بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

لماذا تغلق المستشفيات في العاصمة الأمريكية؟؟

الخصخصة على الطريقة الأمريكية وأخلاقيات حاملي الأسهم!!

2001/8/30

حسين النديم-إسلام أون لاين.نت

أثبت تطبيق سياسات "التحرير الاقتصادي" أو "الخصخصة" أو "إعادة الهيكلة" بالصيغة التي تفرضها المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على شعوب العالم النامية في عقر دار الولايات المتحدة والدول الغربية الداعية إلى ما يُسمى باقتصاد السوق - أن هذه السياسات لا تقود إلى أي نمو اقتصادي سوى نمو خزائن فئة قليلة من أصحاب البنوك والمؤسسات المالية والسياسية والإعلامية وشركات المحاماة واللوبيات المتحالفة معها.

فهذه المؤسسات لا يهمها سوى توسيع نفوذها وتعزيز قدراتها المالية والاقتصادية، سواء على حساب الإنسان الأفريقي أو الآسيوي أو الأمريكي، وتلك المؤسسات التي تديرها أسر أوليجاركية (متحكمة) قديمة لا تؤمن بقومية أو دين أو صالح عام، والمبدأ الوحيد الذي تتبعه هو "الربحية"، وهي مستعدة لاستخدام كافة الوسائل الضرورية للمحافظة على هذا النفوذ وعلى "أملاكها"؛ لذلك على المواطن العربي وحكوماته على السواء الانتباه لما يتم الترويج له من هذه البرامج، والاستفادة من العبر التي تقدمها مدرسة التاريخ على المنصة الغربية هذه المرة.

أما "تدخل الدولة" في الاقتصاد الذي أصبح يشبه (السبة) في القاموس الاقتصادي المعاصر، ويحظر على حكومات الدول النامية ممارسته، فيبدو أنه هو الذي ساعد أمريكا وأوروبا الغربية في بناء اقتصادياتها الحديثة، وتوفير المستوى المعيشي والرفاهية الاقتصادية العالييْن فيهما من فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وإلى منتصف السبعينيات.

وما يجري من عملية خصخصة وإعادة هيكلة للمؤسسات الاقتصادية الحيوية مثل البنية التحتية الأساسية، وإنتاج الطاقة، والرعاية الصحية فيها، ما هو إلا عملية نهب لموارد بذلت فيها حكومات تلك الدول وشعوبها جهوداً جبارة.

وهناك أمثلة عديدة في أمريكا نفسها على هذا الصراع بين مؤسسات قديمة وهذه اللوبيات الاستغلالية الكبيرة.

مستشفى دي سي جنرال

بُني مستشفى "دي سي جنرال" في عام 1806 في جنوب شرق وسط العاصمة الأمريكية واشنطن، ومنذ ذلك التاريخ يوفر هذا المستشفى الذي أصبح من أكبر وأحدث المستشفيات في العقود الأخيرة الخدمات الصحية المجانية وشبه المجانية لمن يحتاجها من سكان المدينة الذين غالبيتهم من السود ذوي الدخل المحدود.

وقد برزت في بداية العام معركة سياسية حامية الوطيس بين "تحالف إنقاذ "دي سي جنرال" الذي يضم قادة الأقلية السوداء، وأعضاء من الحركة السياسية التي تتبع عالم الاقتصاد والمعارض السياسي الأمريكي "ليندن لاروش"، والدكتور "عبد العليم محمد" وزير الصحة في المنظمة الإسلامية الأمريكية "نايشن أوف إسلام"، بالإضافة إلى العاملين في هذا المستشفى وبين مجموعة من المؤسسات المالية والسياسية في العاصمة وفي الكونجرس، والتي قررت "خصخصة" أو بيع المستشفى، وبالتالي إغلاق أجزاء كبيرة من نشاط المستشفى خاصة شعبة الطوارئ نتيجة للعجز المالي الذي يتحمله المستشفى؛ لأنه يقدم خدمات مجانية معظم الوقت لسكان ذلك الجزء من العاصمة الذين هم الأشد فقراً فيها.

ولدى هذه المؤسسات خطط خيالية لمشاريع عقارية وسياحية تصل إلى مئات المليارات من الدولارات لتحويل ذلك الجزء من المدينة الذي يقع على شاطئ نهر "أناكوستيا" إلى أكبر مشروع "عقاري- سياحي" في العاصمة، ولكن يعرقل ذلك وجود المستشفى والأعداد الكبيرة من "الزنوج" الذين يسكنون في بنايات قديمة مهترئة حولها، وبالطبع لن يتمكن هؤلاء الفقراء من شراء الشقق الفاخرة التي ستتكلف عشرات الملايين من الدولارات، والتي ستبنى في تلك المنطقة؛ لذلك فعليهم الرحيل أو ترحيلهم بالقوة، وأبسط وأقدم طريقة لترحيل السكان هي حرمانهم من أبسط مقومات العيش مثل الرعاية الصحية!.

وتوجد مخططات عديدة لتحويل المنطقة النهرية في وسط واشنطن، خاصة تلك الواقعة غرب النهر؛ حيث يوجد في تلك المنطقة –بالإضافة إلي المستشفى- سجن المدينة وإستاد للألعاب الرياضية؛ وقد فضحت ذلك المخطط مجلة (أكزكتف أنتلجنس ريفيو) الأمريكية، ونشرت بعض الخرائط والصور التخيلية، التي تصور المشاريع العقارية والسياحية العملاقة المستقبلية في تلك المنطقة، والتي ستحل محل المستشفى والسجن والملعب والمنطقة السكنية الحالية، ويمكن الاطلاع على بعض هذه المشاريع في صفحة الإنترنت الخاصة بلجنة تخطيط العاصمة القومية (National Capital Planning Commission وترتبط لجنة التخطيط هذه بعلاقة وثيقة بالمجلس "البلدي الفيدرالي" لـ "واشنطن بوست" والشركات الكبرى المتحالفة معها.

وهذه الحالة تتطابق تطابقاً كلياً مع ما يجري في دول العالم الثالث؛ إذ إن العذر المستخدم هو تقليص نفقات الدولة وسد العجز في الميزانية؛ لذلك تتخلص الدولة من العبء الاقتصادي والأخلاقي لتوفير الرعاية الصحية لمواطنيها؛ لتتولى شركات تجارية ربحية تقديم تلك الخدمات، لكن بأسعار يحددها السوق والمحاسبون وليس الأطباء؛ فمن فيه القدرة على الدفع يحصل على العلاج، أما من لا يملك ذلك، وليس لديه تأمين صحي (40 مليون أمريكي ليس لديهم تأمين صحي) فليس لهم من ناصر ولا معين !.

500 ألف نسمة يُحرمون من الخدمات

حسب قول مدير جمعية الخدمات الطبية الطارئة لواشنطن "كينيث ليون" يقدم مستشفى "دي سي جنرال" خدماته الطبية -خاصة علاج حالات الطوارئ والجروح الخطرة- لحوالي 40% من سكان المدينة البالغ تعدادهم 500 ألف نسمة (ويبلغ تعداد المدينة نهاراً مليونا ونصفا يأتون إلى العاصمة الأمريكية من الولايات المجاورة إلى وظائفهم، كما يصل الآلاف من مختلف أرجاء العالم كل يوم)، ويستقبل المستشفى 38% من الحالات الطارئة التي تبلغ سنوياً 130000 حالة في كل المدينة؛ وخطورة إغلاق هذا المستشفى تكمن في عدة نقاط:

أولا- أنه يستقبل الحالات التي تأتي من المنطقة المحيطة به؛ حيث يسكن أكثر مواطني واشنطن فقراً على الإطلاق، ويوفر لهم علاجاً مجانياً، وفي هذه الحالة على هؤلاء اللجوء إلى المستشفيات والعيادات الأخرى في العاصمة التي قد تقبلهم أو لا تقبلهم.

ثانيا- معظم حالات الطوارئ الكبرى ناتجة عن الذبحة الصدرية أو إطلاق النار، وحالات الذبحة الصدرية يجب أن يصل المصاب بها إلى المستشفى من 7ـ 10 دقائق، وإلا فستكون فرصته في الحياة معدومة، في اللحظة الراهنة يتم نقل المصابين في سيارات الإسعاف على طول المدينة وعرضها من أجل الحصول على مكان للمصابين.

