتبر بمفردها سادس اقتصاد في العالم) وتوجد فيها أكبر شركات الكمبيوتر والرقائق الإلكترونية وشركات ما يسمى الاقتصاد الجديد بالإضافة الى الصناعات الجوية والعسكرية.

قصة الاقتصاد "بالمقلوب"

وفي عام 1996 تم التصويت في ولاية كاليفورنيا على مشروع قانون "لا هيكلة" deregulation قطاع إنتاج وتوزيع الكهرباء في الولاية، وكانت كاليفورنيا رائدة في ذلك المجال وتبعتها بقية الولايات. تم التصويت تحت حملة دعائية كبيرة لعبت فيها شركات الطاقة الخاصة الكبرى دوراً كبيراً مثل "إنرون" و "ريلاينت" و "ايل باسو" و "داينيجي" و "أي إي أس" وهي شركات كبرى ذات نفوذ سياسي عظيم في أمريكا. كما أن بعض هذه الشركات بدأت بالسيطرة على أسواق الكهرباء في أمريكا اللاتينية وأفريقيا، وبعضها قد وضع عينه على سوق توزيع الكهرباء والغاز الطبيعي في الخليج العربي مثل شركة "إنرون".

وقد وعدت هذه الشركات المواطنين والسياسيين الأمريكيين أن تخصيص سوق الطاقة وفتح المجال "للتنافس" بين الشركات الخاصة سيعود على المستهلكين بالفائدة نتيجة لانخفاض أسعار الكهرباء والغاز بسبب تنافس هذه الشركات على توفير أوطأ الأسعار. وقد تم استدعاء رئيس شركة إنرون "كينيث لاي" أمام لجنة التجارة بالكونغرس عام 1996 للدفاع عن هذه السياسة الجديدة قائلا: "إن نظام الكهرباء الحالي هو من بقايا عهد بائد.. لقد آن الأوان لإدخال المنافسة في تجارة الطاقة. بهذا سنحصل على خفض مقداره 30 -40 % في الأسعار". ومن المعروف أن "لاي" هو من المقربين من جورج بوش الابن ووالده ومن كبار ممولي حملته الرئاسية.

وقد نص قانون إعادة هيكلة سوق الطاقة الصادرة من المجلس التشريعي لكاليفورنيا على أن "توليد الطاقة في الولاية سيتم عن طريق مالكي "محطات التوليد للربحية" الذين سيتنافسون لعرض أوطأ الأسعار، وأن جميع محطات التوليد المملوكة للولاية سيتم بيعها". كما سيتم بيع الطاقة المنتجة في المزاد. وأصدر المجلس التشريعي للولاية أمرا للشركات المهيكلة ببيع جميع محطات التوليد الخاضعة لها لفتح المجال أمام المنافسة. قبل هذه العملية كانت الشركات المهيكلة حكوميا تملك 55% من سعة توليد الطاقة في الولاية، بينما كانت الشركات المملوكة للبلدية تمتلك 23% والخاصة 22%، فقامت الشركات الخاصة بشراء محطات التوليد بشكل كبير وسيطرت على إنتاج الطاقة في الولاية.

ولكي تستمر هذه الشركات المخصصة في الإنتاج والتوزيع تم تأسيس هيئتين مشرفتين هما "إندبندنت سيستم اوبيرايتور ISO" التي تكفلت بتنظيم عملية توزيع الكهرباء وضمان تدفق الطاقة من المنتجين إلى الشركات الموزعة وإصدار بيانات العرض والطلب، والمنظمة الثانية هي "بورصة الطاقة"، ويتم فيها تقديم المناقصات من قبل المنتجين، وتحدد أسعار الجملة قبل يوم واحد فقط (!) من موعد التوزيع عند "أعلى" سعر مقدم في ذلك اليوم، حتى وإن قدمت شركة ما سعراً أدنى.

وعند حدوث "حالات طوارئ" في السوق (تبين أن العديد من حالات النقص الشديد في الطاقة في السوق كانت نتيجة لتلاعب الشركات المنتجة بعملية الإنتاج) فإن سعر الجملة الآني في السوق قد يقفز أضعافاً مضاعفة؛ فعلى سبيل المثال ارتفع سعر الجملة لكل ميغاواط/ساعة من الكهرباء في السوق الآنية في مدينة نيويورك بعد موجة حر دامت أربعة أيام في شهر مايو عام 2000 من 30 دولارا إلى 3900 دولار. وفي ولاية نيو إجلاند وصل سعر الميغاواط إلى 6000 دولار يوم 8 مايو. وقد اضطرت لجنة مراقبة الطاقة الاتحادية إلى وضع سقف للأسعار في السوق الآنية مقداره 1000 دولار للميغاواط في حينه.

