|
ترتبط
مكانة الأقليات في مجتمعات الأغلبية
التي تعيش فيها بمكانتها الاقتصادية،
وقدرة هذه المكانة على التأثير في صياغة
القرارات السياسية والسياسات
الاجتماعية المتبعة من قبل الدولة؛
فبقدر ما تمتلك الأقليات من قوة
اقتصادية تمتلك القوة على فرض احترام
الآخرين لها، وبالقدر الذي تكون فيه
الأقلية فقيرة، تكون معرضة للاختراق
والإهانة، سياسيًّا واجتماعيًّا
وثقافيًّا وحضاريًّا.
وقد
شعر المسلمون في مملكة "الورود" أو
هولندا منذ وقت مبكر من وجودهم –الحديث
أصلاً- بأهمية العامل الاقتصادي في حياة
الأقليات، وكان مثال الأقلية اليهودية
الأبرز للعيان أمامهم؛ فتعداد اليهود
في هولندا لا يتجاوز -بحسب الإحصائيات
الرسمية- مائة وخمسين ألفًا، لكن
الإحصائيات نفسها تشير إلى أن نصف
الاقتصاد الهولندي على الأقل بيد
اليهود، فيما ينحدر 5 وزراء من مجموع 15
وزيرًا تتشكل منهم الحكومة الهولندية
من أصول يهودية، وقد عرفت السياسة
الخارجية الهولندية طيلة الخمسين عامًا
الماضية بأنها كانت إسرائيلية أكثر من
إسرائيل، وليس من تفسير لذلك إلا سطوة
اللوبي اليهودي في دواليب الدولة
الهولندية.
وعلى
الرغم من أن القياس على وضع اليهود
الذين يعود وجودهم إلى خمسمائة عام خلت
يجب أن يكون مع فارق؛ فإن تحييد هذا
القياس لم يكن متاحًا، فقد لعب الصراع
العربي الصهيوني دور المفعل لهذا
القياس باستمرار، وبدا سعي المسلمين
الدؤوب لاكتساب القوة الاقتصادية غير
مرتبط برغبة الأقلية المسلمة في تحصين
نفسها أمام حركة الأغلبية فحسب، بل كذلك
بدا جزءاً من تداعيات هذا الصراع
الإسلامي الصهيوني الدائر في كواليس
الكثير من الدول الغربية، ومنها هولندا.
عمالة
مسلمة
إن
وجود المسلمين في هولندا لم يكن من ذات
طينة الوجود اليهودي فيها؛ فقد جاء
اليهود "السفرديم" إلى هولندا في
القرن السادس عشر من أسبانيا بعد سقوط
الحكم الإسلامي في هذا البلد الأوربي
كتجار وأصحاب رؤوس أموال، ساهموا بشكل
رئيسي في تمويل حرب الاستقلال
الهولندية ضد الاستعمار الإسباني، وفي
تحويل أمستردام إلى إحدى أهم عواصم
التجارة العالمية طيلة القرون الأربعة
الماضية.
أما
المسلمون فقد قدم 90% منهم في عقدي
الستينيات والسبعينيات من تركيا
والمغرب كعمال ضيوف، ينحدر غالبيتهم من
مناطق مهمشة وفقيرة في بلدانهم
الأصلية، وينتمون جميعًا إلى الشرائح
الاجتماعية الأكثر فقرًا.
وقد
كان الهدف من استقدامهم العمل في ورشات
البناء ومصانع إعادة الإعمار التي كانت
هولندا في أمسِّ الحاجة إليها بعد
انتهاء الحرب العالمية الثانية،
واستفادة دول أوروبا الغربية، وهو ما
عُرف بمشروع "مارشال" لإعادة بناء
أوروبا المدمرة بفعل الحرب وتجربة
الحكم النازي القاسية.
ومع
بداية الثمانينيات وتحول الوجود
الإسلامي في هولندا من حالة "الهجرة"
إلى حالة "المواطنة بفعل تغيرات
كثيرة تتعلق بالسياسة الهولندية
والأوضاع المتأزمة في الدول الأصلية،
تحول تفكير المسلمين أيضًا من حالة
الشعور بـ"الإقامة المؤقتة" إلى
حالة الشعور بالاستقرار، وما يتبع ذلك
من ضرورة السعي إلى توفير شروطه وتأمين
تبعاته، ومن ذلك تفكير البعض في
الانخراط في الحركة الاقتصادية
والتجارية للوطن الجديد.
كما
ساهمت نوعية المهاجرين الجدد في
الثمانينيات والتسعينيات -وغالبيتهم من
اللاجئين والقادمين في إطار التجمع
العائلي الذين يملكون مؤهلات تعليمية
عالية- في إعادة ترتيب أولويات الأقلية
المسلمة، ووضع الهمّ الاقتصادي على
أجندة أبنائها؛ سواء لاعتبارات عامة أو
لاعتبارات خاصة مرتبطة بطموحات شخصية
في الإثراء.
وقد
أفرزت التحولات الاجتماعية التي عرفها
الوجود الإسلامي في هولندا خلال عقدي
الثمانينيات والتسعينيات تحولات على
المستوى الاقتصادي؛ حيث برزت في مختلف
المدن الهولندية مقاولات وشركات تعود
ملكيتها كليًّا أو جزئيًّا إلى مسلمين،
تفاوتت في تحقيق الاستمرارية ومراكمة
الأرباح.
نحو
مشاريع صغرى
تنقسم
المشاريع التجارية الصغرى التي يمتلكها
المسلمون في هولندا إلى نوعين أساسيين
من الأنشطة الاقتصادية:
أولهما: نشأ في
ارتباط بحاجة الأقلية المسلمة المنبثق
عن خصوصيتها الدينية والثقافية
والقومية من قبيل محلات البقالة ومحلات
بيع اللحوم الحلال.
وثانيهما: تأسس على
أساس الخصوصية الثقافية والقومية
أيضًا، لكنه موجَّه للمستهلك الهولندي
بالدرجة الأولى، ويشمل هذا النوع شبكة
المطاعم الواسعة التي يقارب عددها
ثلاثة آلاف، ويمتلكها مسلمون مصريون
وأتراك في الغالب.
ويقارب
عدد المشاريع التجارية الصغرى للمسلمين
خمسة آلاف بحسب إحصائيات اتحاد الغرف
التجارية في هولندا لسنة 2001م، من بينها
1800 مطعم "أكلات خفيفة" (يعرف بمحلات
شاورما) يمتلكها مسلمون من أصل مصري، و900
يمتلكها مسلمون من أصل تركي، ومائتان
تعود ملكيتها لمسلمين من أصول مختلفة.
كما
يمتلك المسلمون أيضًا –بحسب المصدر
ذاته- ما يقارب 1500 "محل بقالة" و"مجزرة
إسلامية" توجد غالبيتها في المدن
الكبرى والمتوسطة؛ حيث يعيش قرابة 800
ألف مسلم، كما يمتلكون أيضًا ما يقارب 500
مشروع تجاري تنشط في مجالات مختلفة،
غالبيتها حرفية: كالبناء، والنسيج،
وصناعة الأثاث، فيما لا تتجاوز مشاريع
المسلمين في مجالات الصناعة
والتكنولوجيا الحديثة بضع عشرات.
وعلى
الرغم من تخرج آلاف من أبناء الجيل
الثاني المسلم في الجامعات الهولندية
خلال العقد الأخير، وانتماء عدد من
بينهم لتخصصات تقنية عالية؛ فإن نسبة
إقبالهم على تأسيس مشاريع خاصة لا تزال
ضعيفة؛ حيث لوحظ أن غالبيتهم يفضلون
الحصول على وظائف في شركات هولندية كبرى.
غير
أن عددًا من شباب الأقلية المسلمة من
ذوي التكوين الجامعي أقدم في بعض المدن
الهولندية الكبرى كأمستردام ورتردام
ولاهاي على تأسيس شركات صغرى في قطاع
الخدمات والاستشارة، حقق بعضها نجاحًا
ملحوظًا، غير أن التجربة لا تزال -برأي
الخبراء- جديدة لا يمكن الحكم عليها.
تحديات
السوق والضريبة
تتفاوت
تجارب المشاريع الاقتصادية للمسلمين في
هولندا في مستوى النجاح والقدرة على
الصمود في محيط اقتصادي شديد التنافسية
وذي طبيعة احتكارية تستأثر فيه الشركات
الكبرى بإدارة اللعبة، وتسعى فيه القوى
الرأسمالية المهيمنة إلى مزيد من
الاندماج والتوسع ضمن ما يسمَّى بـ"الكارتيلات".
وإذا
كانت الشركات الصغرى ذات الطابع الخاص
من قبيل المحلات التي تبيع مواد مستوردة
من الدول الأصلية لأبناء الأقلية
المسلمة خارج إطار المنافسة في غالب
الأحيان؛ فإن الشركات الجديدة التي
يقوم بعض الشباب المسلم من ذوي التأهيل
الجامعي بتأسيسها -خصوصًا في قطاع
الاتصالات والكمبيوتر- تعاني بشكل حاد
من منافسة غير عادلة مع كبرى الشركات
الهولندية والعالمية.
وبحسب
دراسة نشرتها جمعية "المقاولين
الشباب" في هولندا سنة 1997م، فإن 90% من
الشركات المملوكة للمسلمين في مجال
الصناعة عادة ما لا تتمكن من الصمود في
السوق الهولندية لأكثر من ثلاث سنوات
لتعلن بعدها إفلاسها؛ وذلك بسبب صعوبات
في التسويق، وفشل في منافسة الشركات
الاحتكارية على مستوى الأسعار.
ويشتكي
أصحاب الشركات المسلمون من عنف القانون
الضريبي الهولندي وصرامته؛ فنسبة
الضريبة على القيمة المضافة (BTW) تعتبر
واحدة من أعلى النسب على المستوى
الدولي، كما أن الإعفاءات الضريبية لا
تُعَدّ مشجِّعة لصغار المقاولين لخوض
المغامرة الاقتصادية.
وتضطر
الكثير من شركات مسلمي هولندا إلى إعلان
إفلاسها بعد سنة إلى ثلاث سنوات من
تأسيسها؛ بسبب استحقاقات ضريبية عادة
ما تعجز عن سدادها، ولا يخفي عدد من رجال
الأعمال المسلمين تذمرهم، واعتقادهم
بأن هجومات المؤسسة الضريبية ليست
عادلة أو نزيهة في كثير من الأحيان،
وربما تقف وراءها دوافع عنصرية.
الفشل
طريق النجاح
يعبِّر
العديد من الناشطين الاقتصاديين
المسلمين في هولندا سواء أكانوا من
أصحاب المشاريع المستمرة أم تلك التي
اضطرت للانقطاع نتيجة الأسباب آنفة
الذكر عن اعتقادهم بأن اكتساب الخبرة
بالسوق الهولندية لا يزال العائق
الرئيسي أمام الكثير من المبادرات
الاقتصادية، وأن الوقت كفيل بحل الكثير
من مشكلات رجال الأعمال المسلمين؛
فالوجود الإسلامي في هولندا لا يزال
مبتدئًا على كافة المستويات.
ويدعم
أصحاب هذا الرأي قناعتهم بإحصائيات شبه
رسمية من بينها تلك التي نشرها المركز
الإعلامي الإسلامي سنة 1999م، والتي تفيد
بأن 70% من رجال الأعمال المسلمين الذين
أعلنوا إفلاس شركاتهم يعودون إلى السوق
مباشرة بعد انتهاء المدة القانونية
التي تمنعهم من مزاولة النشاط
الاقتصادي، وهي أربع سنوات بحسب
القانون الهولندي الجاري حاليًا.
وتدلل
هذه النسبة -حسب المهتمين بالشأن
الاقتصادي الإسلامي في هولندا- على وجود
وعي لدى رجال الأعمال المسلمين بطبيعة
العملية الاقتصادية؛ باعتبار عنصر
المغامرة الذي تنطوي عليه من جهة، وعنصر
الخبرة الضرورية لاكتساب المهارة
اللازمة في إدارة المشاريع الاقتصادية
من جانب آخر.
وتؤمن
هذه الشريحة من رجال الأعمال المسلمين
بأن السبيل الوحيد أمام الأقلية
المسلمة للنهوض بأوضاعها وبناء مكانة
تليق بها هو الإصرار على البقاء في ساحة
المنافسة، والإيمان بأن "التجارة خير
من الإجارة" كما يؤكد الحديث الشريف؛
فالمسلمون الفقراء عاجزون عن تبليغ أي
رسالة من أي نوع، وليس من خيار لاكتساب
الغنى إلا الانخراط في العملية
الاقتصادية والتجارية، والبحث ربما في
طرق مبتكرة وتعاونية لتنمية رأس المال
الضروري لضمان القدرة على المنافسة.
طموح
يعوزه مقدرات
يشتكي
عدد من الناشطين الاقتصاديين المسلمين
في هولندا من عدم وعي أغلبية المسلمين
بأهمية العامل الاقتصادي في ضمان
مستقبل أفضل لهم ولأبنائهم، ومن ذلك عدم
إقبالهم على الانخراط في المشاريع
التعاونية التي يدعو إليها بين الفينة
والأخرى بعض الطموحين من أبناء الأقلية
المسلمة.
يقول
"علي سلفي" -رجل الأعمال المسلم من
أصل تركي-: "إنه من العيب ألا يكون "السوبر
ماركت" الذي يوجد في قلب حي سكني
تقطنه غالبية من المسلمين مملوكًا
للأقلية المسلمة؛ إذ لو ساهمت كل عائلة
مسلمة بمبلغ لا يتجاوز 500 يورو في السنة،
لأصبح بالمقدور شراء ذلك السوبر ماركت
أو تأسيس واحد جديد من قبل تعاونية
إسلامية".
ويرى
"سلفي" الذي أسَّس شركة تعاونية
قبل خمس سنوات لصناعة الأثاث "أن
الفكر الاقتصادي التعاوني فكر أصيل في
الفقه الإسلامي، والحل التعاوني قادر
على القضاء على مشكلة ضعف رأس المال
الذي تعاني منه التجارب الاقتصادية
الإسلامية في هولندا بشكل خاص، والغرب
عمومًا".
ويلوم
"سلفي" بعض رجال الأعمال المسلمين
من أصول عربية، الذين يفضلون شراء أسهم
من خلال بورصة أمستردام لشركات
هولندية، فيما يحجمون عن دعم مبادرات
رجال الأعمال المسلمين من أبناء
الأقلية المسلمة في هولندا، على الرغم
من أن الوضع الأول لا يمكنهم غالبًا من
أن يكونوا شركاء حقيقيين في الإدارة،
فيما يمنحهم الوضع الثاني امتياز قيادة
الإدارة برمتها.
غير
أن "سلفي" يدعو مع ذلك مسلمي هولندا
إلى الاعتماد على قدراتهم الذاتية،
والسعي إلى تطوير وتجميع هذه القدرات
بدل الاستمرار في توجيه اللوم للأثرياء
المسلمين المستثمرين في السوق
الهولندية دون أن يكونوا مقيمين في
هولندا، أو ترديد نظريات المؤامرة، وبث
دعايات الفشل والإحباط في نفوس من
تحدوهم الرغبة في المحاولة والمغامرة.
اقرأ
أيضًا:
* كاتب وصحفي عربي مقيم في هولندا.
|