ثالثاً- المستشفيات الأخرى تعاني من الزحام الشديد وقلة الأَسِرَّة؛ نتيجة لعدة سنين من سياسات التقشف (انخفض عدد الأَسِرَّة في مستشفيات العاصمة بنسبة 23% في الأعوام 1995ـ 1999)، لذلك يتم إغلاق الأبواب في وجه حالات عديدة يتم جلبها بسيارات الإسعاف من مناطق كانت قريبة من مستشفى "دي سي جنرال"، كما قد ترتفع مدة الانتظار في ردهات الطوارئ من 4ـ6 ساعات – حالياً إلى 8 ـ10 ساعات..

وللعاصمة الأمريكية واشنطن دي سي وضعية إدارية فريدة؛ فهي ليست ولاية ولا جزءًا من ولاية، لكن وجود مؤسسات الحكومة مثل الرئاسة والكونجرس ووزارات القوة العظمى في العالم يتطلب وجود حالة حياد واستقرار سياسي في المدينة؛ لذلك فسكان المدينة الذين يدعمون الحزب الديمقراطي تقليديا لديهم عضو (منتخب)، لكن غير فاعل في الكونجرس. وهناك عمدة المدينة (منتخب) الذي يدير شؤون المدينة الإدارية، لكن تحت إشراف مجلس السيطرة المالية (فاينانشال كونترول بورد) الذي يتم تعينه من قِبَل الكونجرس، كما يوجد "مجلس بلدي" ينتخبه الشعب، لكن ليس لديه في واقع الأمر أية كلمة في صناعة القرار فيما يخص القضايا الحساسة، كما سنرى في قضية المستشفى.

أما خلف الكواليس فيوجد المجلس البلدي الفدرالي (فيدرال سيتي كاونصل) وهو اسم زائف؛ لأن هذه المجموعة هي مجموعة خاصة ليست حكومية ولا منتخبة، تتكون من مجموعة من أقوى المؤسسات المصرفية والسياسية والإعلامية وشركات العقارات والمحاماة، وقد تأسس هذا المجلس من قبل مؤسسة واشنطن بوست الإعلامية، ويصل نفوذ هذا المجلس– الذي يعمل دائما من خلف الكواليس- إلى درجة أن معظم السياسيين يتوددون إليه، ويقدمون له آيات الطاعة إذا أرادوا أن يستمروا ويرتقوا في مسيرتهم السياسية. كما أن هذا المجلس يلعب دوراً رئيسيا للتخطيط للسياسات الاقتصادية والمالية للعاصمة، ومن ضمنها مشروع "تطوير شاطئ نهر أناكوستيا".

لذلك فعندما قررت هذه المؤسسات المالية خصخصة وإغلاق مستشفى "دي سي جنرال" تحركت الآلة الإعلامية لـ"واشنطن بوست" لتوهم سكان المدينة بأن عدم كفاءة المستشفى وعملية بيعه أمر مفروغ منه، بالرغم من أن المستشفى يُعتبر من أحسن مستشفيات المدينة وأن عملية البيع هي عملية غير قانونية وغير دستورية.

فقد نشرت "الواشنطن بوست" تهديداً وتحذيراً صادريْن من "المعهد الحضري"، وهو أحد أغطية مجلس "الواشنطن بوست" ضد "المجلس البلدي" المنتخب شرعياً؛ لتحذيرهم من مَغبة معارضة مشروع الإغلاق؛ حيث كتبت الجريدة تقول: "مستشفى دي سي جنرال سيُغلق، أما الخطة البديلة الواعدة فستحسن من المستوى الصحي، وستخفض النفقات، وقرار مجلس السيطرة المالية والقيود التي وضعها الكونجرس على تمويل المستشفى هي قرارات نهائية؛ لذلك على مجلس بلدية "دي سي" أن يتخلى عن نهج المواجهة، ويوفر طاقاته لإيجاد طرق جديدة لتطبيق النظام الجديد"!!.

ويجب أن نلاحظ أن هذه اللغة هي ذات اللغة التي يستخدمها الإعلام الأمريكي والأوروبي ضد حكومات دول العالم الثالث، التي ترفض الرضوخ لشروط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

وعندما قرر "مجلس السيطرة المالية" إيقاف الدعم الحكومي للمستشفى وتحويل عملية إدارة المستشفى إلى شركة خدمات طبية ربحية مدعوما في ذلك بقرار من لجنة الاعتمادات بالكونجرس التي كان يسيطر عليه الجمهوريون، بدأت حملة الاحتجاج.

وتحت ضغط الاحتجاجات قرر "المجلس البلدي" المنتخب إصدار قرار بوقف عملية البيع. وعندما أحس أعضاء "مجلس السيطرة المالية" في يوم توقيع العقد (في شهر أبريل الماضي) بقوة الاحتجاج، تم نقل مكان توقيع العقد إلى بناية أخرى؛ حيث تم ذلك في "قبو محصن" تحت حماية الشرطة وقوات الكوماندوز والقناصة، ومنع أعضاء المجلس البلدي المنتخب من قبل الشعب حتى من الوصول إلى باب البناية!

ومع ذلك استمرت حركة الاحتجاج، ووصلت إلى الكونجرس؛ لأنه على أعضاء الكونجرس تصديق العقد، وبقيت القضية معلقة إلى الآن، ولكن بسبب إيقاف الدعم المالي الحكومي للمستشفى تم إغلاق أجزاء كبيرة منه، وخاصة المكلفة منها مثل قسم الطوارئ وحالات "الرضوض" الخطيرة .

النظام الصحي الأمريكي

ارتبط نظام الرعاية الصحية الأمريكي الحديث منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى منتصف الستينيات بقانون واحد صدر من الكونجرس عام 1946 باسم "قانون هل - بيرتون" الذي أطلق برنامج بناء مستشفيات ومراكز صحية على المستوى القومي، قبيل الحرب كانت نصف البلديات الأمريكية الثلاثة آلاف لا تتوافد على مستشفيات أو مراكز صحية، أما البقية فقد كانت دون المستوى المطلوب.

وقد بدأ البرنامج بعملية مسح شاملة، تم فيها تحديد مواقع المستشفيات وحجمها بالتناسب مع عدد السكان واحتياجاتهم، وتم توفير 65000 سرير جديد و250 مركزا صحيا شعبيا خلال ثلاث سنين. وقد تم بناء معظم هذه المستشفيات العامة في المناطق الأكثر فقراً، وتم تحت هذا القانون زيادة الدعم الحكومي لسبع آلاف مستشفى، وأُقيمت حملات كبيرة للقضاء على الأمراض المُزمنة والأوبئة مثل السُّل الرئوي وشلل الأطفال وغيرهما.

وقد انخفضت حالات الإصابة الجديدة بالسُّل مثلاً من 137000 حالة عام 1948 إلى 55000 حالة عام 1960، والسعال الديكي من 156000 حالة إلى 14000 حالة، والدفتيريا من 18000 حالة إلى 900 حالة.

لكن المفتاح الأساسي لتوفير النظام الصحي المتقدم هو وجود اقتصاد صناعي زراعي على درجة عالية من الإنتاجية؛ لذلك كان من واجبات الدولة توفير البنية التحتية الأساسية والاعتمادات المالية الكفيلة بخلق مثل هذا الاقتصاد.

أما في العقديْن الأخيرين فقد أصبحت الفلسفة السائدة في الاقتصاد الأمريكي هي "أخلاقيات حاملي الأسهم"؛ فالربح السريع هو الغاية، وأية وسيلة هي وسيلة مشروعة، حتى وإن كانت على حساب الشعب الأمريكي وعجلة النمو الاقتصادي فيه. فلا عجب أن الاقتصاد الأمريكي قد بدأ يتعفن من الداخل نتيجة لتلك الفلسفة، وورقة التوت الخضراء (الدولار) المدعومة بالقوة العسكرية والإعلامية هي كل ما يستر عورته.

لكن انهيار الاقتصاد الأمريكي قريباً جداً سيكون فرصة لإعادة النظر في هذه السياسات، وفرصة لدول العالم النامية أن تستفيد من الدروس الأمريكية؛ سواء المفيدة منها أو الضارة، مثل قضية تخصيص الرعاية الصحية؛ فمسؤولية الدولة الأخلاقية أمام القانون هي توفير وحماية مبدأ "الصالح العام" ( General Welfare المثبت في الدستور الأمريكي) المتمثل في توفير البنية التحتية الأساسية الصلبة مثل: الطرق والمياه والطاقة والبنية التحتية اللينة المتمثلة في التعليم والرعاية الصحية؛ فبهذا المبدأ أصبحت أمريكا قوة صناعية كبرى، وبإلغائه بدأت أمريكا في التراجع إلى نظام يشبه النظام الإقطاعي الأوروبي الذي ثار عليه آباء الأمريكان.

 

اقرأ أيضًا:

اقتصاد وأعمال

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع