|

|
|
المسلمون
في الغرب باتوا يشكلون عددا لا
يستهان به |
شهدت
أوروبا في الأعوام القليلة الماضية
تناميًا واضحا للحركة العنصرية
المعادية للأجانب. ولعبت عوامل
متعددة دورا بارزا في تغذية المشاعر
والحركات العنصرية، ووفرت لها
المبررات السياسية والأيديولوجية
التي تغذي نشاطها المتزايد الذي تنمو
فيه وتترعرع.
فقد
كشفت استطلاعات للرأي ومناسبات
انتخابية عديدة عن تنامي أنصار
الحركات العنصرية في أكثر من بلد
أوروبي. وبالرغم من أن هذه الحركات لم
تصل بعد في العديد من الدول الأوروبية
إلى أن تصبح خطرا داهما، فإن التوقعات
تشير إلى أنه سيكون لهذه الحركات
المتنامية خطر حقيقي في السنين
اللاحقة إذا لم تتخذ الإجراءات
الكافية للوقوف في وجهها.
لقد
صارت عمليات الاعتداء على الأجانب من
الظواهر المميزة للعديد من المدن
الأوروبية. وسجلت العديد من تلك المدن
مواجهات دامية بين الشبان العنصريين
البيض من ناحية وبين الشبان
الآسيويين أو الأفارقة السود أو
الأتراك أو أبناء المغرب العربي من
جهة ثانية. لكن الشرطة وقفت في العديد
من تلك المناسبات إلى جانب العنصريين
البيض، وتصرفت بعقلية عنصرية رغم أنه
يفترض فيها أن تكون حامية للأقليات،
ومتعقبة للجماعات العنصرية التي
تجرمها معظم القوانين الأوروبية.
وكشف
استطلاع للرأي - أجراه مركز "موري"
المتخصص في استطلاعات الرأي قبل
أسابيع في دول أوروبا الغربية - أن 1 من
كل 5 أوروبيين (21 في المائة) يعتبرون
وجود الأجانب وأبناء الأعراق الأخرى
وقضايا الهجرة واللجوء السياسي من
أهم الانشغالات التي تشد اهتمامهم.
وتصدر
هذا الموضوع في الترتيب انشغالات
أخرى لدى الأوروبيين، متقدما على
قضايا الاقتصاد والتربية والصحة.
وبيّن الاستطلاع الذي أجري على 13000
أوروبي، تبين أن موضوع العلاقة مع
الأجانب وقضايا الهجرة واللجوء
السياسي تحتل المرتبة الرابعة من بين
11 مسألة عرضت على الأشخاص المستطلعة
آراؤهم، وجاءت بعد النظام والأمن
وقضية تلوث اللحوم وجنون البقر.
أما
في بريطانيا، فقد كشف الاستطلاع أن
موضوع العلاقة مع الأجانب والأعراق
الأخرى قد احتل فيها المرتبة الرابعة
أيضا في انشغالات البريطانيين، ولكن
بنسبة أقل قليلا من النسبة العامة
لبقية أوروبا (19 في المائة)- غير أنه ظل
متقدما على قضايا التربية والبطالة
والصحة وغيرها من الانشغالات.
الغول
القومي يستشري في بريطانيا
وأثبت
نفس الاستطلاع - في بريطانيا - أن
الأعوام الخمسة الماضية قد شهدت نموا
كبيرا للنزاعات العنصرية وللقلق من
الأجانب لدى البريطانيين. فقد أثبت
استطلاع يتعلق بنفس الموضوع - ولكن
أجري عام 1996 - أن 3 في المائة فقط من
البريطانيين يعتبرون العلاقة مع
الأجانب وقضايا الهجرة واللجوء من
الانشغالات التي تؤرقهم. لكن الرقم
تضاعف أكثر من 6 مرات في 5 أعوام فقط؛
إذ قفز من 3 في المائة عام 1996 إلى 19 في
المائة عام 2001.
كما
أثبتت نتائج الانتخابات البريطانية -
التي جرت يوم 7 حزيران (يونيو) الماضي -
أن أعداد البريطانيين الذين صوتوا
للحزب القومي البريطاني (BNP) قد ارتفعت
هذا العام في بعض المناطق، وخاصة تلك
التي شهدت مواجهات بين العنصريين
البريطانيين والشبان الآسيويين؛
بنسب تتجاوز 16 في المائة من الأصوات
التي حصل عليها الحزب في انتخابات عام
1997. وهي نتيجة تكشف نموا كبيرا جدا في
عدد أنصار الحزب؛ وإن كانت
الانتخابات قد أجريت بعد فترة قليلة
من حدوث اشتباكات مع الآسيويين- وهو
ما من شأنه أن يؤثر على نتائج
الانتخابات لصالح القوى العنصرية.
وبالرغم
من أن أحدا من هؤلاء العنصريين لم يفز
بعضوية البرلمان البريطاني - وهو ما
يعني أن خطر سيطرتهم على موقع التوجيه
والقرار السياسي ما زال بعيدا جدا -
فإن ترتيبهم في بعض المواقع قد جاء
متقدما على مرشحي بعض الأحزاب الكبرى.
لكن
المشكلة أن هذه الجماعات لا يعرف عنها
مراهنتها على تحصيل مقاعد في
البرلمان، من خلال انتخابات نزيهة؛
وهي تلجأ بسبب نتائجها المتواضعة إلى
التأثير على الحياة السياسية، من
خلال تجنيد العشرات من الشباب فيما
يشبه المليشيات والقيام بأعمال عنف
ضد الأجانب؛ ومن ثم التأثير على
سياسات الأحزاب الكبرى التي يتجه
العديد منها نحو اليمين.. أما الأحزاب
اليمينية فتتجه أكثر فأكثر إلى
المزيد من اليمينية التي تلامس
أحيانا لدى بعض قادتها فكر الجماعات
العنصرية المتطرفة.
وكان
حزب المحافظين البريطاني قد اُتّهم
من قبل جماعات يسارية، ومن قبل
مناهضين للحركة العنصرية، بأنه مال
إلى التركيز في الانتخابات الماضية
على قضايا الهجرة واللجوء السياسي من
أجل كسب الأصوات في الانتخابات.
وكان
قد بدر من بعض أقطاب الحزب تصريحات
عنصرية فجّة؛ ولم تتمكن قيادته
الضعيفة من اتخاذ مواقف قوية في
مواجهة دعاة الأفكار العنصرية من
داخل الحزب؛ وهو ما جعل نائبا أسود في
المحافظين يفكر في الانتقال إلى حزب
العمال؛ احتجاجا على السلبية التي
واجهت بها قيادة المحافظين التصريحات
العنصرية الصادرة عن أعضاء قياديين
في الحزب.
الثقافة
والإعلام والبطالة دعمت العنصرية
تلعب
العديد من العوامل السياسية
والثقافية والاجتماعية أدوارا
متباينة الحجم والتأثير في تغذية
الحركة العنصرية في أوروبا. ويمكن أن
نذكر منها العوامل التالية،
باعتبارها العوامل الأكثر تأثيرا في
نمو الحركة العنصرية:
1-
ثقافة التفوق العرقي والفردية
الغربية وتميز الجنس الأبيض. وهي
ثقافة ساهمت مساهمة كبيرة في صناعة
تاريخ أوروبا والغرب الحديثين، وبررت
موجات الاستعمار والهيمنة وتدمير
الشعوب الأخرى في مختلف قارات العالم.
وبالرغم
من تخلي المجتمعات الغربية الحديثة
عن كثير من مسلمات هذه الثقافة - بل
ونمو ثقافة مناهضة للعنصرية فيها -
فإن صورا عديدة من ثقافة التفوق
والتميز لا تزال تعشش في أعماق الوعي
واللاوعي الأوروبي والغربي، فتنتج
أجيالا من العنصريين المتشبعين بنظرة
التفوق والتميز على العالمين.
وبالرغم
من أن العنصرية الأوروبية - في
أشكالها الأكثر وضوحا وفجاجة - قد
انتهت إلى التحطم والانكسار- بانكسار
الحركة النازية والفاشية، وهما
حركتان عنصريتان بامتياز- إلا أن
ثقافة الحلفاء المنتصرة لم تكن بريئة
من لوثة العنصرية، التي تجلّت
ممارساتها البشعة في الدول البعيدة
عن أوروبا في إفريقيا وآسيا وأمريكا
واستراليا.
2-
تزايد فقدان المجتمعات الغربية
لثقتها في نفسها. ومدى ثقة المجتمعات
في نفسها من العوامل البالغة التأثير
في دفع المجتمعات إلى الانفتاح على
الآخر، أو الانكماش في وجهه. فمع
الانكماش الجزئي للنفوذ الأوروبي،
ومع تراجع الإمبراطوريات
الاستعمارية الكبيرة، وتراجع قدرة
المجتمعات الغربية على صناعة
الأيديولوجيات الكبرى - كما كان شأنها
في القرن التاسع عشر وبداية القرن
العشرين - وظهور أقطاب اقتصادية
وسياسية وأيديولوجية وعسكرية في شرق
آسيا في الصين واليابان وفي العالم
الإسلامي منافسة للنفوذ الأوروبي
خاصة والغربي عامة، بدأت المجتمعات
الغربية تشعر بضعف ثقتها في نفسها..
ومن ثم بدأت الحركات العنصرية فيها
تنمو وتترعرع وتحتل المشهد السياسي
في أكثر من بلد أوروبي.
3-
الإعلام الغربي، وهو إعلام يقوم على
ترسيخ صور نمطية عن الذات والآخر:
الذات باعتبارها رمزا للتقدم والنجاح
والتحضر، والآخر باعتباره أقرب إلى
التوحش والبدائية وقلة الحضارة.
وتقوم وسائل الإعلام في معظم الدول
الغربية بالتركيز على العديد من
القضايا التي توقظ المشاعر العنصرية
في الضمير الأوروبي. فتركيز الإعلام
على قضايا اللجوء والهجرة والجماعات
المتطرفة في الغرب، وتصوير المجتمعات
الأصلية للأقليات العرقية والدينية -
التي تعيش في الغرب - باعتبارها
مجتمعات للحروب والتخلف والعنف
والإرهاب، تصنع هالة من التوجس
والخوف والانطواء تجاه الأجنبي "البربري"
أو "المتوحش" القادم إلى قلب
الجنة الغربية من أجل إفسادها
وتدميرها.
وفضلا
عن تركيزها على الجوانب السلبية في
حياة الأجانب والأقليات العرقية التي
تعيش في الغرب، وتهميش صور النجاح
والتميز التي يحققها أبناء الأقليات،
تعمد بعض وسائل الإعلام الغربية
أحيانا إلى تحميل الأجانب مسؤولية
الكوارث أو الأزمات التي تعرفها
بلدانها. ففي بريطانيا، عمدت صحيفة
شعبية - واسعة الانتشار - إلى تحميل
الأجانب مسؤولية مرض الحمى القلاعية
الذي ضرب بريطانيا، وتسبب لها في
خسائر اقتصادية هائلة حين أرجعت وجود
الفيروس إلى أطنان اللحوم التي قالت
إنها تُهرّب من أدغال إفريقيا، وتدخل
بريطانيا دون رقيب- وهي تحمل أصنافا
شتى من الفيروسات والآفات.
وتعتبر
صورة العرب والمسلمين المشوهة -
والمقترنة في الإعلام الغربي بكل ما
هو قبيح وسيئ - أحد أبرز المظاهر على
دور الإعلام والتعليم ومختلف أجهزة
الثقافة الشعبية في إنتاج الكراهية
والحقد على العرب والمسلمين لدى
الغربيين. وهي الظاهرة التي تعرف
اليوم في الدراسات الاجتماعية
الغربية باسم "الاسلاموفوبيا"،
أي الخوف والتخويف من الإسلام،
وتصويره باعتباره بعبعا يهدد الحضارة
الغربية.
4-
انتشار البطالة بين الشبان الغربيين -
الذين يشعرون أن الأجانب "زحفوا"
على دولهم، وصاروا ينافسونهم كيد
عاملة رخيصة. وهذا العامل له أهمية
بارزة. وقد أثبتت استطلاعات الرأي أن
قضايا البطالة من الانشغالات
الرئيسية لدى المواطنين الأوروبيين،
إلا أن هذا العامل يظل عاملا محل جدل
ومقاربات مختلفة. فالأجانب لا يمثلون
منافسا حقيقيا في سوق العمل
الأوروبي، إذ تخضع السوق في أحيان
كثيرة إلى انتخاب غير مصرّح به على
أساس عرقي.
فصاحب
العمل حين يتقدم له شاب من أهل جنسه من
البيض، وشاب آسيوي أو إفريقي أو
مغاربي أو تركي - يتنافسان على منصب
شغل - يفضل بشكل شبه آلي الشاب الأبيض
على الشاب الأجنبي. فلا يحظى
المتنافسان منذ البداية بفرص
متساوية، إلا أن يكون الأجنبي متمتعا
بمزايا استثنائية لا يتوفر عليها
منافسه.
إن
الأيدي العاملة من الأجانب يشتغل
معظمها في المهن الثانوية أو المهن
"القذرة" التي يترفع عنها البيض،
وهو ما يجعل الحديث عن البطالة
باعتبارها سببا من أسباب استفحال
العنصرية مسألة غير دقيقة. فالبطالة
مرتبطة بوضع الاقتصاد الحديث
وتقلباته أكثر مما هي مرتبطة
بالمنافسة الأجنبية الضعيفة.
5-
التصرفات السيئة والمشينة لبعض
الأجانب وأبناء الأقليات العرقية
المقيمة في الغرب: من عنصرية مضادة،
وتورط في شبكات الجريمة والاتجار
بالمخدرات، أو العيش عالة على دافعي
الضرائب الغربيين، إذ يساهم العديد
من الأجانب وأبناء الأقليات العرقية
والدينية في تغذية العنصرية ضدهم بما
يبدر منهم من سلوكيات مشينة مثل
التحايل على القوانين والركون الطوعي
إلى البطالة والعيش على الإعانات
الاجتماعية، أو الانخراط في عصابات
الجريمة المنظمة، أو في جماعات دينية
أو سياسية متطرفة. تلك التصرفات تشعر
المجتمعات الغربية بأنها مهددة في
أمنها وهويتها الثقافية والدينية
والاجتماعية، بما يزيد من تغذية
المخاوف لديها من الأجنبي ومن أبناء
الأقليات.
ويلعب
الإعلام في هذا الصدد - عن قصد أو عن
غير قصد - دورا بارزا في تسليط الأضواء
على تلك الجماعات وتلك السلوكيات
المشينة، ويعمد إلى إبرازها وكأنها
تمثل التيار العام داخل الأقليات.
لقد
كشفت دراسة - أعدت في بريطانيا عن قطاع
الصحة لم تنشرها الحكومة البريطانية
بعد، بالرغم من مرور نحو عام على
استلامها - عن أن أكثر من 50.4 في المائة
من الأطباء والممرضين السود وأبناء
الأقليات العرقية العاملين في قطاع
الصحة البريطاني قد تعرضوا لممارسات
عنصرية من زملائهم، ومن مرضاهم ومن
عامة الناس.
وأثبتت
الدراسة: أن المسؤولين المباشرين على
أولئك الضحايا لم يأخذوا مأخذ الجد
شكاواهم من الممارسات العنصرية - التي
تعرضوا لها - وأن المسؤولين عن قطاع
الصحة لم يأخذوا ما يكفي من الإجراءات
لمواجهة مرض العنصرية العضال الذي
ينوء به هذا القطاع.
وتكشف
هذه الدراسة - في ما تكشف - بطلان تبرير
العنصرية بكسل الأجانب وانحطاطهم
وعيشهم مثل الطفيليات على حساب
الغربيين البيض، كما يصور البعض.
فالنجاح في العمل وربما التفوق فيه،
والعمل في مهن محترمة - مثل مهنة
الطبابة - ليست كافية للنجاة من
العنصرية، ما دام اللون والعرق هو
المحدد في السلوكيات العنصرية، وليس
مدى النجاح الذي يحققه الأجنبي في
البلاد الغربية.
إنه
بالرغم من المسؤولية الأكيدة لعدد من
الأجانب أو أبناء الأقليات في تغذية
العنصرية ضدهم، فإن أسباب العنصرية
عميقة - وليست مجرد رد فعل على سلوكيات
الأجانب ومنافستهم للأوروبيين في
الوظيفة، أو عيشهم على حساب دافعي
الضرائب؛ بل ترجع إلى أسباب أعمق من
هذه الأسباب أو الظواهر التي هي في
الواقع نتائج للعنصرية أكثر من أن
تكون أسبابا لها.
إن
أكثر السلوكيات السيئة الصادرة من
الأجانب يمكن اعتبارها رد فعل على
كيفية تعامل المجتمعات الأوروبية مع
تلك الأقليات. فعمليات التهميش
الاجتماعي والسياسي، وعمليات النبذ
والإقصاء خارج النسق العام - التي
تمارس في أوروبا والغرب عموما ضد
المهاجرين وأبناء الأقليات العرقية
والدينية بشكل منظم أو عفوي - يمكن
اعتبارها من نتائج العنصرية ضد
الأقليات. فالإقصاء والنبذ والعنصرية
هي التي تولد مظاهر التطرف والجريمة
والعنصرية المضادة، ويتولى الإعلام
تضخيمها حتى يؤكد الصور النمطية
السلبية ضد المهاجرين وأبناء الأعراق
الأخرى.
فالعنصرية
المضادة لدى الشباب الأسود والانخراط
في عصابات الجريمة المنظمة هو رد غير
واع أحيانا - وواع أحيانا أخرى - ضد
قرون الاضطهاد والعبودية الراسخة في
أعماق الأجيال السوداء. أما انضواء
عدد من الشباب الآسيوي في بريطانيا،
أو الجزائري في فرنسا، أو التركي في
ألمانيا في الجماعات الإسلامية
المتشددة والتكفيرية، فهو في الواقع -
في كثير من وجوهه - رد فعل على تهميش
هذه المجتمعات لأولئك الشباب، وسد
أبواب الاندماج المهني والوظيفي
والنفسي في داخل بلاد المهجر.
فالشاب
الذي ولد في هذه البلاد، وحصل على
جنسيتها وتربى فيها وعاش معظم عمره
فيها، ولم يعرف له بلدا سواها- يفهم
منه توجهه للتطرف والجريمة والعنصرية
المضادة ضد المجتمعات التي تعمل على
تهميشه وإقصائه. فهو يشعر أن البلد
بلده - ولا بلد له سواه - يسعى للعيش
فيها بشكل طبيعي؛ لكن سعيه ذاك يواجه
بالتهميش والإقصاء والنبذ؛ فلا يجد
سوى التطرف والعنصرية المضادة
والجريمة المنظمة ردا على ذلك.
العنصرية
وسقوط الغرب في امتحان الأخلاق
يزعم
مؤرخو الحضارة الغربية أن هذه
الحضارة هي الحضارة الإنسانية
الوحيدة من بين حضارات العالم
المختلفة، التي نجحت في الخروج من
قوقعتها المغلقة الفكرية
والأيديولوجية، واعترفت بالآخر
حقيقة ووجودا، وأقامت عمادها على
مبدأ النسبية وعدم امتلاك الحقيقة
الكاملة؛ الأمر الذي أتاح لها
الاعتراف بالتنوع والتعدد في السياق
الحضاري الإنساني.
وبالرغم
من أن التاريخ السياسي والعسكري
والثقافي الغربي الحديث قد قام في
الواقع – بعيدا عن التنظيرات الواهمة
والزائفة –على منطق إبادة الآخر
واستئصاله والهيمنة عليه ونهب خيراته
أكثر مما قام على الانفتاح عليه
والحوار والتعايش معه؛ إذ أبادت
الحضارة الغربية في لحظات صعودها
وهيمنتها عشرات الملايين من الهنود
الحمر في القارة الأمريكية، ومثلهم
من السكان الأصليين في قارة استراليا.
وقام
مجد الكثير من المؤسسات المالية
والعسكرية الغربية الجبارة على
استعباد الملايين من الأفارقة
وامتصاص دمائهم، وتحطيم مجتمعاتهم..
بالرغم
من كل ذلك، لم يجد مؤرخو هذه الحضارة
من غضاضة في اعتبارها الحضارة
الإنسانية الوحيدة التي اعترفت
بالآخر وانفتحت عليه. حتى هذا
الانفتاح والاعتراف لم يتجاوز مستوى
الاعتراف بالآخر - في أكثر الأحيان -
باعتباره موضوعا للإبادة والهيمنة
والنهب؛ وهو ما جعل الحضارة الغربية
تقتل في حروبها وغزواتها الاستعمارية
– التي طالت كل نقطة في الكرة الأرضية
من البشر - ربما ما لم يُقتل مثله في كل
الحروب في تاريخ الإنسانية الطويل
الممتد عبر آلاف السنين..
هذا
في الخارج.. أما في الداخل، فقد أثبتت
المجتمعات الغربية عجزها عن الانفتاح
على الآخر الديني والعرقي الذي بين
ظهرانيها؛ وهي اليوم تضيق به وتنوء
ببعض الملايين من السود الذين جلبتهم
عبيدا عملوا في مصانعها ومزارعها
وموانئها، واستغلت طاقتهم في بناء
مؤسساتها، وراكمت بجهودهم ثرواتها
الطائلة. كما هي أيضا تضيق ببعض
الملايين من الآسيويين والمغاربة
والأتراك وغيرهم من العمال – الذين
جلبتهم كأشباه عبيد أو أنصاف عبيد -
أعادوا بناءها بعد ما دمرت ذاتها في
حربين مدمرتين.
وبالرغم
من أن معظم أبناء الأقليات لم يفرضوا
أنفسهم على المجتمعات الغربية، فهم
إما جلبوا إليها بالرغم من أنوفهم
عبيدا قبل قرون، أو جلبوا بتشجيع
وموافقة من الحكومات الغربية التي
كانت تبحث في الأربعينيات
والخمسينيات والستينيات من القرن
الماضي عن اليد العاملة التي تحرك
اقتصادها، وتعيد بناء ما دمرته
حروبها.. فإن هؤلاء "الضيوف" -
وبعد انتهاء الحاجة إليهم - قد صار
وجودهم ثقيلا على قلوب هذه المجتمعات.
إن
المجتمعات الغربية - التي تعاملت
وتتعامل بلا أخلاق مع الأجانب وأبناء
الأقليات لديها -تنظر لهذا "الآخر"
وكأنه مجرد آلة توظف في تشغيل عجلة
الاقتصاد الغربي، حتى إذا انتهت
الحاجة إليها رمي بها كما يرمى بأي
آلة تالفة عسر إصلاحها، أو انتهت
مهمتها.
إن
في رقبة المجتمعات الغربية دينا
كبيرا تجاه السود، الذين جلبتهم
عبيدا واستغلتهم أبشع استغلال. وتقدر
"لجنة تعويضات العالم الإفريقي
واستعادة الحقيقة" أن دين الأفارقة
السود على المجتمعات الغربية يبلغ ما
لا يقل عن 777 تريليون دولار تعويضات عن
الاضطهاد والمعاناة والاستغلال،
الذي تعرضوا له طوال القرون الماضية..
وهي تعتبر هذا التقدير مجرد تقدير
جزافي، لا يرقى بحال من الأحوال إلى
التعويض الحقيقي عن ممارسات حقبة
استنزاف موارد القارة البشرية عبر
خمسة قرون من عمرها، خاصة إذا ما
قورنت تلك التعويضات المطلوبة بما
تطالب به الجماعات اليهودية اليوم
العالم الغربي من تعويضات..
لكن
العالم الغربي - الذي عليه كل هذا
الدين، وهو دين لو أعيد إلى أصحابه
لأفلست معظم المجتمعات الغربية - نراه
اليوم يضيق بمجرد وجوده الأفارقة
السود لديه، وتتنامى في أرجائه
الحركات العنصرية التي تستهدف ترحيل
هؤلاء الأجانب.. بالرغم من أنهم من
مواليد هذه الأرض منذ نحو 5 قرون كاملة.
ويصدق
نفس الشيء على معظم المهاجرين
الآخرين، الذين جاء أكثرهم بعد الحرب
العالمية الثانية، وأعادوا بناء ما
دمرته تلك الحرب.. واليوم يجازون
بالكراهية والتهميش وربما الطرد بنفس
الطريقة، التي يجازى بها الأفارقة
السود الذين تمتلئ بهم السجون
والمعتقلات في معظم العواصم الغربية.
إن
الحركة العنصرية تعكس في الواقع أحط
ما في الضمير الغربي من انتهازية وجشع
و... وتثبت أن المجتمعات الغربية - التي
بنت جنتها على حساب الآخرين وبعرقهم
ودمائهم ودموعهم - لا تعترف بالآخر
ولا تبالي به؛ ولا يمثل لديها سوى
موضوع للاستغلال، ومصدر لرفاهية
الأنا المتضخمة والمريضة بعقد التفوق
على العالمين..
إنها
بقايا الموروث الغربي السحيق
اليوناني واليهودي المسيحي في النظر
للأنا - باعتبارها "شعب الله
المختار" أو العنصر النقي الأقوى
والأصلح للحياة - كما يذهب إلى ذلك
شارل داروين، الذي برر الاستعمار
الغربي لمختلف قارات العالم.. أما
النظر للآخرين، فباعتبارهم "البرابرة"
و"الهمج" أو الكائنات الدنيا
رقيا وتطورا في سلم الحضارة.. وهذا هو
الوجه الأبرز للسقوط الأخلاقي للغرب
كدول ومؤسسات، لا كشعوب أو أفراد.
اقرأ
أيضًا:
|