وبدأت أولى علامات هذه الحالة الشاذة بالظهور في شهر أغسطس عام 2000 عندما استلم المستهلكون في سان دياغو جنوب كاليفورنيا فواتير كهرباء بلغت أكثر من ضعفي ما كانوا يدفعونه في العام السابق. وكانت أسعار الكهرباء مباشرة بعد "لا هيكلة" النظام قد بدأت بالارتفاع بدلا من الانخفاض الموعود نتيجة "للمنافسة". وازدادت الأسعار من يوليو 1999 إلى يوليو 2000 بمقدار الضعف، وفي منتصف يونيو 2000 وفي غضون أسبوعين فقط ارتفع سعر الكهرباء بنسبة 270%، وقد ترجم هذا إلى مليار دولار إضافية أصبح على المستهلكين دفعها.

وظهرت حالات جديدة في اقتصاد الولاية التي تعتمد اعتمادا كبيراً على الطاقة الرخيصة؛ فمثلاً شركات إنتاج الألمنيوم والكيماويات وصناعة الورق التي تستهلك كميات كبيرة من الطاقة خاصة الغاز الطبيعي، بدأت بتسريح العمال وخفض معدلات الإنتاج؛ لأن تكاليف الطاقة بدأت تأكل من أرباح إنتاجها. وأغرب من ذلك قامت بعض هذه الشركات مثل شركة كايزر ألومنيوم الكبرى في شهر يناير بإغلاق بعض مواقع الإنتاج، وبدأت تبيع الكهرباء في السوق الآنية؛ لأنها كانت تملك عقودا كانت قد اشترتها بسعر أرخص قبل فترة، ولأنها بهذه الطريقة تحقق ربحاً أكثر بدلا من إنتاج الألمنيوم.. هذا هو حقا علم الاقتصاد بالمقلوب.

مشكلة الشركتين الكبريين في كاليفورنيا "ساثيرن إديسون" و"باسيفيك غاز اند إليكتريك" نتجت عن التزامهما حتى عام 2002 بتوفير الطاقة حسب الأسعار المهيكلة. هذا الأمر أدى الى أن هاتين الشركتين بدأتا بشراء الكهرباء "بالغالي" من الشركات المنتجة وتبيعه "بالرخيص" للمستهلكين. وقد ترتب على ذلك عجز مقداره 11 مليار دولار حتى بداية عام 2001. واضطرت حكومة الولاية الى إصدار وبيع سندات لتغطية العجز الحاصل بعد أن رفضت حكومتا كلينتون وبوش التدخل لحماية المستهلكين وإجبار الشركات المنتجة على وضع سقف محدد للأسعار؛ لأن ذلك مخالف لعقيدة "اقتصاد السوق".

ترافق هذا الارتفاع مع ارتفاع أسعار النفط في السوق العالمية، لكن توليد سعر الكهرباء كسعر النفط الخام لم يعد جزءاً من نظرية العرض والطلب؛ إذ يلعب المضاربون الكبار دوراً كبيراً في تحديد السعر ارتفاعا أو انخفاضاً كما يعرف وزراء نفط أوبك. وقد أدت هذه الأزمة إلى فتح التحقيق في أكثر من مكان؛ للنظر فيما إذا كانت شركات الطاقة الكبرى قد تلاعبت بالمعروض (أغلقت محطات توليد أو مصافي لغرض "الصيانة" حين لم يكن ذلك ضروريا).

في هذا العام وسط انهيار الأسواق المالية الأمريكية، كانت بيانات أرباح جميع الشركات الصناعية الأمريكية الكبرى سلبية باستثناء شركات الطاقة التي أصدرت بيانات أرباح وصلت إلى الضعف والضعفين أو ثلاث مقارنة بالأعوام الماضية. شركة ريلاينت Reliant مثلا حققت وفقا لبياناتها العوائد التالية: عام 1996 (4.03 مليارات دولار)، 1997 (6.7 مليارات)، 1998 (11.23 مليار)، 1999 (15.223 مليار)، 2000 (29.339 مليار) ويتوقع أن يزيد عن ذلك هذا العام.

تاريخ الكهرباء في أمريكا

هيكلة قطاع الكهرباء في الولايات المتحدة بدأت في عهد الرئيس فرانكلن روزفلت الذي أنقذ اقتصاد أمريكا من هاوية الركود في الثلاثينيات. وللقيام بذلك كان لا بد له من مقارعة البنوك وشركات المالية الكبرى في وول ستريت ولجم نفوذها وسيطرتها على مقدرات البلد الاقتصادية. وكان روزفلت يفهم أن مسألة توفير الكهرباء بأسعار منخفضة وبصورة مستديمة هي مسألة حياة أو موت بالنسبة لعملية الإنعاش الاقتصادي التي بدأ بها ونقلت الاقتصاد الأمريكي إلى أعلى مرتبة بين الدول الصناعية في العالم.

قبل عام 1935 كانت بنوك نيويورك تسيطر على معظم إنتاج الطاقة في أمريكا عن طريق "الشركات القابضة" التي كما هي الحال اليوم، لا يهمها إلا تحقيق الأرباح عن طريق أقل كمية من الاستثمارات الرأسمالية. ولم تكن تلك الشركات ترى مثلا أن تزويد الكهرباء للمناطق الريفية النائية أمر مربح؛ لأن ذلك سيتطلب استثمارات كبيرة وعوائد قليلة. وليس هنالك من شك في أن المسؤولية الكبرى تقع على الدولة في توفير الكهرباء وبسعر معقول لكل ركن من أركان البلد، سواء كان في أمريكا أو أي بلد آخر كجزء من التزامها الأخلاقي بتوفير الرفاهية للشعب وضمان النمو الاقتصادي الصناعي ـ الزراعي.

في الخمسين عاما الأخيرة، كانت شركات إنتاج وتوزيع الكهرباء تقوم ببناء محطات التوليد وتقوم بتوزيع الكهرباء مع هامش ربح بسيط يغطي الاستثمارات التي عادة ما تأخذ عشر سنين لتوليد الربحية. فهل هناك أية شركة من الشركات الكبرى حالياً مستعدة لبناء محطات طاقة لتنتظر عشر سنين لتحصيل الأرباح؟! إن نظام السوق اليوم هو تحقيق الربح الكبير بين ليلة وضحاها عن طريق العيش كطفيلي على مؤسسات بنيت في الستينيات والسبعينيات بدعم من الدولة. ومن المفارقات أنه في العقدين الماضيين لم يتم بناء أية محطة توليد كبرى في ولاية كاليفورنيا، كما أن الطاقة النووية أصبحت في خبر كان.

إمبراطورية الورق

المشكلة كما حددها عالم الاقتصاد الأمريكي "ليندون لاروش" بكل وضوح هي سيادة أيديولوجية غريبة في المجتمع والطبقة الحاكمة في أمريكا تدور حول عبادة إله اسمه "السوق الحرة"، حيث الجشع والمنافسة بين الجشعين هي أم الاختراع في عالم الاقتصاد. كما أن القيمة الاقتصادية لم تعد تكمن في تطوير التقنيات الحديثة في الإنتاج لتحسين المستوى المعيشي للسكان بل إيجاد أسرع الطرق للحصول على الربح المادي، وهذا الأمر أدى الى تحول أمريكا إلى إمبراطورية ورق؛ فكل النمو "الاقتصادي" الأمريكي الذي تحدث عنه الاقتصاديون والسياسيون في العقد الأخير هو نمو في عالم المال والأوراق المالية والعملة في أمريكا. فليس هنالك أدنى دليل على أن الإنتاج الصناعي والتقني الأمريكي والبنية التحتية الأساسية في نمو. على العكس، ما تبرزه أزمة الطاقة هذه هو انهيار فعلي في الاقتصاد الفيزياوي للبلد، ونمو هائل في القيم المالية الورقية كما هو الحال في سعر الدولار الخيالي اليوم.

وعلى الباحثين المسؤولين في الدول العربية الانتباه إلى هذه القضية؛ فنظام صندوق النقد الدولي "المعولم" بدأ يفرض شروطا مماثلة على دول عربية مثل لبنان، وجشع هذه الشركات الكبرى لا يقف عند حدود، والبديل ليس سيطرة الحكومة المطلقة على الإنتاج مثلما قد يتصور البعض، بل سيادة مبدأ "الرفاهية العامة" كحق من حقوق المواطن. أي أن مسؤولية الدولة أمام القانون هي ضمان حصول الفرد على هذه الاحتياجات الأساسية ضمن مستوى معقول من التكاليف، وأن مسؤولية حماية الفرد من جشع السوق "الحرة" هي مسؤولية أخلاقية وقانونية في ذات الوقت، كما أنها حق من الحقوق المشروعة للفرد.

اقرأ أيضًا:

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع