 |
|
كيم
إيل
|
لا
تملّ وسائل الإعلام الأمريكية عادة من
الكتابة عن الحالة الكورية الشمالية
واختزالها في لقطتين: الأولى حاكم مطلق
ابن حاكم مطلق يتدخل في كل شيء من السلاح
النووي إلى منهج مادة الرسم في المرحلة
الابتدائية، والثانية شعب مُولع بعبادة
الفرد يرى هذا الحاكم كل شيء في هذا
العالم.
ورغم
صحة ما يكتبه الإعلام الأمريكي نسبيًّا
فإنه يغض الطرف دائمًا عن الحصار الذي
تمارسه الولايات المتحدة ضد كوريا
الشمالية منذ نصف قرن، خاصة أنه لا مثيل
له في بعض الجوانب حتى مع الحالة
العراقية، سواء على مستوى عزل كوريا أو
على مستوى اختزال غذاء إنسانها إلى كوب
أرز يوميًّا، أو على مستوى ضحايا
المجاعة الذين تقدرهم مجلة نيو ليفت
ريفيو في شهر مارس 2003 بأنهم من 2 - إلى 3
ملايين فرد.
ومعرفة
الخبرة الاقتصادية الكورية في مقاومة
الحصار الأمريكي أضحت أمرًا هامًّا حتى
نفهم الموقف الصلب الذي تعلنه كوريا ضد
أمريكا في مسألة السلاح النووي، كذلك
سنحاول فهم "الأيدلوجية الزوتشية"
التي ابتكرتها كوريا لنفسها حتى تقاوم
بها أمريكا، غير أنه قبل ذلك علينا أن
نفهم ما هو هيكل الاقتصاد الذي يعيش من
خلاله الكوريون؟
هيكل
الاقتصاد الكوري
تعتبر
الدوائر الغربية أن الاقتصاد الكوري
الشمالي مثّل في لحظاته النمطية أكثر
الأنظمة الشمولية ميلاً للمركزية. وقد
اعتمد هذا الاقتصاد في الأساس على
الزراعة والغابات والمصايد كمصادر
تقليدية للدخل، غير أن الاقتصاد تطور
باتجاه الصناعة حتى أصحبت نسبتها 42% من
الناتج المحلي الإجمالي طبقًا لأرقام
عام 2001، والنسبة الباقية في الناتج
توزعت بين الزراعة 30% والخدمات 28%.
وتركز
كوريا في صناعتها على الصناعات
العسكرية الثقيلة، وتبلغ نسبتها إلى
الصناعات الأخرى الخفيفة كالغذائية
والمعدنية والمنسوجات 8 إلى 1.
وفيما
يخص الزراعة تصدرت المحاصيل التقليدية
كالأرز والقمح والبطاطس وفول الصويا
القائمة، وحققت نموًّا وصل إلى 2,8% عام
1991، وقد اجتذبت الزراعة حتى
الثمانينيات (طبقًا لأرقام نورث كوريا
ريبورت) 43% من القوى العاملة البالغ
عددها 11.2 مليون فرد.
أما
فيما يتعلق بالتجارة فيقول تقرير
أمريكي مرفوع من لجنة الشئون الخارجية
بالكونجرس أن الصادرات الكورية وصلت
عام 1989 إلى 1.95 مليار دولار، واشتملت على
صناعات عسكرية وزراعية وتعدينية.
وجاء
عام 1990 لكوريا الشمالية شأنها شأن دول
كثيرة بمتوالية كوارث، فقبيل انهيار
الاتحاد السوفيتي مباشرة كان إنتاج
الحبوب الكورية الشمالية يحقق اكتفاء
ذاتيًّا، وفوائض تصديرية واسعة معظمها
يذهب إلى دول المعسكر الاشتراكي.
لكن
بزوال الاتحاد السوفيتي، تدهور النظام
الزراعي الكوري بالكامل وتم تدمير 70% من
محاصيل الحبوب في الفترة ما بين 1990 - 1997،
خصوصًا أن كوريا الشمالية كانت تعتمد
على نظام الزراعة الكثيفة بما يتطلب ذلك
من آلات وكيماويات تستوردها من الخارج.
كذلك هبط إنتاج الفحم بنسبة 6,5% والبترول
5,2%، وتراجعت الصادرات الزراعية بنسبة 25%،
كما أدى تدهور إنتاج الطاقة إلى هبوط
الإنتاج الكلي بنسبة 13,4%.
أمريكا
والحصار
وزاد
من المعاناة الاقتصادية الكورية
استمرار حصار الولايات المتحدة المستمر
منذ نصف قرن، ورغم أن البعض يروج لمقولة
إن السلوك الأمريكي تجاه كوريا كان
هادئًا ومتوازنًا، فالحقائق تقول إن
أبشع حصار مارسته الولايات المتحدة في
تاريخها كانت أرضه الأساسية كوريا
الشمالية، ونذكر هنا محطتين أساسيتين:
1
- إن أول بلد استخدمت فيه واشنطن الأسلحة
البيولوجية والكيماوية ضد البشر
والحيوانات والنباتات وكل أشكال الحياة
كان كوريا عام 1952. وقد وجهت الأمم
المتحدة رسميًّا اتهامًا للولايات
المتحدة بذلك، كما اعترف الطيارون
الأمريكيون الذين كانوا يلقون بأطنان
المواد الكيماوية المخربة للاقتصاد
والحياة بذلك.
2
- إن واشنطن قادت حربًا شرسة لحرمان
الكوريين الشماليين من حقهم الطبيعي
والقانوني والإنساني في الحصول على
تعويضات عن العبودية الجنسية التي تعرض
لها عشرات الآلاف من نسائهم في قضية (نساء
التسلية (comfort women الشهيرة، وهي القضية
التي اختطف فيها الجنود اليابانيون
نساء كوريا وقادوهن ليعشن معهم كسبايا
في المعسكرات يعاشرونهن جنسيًّا تحت
سطوة السلاح، ثم يرمونهن بعد انتهاء
الحرب بأطفالهن غير الشرعيين في
الشوارع.
كان
الموقف الأمريكي من مأساة (نساء التسلية)
غريبًا من جهة لأن إحدى سمات أجواء ما
بعد الحرب الثانية كان التشفي من
المؤسسة العسكرية اليابانية حليفة
الفاشية والنازية، ومن جهة أخرى لأن
اليابان بمباركة المجتمع الدولي ظلت
تدفع منذ عام 1965 وإلى اليوم قرابة 800
مليون دولار لكوريا الجنوبية، ومن ثَم
كان ما ينطبق على الجنوبية -قانونًا-
ينطبق على الشمالية، لكن الولايات
المتحدة اعتبرت حرمان كوريا الشمالية
من هذا الدخل الذي يقدر اليوم بـ 18 مليار
دولار جزءاً من الحصار.
ويعتبر
هذان العنصران أبرز ما في الصورة، لكن
بها عناصر أخرى كثيرة، منها: تقزيم
التجارة الخارجية لكوريا، وقطع الطريق
على أماني الوحدة الكورية؛ خشية أن تنجح
المبادرات الأهلية والشعبية في اختراق
الحصار.
كما
ربطت واشنطن في التسعينيات رفع الحصار
والعقوبات الاقتصادية المفروضة بتركيع
كوريا ودفعها للتوقيع على معاهده إخلاء
كوريا من أسلحة الدمار الشامل. وقد جعلت
واشنطن المادة الثانية في الاتفاقية
المقترحة هي رفع الحصار.
وفي
عام 1997 بدأت واشنطن مرحلة جديدة من
الضغط، فأعلنت ورقيًّا استثناء سلع
معينة من الحصار، ولكن عندما ذهبت شركة
مثل "إيه.تي آند تي" الأمريكية
تكشفت أن هذه التصريحات للاستهلاك،
وأنها لا تستطيع أن تعمل ليس بموانع
سياسية صريحة هذه المرة، وإنما بموانع
بيروقراطية ملتوية من نوع الحصول على
موافقات وزارة التجارة الأمريكية، وغير
ذلك...
آليات
المقاومة
تصدى
الكوريون للحصار الأمريكي بروح
المقاومة الآسيوية وبالإيمان بعدالة
قضيتهم، وحقهم في الحياة، وتبلورت خطوط
هذه المقاومة حول جملة آليات:
1
- عسكرة الذات والصناعة:
لا
يمكن الركون لروح التشهير عند
المشاهدين الغربيين والاكتفاء بالفرجة
على حالة "التجييش" الكورية
والاكتفاء بإدانتها دون تسييقها وفهمها.
فالكوريون -في عز سيادة الأيدلوجيا
الأممية السوفيتية- اخترعوا ما أسموه بـ"الزوتشية"،
وهي أيدلوجيا محلية آسيوية تختلط فيها
الماركسية بالثقافة الكورية الوطنية
والتراثية. وجوهر هذه الفكرة هي
الاعتماد على الذات، والتعامل الخشن مع
الحياة، ومواجهة خطر التربص الخارجي.
ويمكن فهم هذه الروح إذا ما رصدنا الجو
الآسيوي المحيط: المؤسسة العسكرية
اليابانية الباطشة (سابقًا) - المؤسسة
العسكرية الصينية الجارة - الحرب مع
المؤسسة العسكرية الأمريكية المتوحشة
والتناور مع الإمبراطورية السوفيتية
البليدة (سابقًا).
وأيدلوجية
الزوتشية نجحت في إيجاد أجواء لصناعة
عسكرية ناجحة تصدر منتجاتها إلى الدول
الصغيرة التي تسعى للتسلح التقليدي
وغير التقليدي. ويشير معهد الدراسات
الاقتصادية الدولية في واشنطن إلى أن
الصادرات العسكرية الكورية بدأت تنزل
الملعب بشكل مكثف في أوائل الثمانينيات
ووصلت عام 1985 إلى مليار ونصف دولار،
وشملت الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، كما
شملت صواريخ "سكود بي وسي ودي" و"تيورونج
ا و2 و3". وتتوقع تنبؤات معهد الدراسات
الاقتصادية الدولية أن تكون الصادرات
العسكرية قد وصلت إلى أرقام متقدمة
تُعَدّ بالمليارات لتمثل الركيزة
الأولى للاقتصاد الكوري الشمالي الآن.
2
- العلاقة مع الصين
حتى
عام 1994 ظلّ الصينيون في أدبيات الكوريين
الشماليين يُشار إليهم بأنهم "لخونة
الذين باعوا قضية الاشتراكية من أجل
حفنة دولارات" لكن ضغوط الحصار على
كوريا لم تترك مكانًا لترف الاختلافات
الفكرية. وفي عام 1999 قام الرئيس الكوري
بزيارة إلى بكين انتهى فيها البلدان إلى
صيغة حق كل بلد في النظر إلى الاشتراكية
من الوجهة التي يراها. وفي مايو 2000 قام
الرئيس الكوري بزيارة أخرى أشاد فيها
بإصلاحات "لسوق الاشتراكية" ووقعت
الصين وكوريا أربع اتفاقيات تعاون
اقتصادي.
وعلى
الرغم من صعوبة الحصول على أرقام كورية
تتعلق بالدعم الصيني فإن تقريرًا
للمخابرات الكورية الجنوبية نشره "ماركوز
نولاند" المتخصص في الشأن الكوري
حدّد الشركاء الاقتصاديين لكوريا قبل
الأزمة بأنهم: الصين، ثم اليابان، ثم
كوريا الجنوبية، كما يشير تقرير
المخابرات الأمريكية لعام 2002 إلى أن
شركاء كورية التجاريين هم: 38% الصين، 25%
اليابان، 17% كوريا الجنوبية.
3
- لجنة خدمات الأصدقاء الأمريكيين
بالرغم
من الحالة الإسبرطية (الميل للقسوة
الأقرب للتربية العسكرية) التي اختارها
الكوريون الشماليون لأنفسهم، فإنهم
نجحوا مبكرًا في صنع جبهات مقاومة
للحصار، بل ما يشبه "اللوبي" في قلب
المجتمع الأمريكي وفي توقيت مبكر جدًّا.
فقد
نشأت لجنة خدمات الأصدقاء الأمريكيين
في الخمسينيات إبان الحرب الباردة، حيث
لعبت دورًا في العلاج الطبي وإعادة بناء
المنازل المهدمة، وقامت بأدوار إنسانية
في ذروة فترات التوتر السياسي بين
واشنطن وبيونج يانج.
وفي
عام 1999 قررت اللجنة مواجهة كارثة انهيار
الزراعة الكورية الشمالية فأرسلت حوالي
12 مليون طن مساعدات عبارة عن مواد
زراعية وكيماوية، كما استقدمت وفودًا
بحثية زراعية من علماء كوريين إلى
أمريكا والصين وأوروبا لرفع كفاءاتهم.
وانبثق
عن اللجنة منظمة أخرى تهدف للتنسيق
فرعية بين العلماء والفلاحين الكوريين
وزملائهم الأمريكيين، وأرسلت سلالات
أبقار إلى أكاديمية العلوم الزراعية في
بيونج يانج لتحسين الثروة الحيوانية.
كذلك أرسلت اللجنة عام 1997 سلالات زراعية
لمضاعفة إنتاج القمح الذي زُرع وحصد قبل
الأرز، كما أرسلت عام 1999 حوالي 385 ألف طن
كإمدادات غذائية.
4
- متفرقات
علاوة
على هذه الآليات اعتمدت كوريا على
تحويلات كوريي الدياسبورا وعلى برنامج
الغذاء التابع للأمم المتحدة.
هل
تصمد كوريا؟
يتبقى
سؤال أخير: هل تصمد كوريا؟.. تقول
المؤشرات المحيطة بكوريا الشمالية إن
التصعيد الذي تقوم به بيونج يانج مع
أمريكا بخصوص مسألة السلاح النووي مرده
أرضية وطنية وليست أيدلوجية، بمعنى أن
كوريا ترفض التعسف الأمريكي، وإن كان لا
مانع لديها من الانفتاح على الرأسمالية
شرط الحفاظ على الزوتشية، والقائلون
بهذا الرأي لديهم جملة تدليلات، مثل:
-
إن شركة هونداي دخلت بيونج يانج مؤخرًا
لتؤسس واحدًا من أكبر مراكزها.
-
تم افتتاح مشروع "كومجاننج"
السياحي العملاق بعد أن كانت كوريا
تتعامل مع السياحة بوصفها رجسًا
برجوازيًّا.
-
إبرام اتفاقيات صينية كورية بملايين
الدولارات كاستثمارات أجنبية تتمتع
بضمانات وإعفاءات وحقوق تحويل مباشر
وغير ذلك.
-
إعادة تخطيط التجارة الخارجية بحيث
أصبحت تملكها أكثر من 100 شركة في الوقت
الحالي.. اختصار الأمر عند البعض - إن
كوريا الزوتشية لا مانع لديها من أن
تختار الطريق الصيني الذي طوّر نفسه
باتجاه "نظرية السوق الاشتراكي"..
لكن هل ستنجح مثلما نجحت الصين؟.. الأيام
ستقول كلمتها.
اقرأ
أيضًا:
* صحفي
مصري مقيم بالإمارات
|