آثار
عدة ومتشابكة يتوقع أن تلي الانفجارات التي
هزت سيناء للمرة الثالثة، لتضرب مدينة دهب
مساء الإثنين 24 إبريل 2006، لتسفر عن مقتل
وإصابة العشرات، لا سيما أن الرسائل التي
تبعثها تتجاوز مجرد ضرب قطاع السياحة، إلى
الإضرار بالاقتصاد المصري وبالنظام الأمني
والسياسي ككل.
وتبدو
خطورة القصور الأمني في أن السياحة، بل
وعملية جذب الاستثمار لمصر، اتخذت من
الاستقرار رسالة إعلامية للحصول على شريحة من
السياحة والاستثمار الدولي لدفعها للتحول
إلى مصر كمقصد، إلا أن تلك الرسالة الإعلامية
نسفت بتوالي التفجيرات.
ويمكننا
تصور مدى الضرر البالغ الذي سيلحق بالاقتصاد
المصري وخاصة قطاع السياحة إذا علمنا أن
الإقبال السياحي على مصر متأثر هذه الأيام
بسبب انتشار مرض أنفلونزا الطيور، ومن ثم فإن
تفجيرات دهب ستشكل ضربة جديدة موجعة يتلقاها
هذا القطاع الذي يمثل المورد الثاني للعملات
الأجنبية بعد الصادرات السلعية حيث بلغ نصيبه
النسبي من الموارد الأجنبية 18.2% ليحتل المركز
الثاني خلال السنوات الخمس الأخيرة بشكل
مستمر.
قطاعات
أخرى مضارة
وستتجاوز
آثار التفجيرات قطاع السياحة إلى قطاعات أخرى
مرتبطة بعلاقات تشابكية أمامية وخلفية معه،
مثل:
المواد الغذائية والنقل والمفروشات
والمقاولات وغيرها؛ وهو ما سيلقي بظلاله على
أزمات تتزايد أصلا في المجتمع كالبطالة،
وإغلاق كثير من المصانع بالمدن الجديدة
أبوابها، إلى جانب عشرات المصانع التي تعمل
بجزء من طاقتها الإنتاجية وتحجم البنوك منذ 5
سنوات عن تمويلها.
وقد
تمتد التأثيرات إلى الاستثمارات الأجنبية
المباشرة والتي يتم التعويل عليها لاستيعاب
جانب من العمالة، إلى جانب فقد مصر جانبا من
إنفاق المصريين العاملين بالخارج الذين
كانوا يقصدون الأماكن السياحية المصرية
لقضاء إجازات الصيف في دهب وشرم الشيخ
وغيرهما من المدن الساحلية المصرية.
بدائل..
بدائل
إن
هذا التأثير المتوقعة للانفجارات المتتالية
لا بد أن تدفع للتفكير بشكل إستراتيجي في
بدائل مصرية أكثر استقرارا في توليد النقد
الأجنبي من السياحة؛ حتى لا نظل بعد كل حادث
أو انفجار ننتظر التداعيات السلبية المحتملة
على الاقتصاد الوطني.
كما
أن وجود قطاع مستقر سيؤدي لمواجهة العجز الذي
طال ميزان المدفوعات المصري خلال السنوات
السبع الأخيرة باستثناء عام واحد؛ حيث يعاني
الاقتصاد المصري من خلل مزمن بالميزان
التجاري، خاصة مع استيراد الجانب الأكبر من
المواد الغذائية.
وبالإضافة
إلى السياحة، تتحدد موارد النقد الأجنبي لمصر
في قطاعات رئيسة هي:
الصادرات السلعية والبترولية، وتحويلات
المصريين العاملين بالخارج، وقناة السويس،
وخدمات النقل البحري والجوي، والمعونات
الأجنبية، والمنح، والمتحصلات الحكومية،
والاستثمارات الأجنبية سواء على شكل مشروعات
أم الاستثمار بالبورصة.
لكن
معظم تلك الموارد تتأثر أيضا بالظروف
الخارجية، ويلحقها التذبذب نتيجة ذلك؛
فصادرات البترول تتأثر بالأسعار العالمية له،
ومعدل ارتياد السفن لقناة السويس يرتبط
باستقرار وانتعاش التجارة الدولية، وتحويلات
المصريين الذين يعمل معظمهم بالخليج العربي
تتأثر بالاستقرار بتلك المنطقة، كما يرتبط
حجم المعونات الأجنبية التي يتركز معظمها من
الولايات المتحدة الأمريكية بمدى تناغم
السياسة المصرية الداخلية والخارجية مع رؤى
الدول الكبرى.
الصادرات
هي الأمل
إلا
أن هناك عوامل إيجابية يمكن التركيز عليها
لتكون مصدرا أكثر استقرارا للنقد الأجنبي،
وتتمثل في زيادة الصادرات المصرية خلال
السنوات الأخيرة حتى بلغت 6.5 مليارات دولار
خلال العام المالي 2003 -2004 مقابل 3.4 مليارات قبل
6 سنوات، كذلك زادت قيمة صادرات البترول مع
زيادة الأسعار العالمية له لتحقق 3.9 مليارات
دولار مقابل مليار واحد قبل 6 سنوات.
وتعول
مصر على زيادة الموارد الأجنبية من تصدير
الغاز الطبيعي الذي بدأ بخط الغاز العربي إلى
الأردن، وسوف يمتد إلى سوريا ثم إلى تركيا
وأوربا، كما تعول أيضا على تصدير الغاز
المسال إلى أسبانيا، وسيمتد خلال فترة وجيزة
إلى الولايات المتحدة ثم فرنسا.
وما
زالت الجهود مستمرة لتعميق المجرى الملاحي
لقناة السويس لاستيعاب الناقلات العملاقة،
وإن كان لا يزال مطلوبا زيادة استفادتها من
تقديم الخدمات البحرية للسفن العابرة، وعدم
الاكتفاء برسوم العبور فقط.
أما
تحويلات المصريين بالخارج فتعاني من تراجع
معدلاتها في السنوات الأخيرة، حتى بلغت 3
مليارات دولار مقابل 3.8 مليارات قبل 6 سنوات؛
وهو ما يتطلب الاهتمام بتطوير تلك العمالة،
ومساندتها في الولوج إلى أسواق جديدة.
وتسعى
الحكومة لزيادة نصيب مصر من الاستثمارات
الأجنبية المباشرة التي شهدت تراجعا خلال
السنوات الخمس الماضية لتصل إلى 407 ملايين
دولار مقابل 1.7 مليار قبل 6 سنوات من خلال
تخفيف الأعباء الضريبية على المشروعات، لكن
ما زالت هناك عوامل طاردة للاستثمار مثل
البيروقراطية والفساد يجب مواجهتها. أما
استثمارات الأجانب بالبورصة المصرية فقد
حققت عائدا سلبيا خلال عامي 2003 و2004 بلغ 631
مليون دولار، وهي استثمارات قصيرة الأجل
تنتقل ما بين الأسواق الدولية، وما زال حجمها
محدودا.
وشهدت
عوائد ودائع البنوك المصرية بالخارج تراجعا
في حصيلتها لتحقق 485 مليون دولار مقابل 1.9
مليار قبل 6 سنوات؛ بسبب تراجع أرصدة تلك
الودائع وانخفاض أسعار الفائدة، وتحقق
المتحصلات الحكومية المتمثلة في رسوم
الخدمات التي تقدمها القنصليات المصرية
بالخارج مبالغ محدودة بلغت 179 مليون دولار،
ولم تصل إلى الثلاثمائة مليون دولار خلال
السنوات الخمس الأخيرة.
ويبقى
تصدير الخدمات -إلى جانب تصدير السلع- هو
المجال المطلوب التعويل عليه في الفترة
القادمة كمصدر مهم للنقد الأجنبي، خاصة خدمات
التشييد والبناء بالمنطقة العربية
والإفريقية، وخدمات الاتصالات في ظل امتداد
نشاط القطاع الخاص المصري في مجال الاتصالات
إلى عدد من الدول.
وما
زال مجال الخدمات المصرفية بحاجة إلى جهد في
ظل قلة عدد فروع البنوك المصرية بالخارج،
والأمر نفسه لأنشطة الأوراق المالية في
البورصات؛ حيث يمكن استثمار إنشاء البورصة
العربية الموحدة قريبا لزيادة فاعليتها.
إن
المواجهة الفعالة لانفجارات سيناء المتتالية
تتجاوز وضع خطة لإنعاش السياحة إلى التفكير
في بدائل حقيقية حتى لا يرتهن الاقتصاد
المصري بتلك الانفجارات.
اقرأ
أيضا: