 |
|
المنظمات الفلسطينية كانت سباقة في الإعداد للمؤتمر |
لم
يكد يُعلن البيان الختامي لمؤتمر
الأمم المتحدة العالمي الثالث
لمكافحة العنصرية، حتى انطلق الترحيب
المعبِّر عن أقصى درجات الارتياح
بصور متعددة من جانب الجهات
الإسرائيلية والأوروبية في الدرجة
الأولى، ووسائل الإعلام الغربية
عمومًا. ولئن تضمَّنت التصريحات
الرسمية لتلك الجهات بعض التحفظات،
فلم يكن مضمونها بقيمة تُذكر؛ وحتى
الموقف الأمريكي الأشدّ حذرًا لم
ينتقد النتائج، بل ركَّز على ما
اعتبره استغلالاً للمؤتمر لأغراض
سياسية.
وبالمقابل،
اقتصرت المواقف الرسمية العربية على
تعابير مطَّاطة غامضة؛ فلم تكن فيها
إشارة واضحة إلى الارتياح أو
الانزعاج تجاه ما أسفرت عنه النتائج.
فكانت الحصيلة تنعكس - على حد تعبير
بعض المعلقين الغربيين - في ظهور نشوة
النجاح على وجوه المشاركين الغربيين،
ونظرة الوجوم على الوجوه العربية..
وهذه حالة باتت للأسف متكررة معتادة
في المؤتمرات الدولية.
إخفاق
ذريع
إن
حصيلة مؤتمر دوربان تمثل إخفاقًا
ذريعًا على المستوى العربي الرسمي -
على طول الخط - سواء في فترة الإعداد
التي ظهر فيها الاستعداد للتراجع
مسبقًا، أو أثناء المفاوضات من خلال
ظهور الانشقاقات في إطار المجموعة
العربية أكثر من مرة وبصورة مخزية، أو
عند الصياغة النهائية للأهداف - وقد
خلت من تحقيق أي هدف للجانب العربي
يستحق الذكر، ويبرّر الاستمرار حتى
مرحلة المشاركة في تبنّي نتائج
المؤتمر. ولم تكن النتائج خالية من
المطالب العربية فقط، بل كانت منحازة
في بعض فقراتها الرئيسية؛ لا سيما على
صعيد القضية المعاصرة الرئيسية التي
طرحت في المؤتمر (إلى جانب قضية
الاسترقاق التاريخية)؛ وهي الأفكار
والممارسات العنصرية الصهيونية.
ويبدو
مغزى الإخفاق الرسمي الذريع وما
يعنيه، عند الإشارة إلى أنّه قد وقع
في مؤتمر دوربان بالذات، أي رغم توفر
أفضل الشروط الممكن توفّرها في ظل
الأوضاع العالمية الراهنة للطرف
العربي والإسلامي للتصرّف من خلال
مؤتمر دولي من هذا القبيل، استنادًا
إلى معطيات جيدة لتلاقي المواقف
العربية والإسلامية والإفريقية على
أرضية صلبة مشتركة والتنسيق بينها؛
وكذلك من خلال الدور الذي لعبته
غالبية المنظمات غير الحكومية، حيث
كان قويًّا بدرجة غير منتظرة.
عوامل
نجاح المنظمات غير الحكومية
من
قبل انعقاد المؤتمر العالمي لمكافحة
العنصرية في دوربان، كان واضحًا أن
المنظمات غير الحكومية يمكن أن تلعب
دورًا مؤثرًا فيه، وهو ما اعتمد على
أسباب عديدة، يمكن إبراز ثلاثة
محاور رئيسية لها:
1
- رصدت الأمم المتحدة والدول الرئيسية
صانعة القرار فيها، أن تحرّك
المنظمات غير الحكومية - في قضايا
البيئة ومكافحة التسلح خلال العقود
الماضية، ثم في مناهضة العولمة
حديثًا - قد بدأ يترك أثره الفعَّال في
صناعة الرأي العام العالمي، وفي
صناعة القرار أيضًا رغم استمرار
تغلُّب مفعول لغة المصالح المادية
عليه. وهذا ما استدعى من القائمين على
تنظيم المؤتمرات العالمية الشاملة
تكثيف مستوى الاتصالات والتعاون مع
ممثلي المنظمات غير الحكومية،
واستدعاءهم إلى المشاركة في وقائع
المؤتمرات أحيانًا، أو إظهار
الاهتمام بما تصل إليه في مؤتمرات
موازية، بات انعقادها إلى جانب
المؤتمرات الرسمية أمرًا تقليديًّا.
2
- الموضوع الرئيسي المطروح في دوربان
لمكافحة العنصرية، يقوم بمختلف فروعه
على قضايا الإنسان وكرامته وحقوقه
وحرياته؛ وهي القضايا التي تمثِّل
المبررات الرئيسية لوجود تلك
المنظمات غير الحكومية، والمحرّك
الرئيسي لنشاطاتها.. فكان من غير
المحتمل غيابها، أو ضعف ظهورها من
جهة، أو تجاهل دورها ومواقفها على هذا
الصعيد من جهة أخرى.
3
- القضايا التي استأثرت بالاهتمام -
أكثر من سواها من بين نقاط جدول أعمال
المؤتمر - تميزت بالسخونة، وفي
مقدمتها الممارسات العنصرية ضد
الفلسطينيين. وكانت خلال عام
الانتفاضة الأول موضع المتابعة
المستمرة من جانب تلك المنظمات غير
الحكومية؛ ومن ثَم فلم يكن منتظرًا أن
يتغيب دورها عن أول مؤتمر دولي، لا
يخضع بصورة مباشرة لصانعي القرار
السياسي الدولي.
ومن
تابع الإعداد للمؤتمر، يظهر له أنّ ما
أوصل إلى موقف إيجابي - من جانب غالبية
المنظمات الحكومية العالمية في قضية
الممارسات العنصرية الصهيونية - كان
نتيجة تحرّك المنظمات والمراكز غير
الرسمية، من الأرض الفلسطينية في
الدرجة الأولى؛ إذ عملت بهدوء لكسب
تأييدها، وعلى مدى عدة أشهر عبر
الاتصالات المباشرة، وتقديم
المعلومات والوثائق، واستدعاء ممثلي
منظمات غير حكومية من بلدان أخرى
للاطلاع المباشر على نوعية الممارسات
الصهيونية في الأرض المحتلة، من عامي
1948م، و1967م على السواء.
وأمكن
بالفعل استقطاب العدد الأكبر من
المنظمات غير الحكومية عالميًّا؛ فلم
يؤثّر انسحابُ المنظمات الغربية
والإسرائيلية من مؤتمرها الموازي
للمؤتمر الحكومي على الموقف الجماعي
الذي اتخذته المنظمات غير الحكومية
في دوربان. وإن كان في الانسحاب ما
يستدعي التساؤل عن مدى "استقلالية"
المنظمات عن السياسات الحكومية، أو
عن مدى قدرتها على تجاوز مفعول
الانتماء الغالب عليها وإن انتشرت
فروعها والعضوية فيها عالميًّا؛
فضلاً عن الخلل الكبير الذي ينكشف في
طبيعة تكوين تلك المنظمات أو طبيعة
تفكير القائمين عليها، عندما يأتي
الانسحاب بعد ظهور أن "الغالبية"
ستصنع قرارًا لا يوافق ما تريده "الأقلية"؛
أي الأقلية من تلك المنظمات الغربية
غير الحكومية التي تكاد في مواقفها
وسياساتها تعتبر نفسها في موضع "احتكار
الدعوة حقوق الإنسان تحت عنوان
الديمقراطية" عالميًّا.
وإذا
كانت الميزة الرئيسـية لتلك المنظمات
ذات الانتمـاء الغربي والبُعْد
العالمي – كمنظمة حقوق الإنسان في
واشنطن، أو العفو الدولية في لندن، أو
مناصرة اللاجئين في برلين - هي أنها
"مستقلة" عن الحكومات، فإن ما
صدر عن بعضها من مواقف وتصريحات عقب
ظهور قرار الغالبية في دوربان، يكشف
بصورة واضحة عن "حدود" ذلك
الاستقلال؛ إذ لا نكاد نجد فارقًا
يستحق الذكر بين مضمون كلام
المتحدثين الرسميين باسم الحكومات
الأمريكية والبريطانية والألمانية
مثلاً، والتصريحات التي أدلت بها
رئيسة مرصد واشنطن ريد برودي، أو
رئيسة منظمة العفو الدولية إيرينة
خان، أو الناطق باسم مناصرة اللاجئين
هايكو كاوفمان.
فقد
كانت التصريحات متطابقة بين بعضها
البعض، ومع التصريحات الحكومية
الرسمية في القول: "إن من يساوي
الصهيونية بالعنصرية يفقد مصداقية
العمل في مكافحة العنصرية"، و"يجب
أن تتوقف هذه اللعبة السياسية على
حساب القضية الأساسية للمؤتمر".
ولا يخفى مدى انطباق تلك التعليلات
على مضمون تبرير الانسحاب الأمريكي
والإسرائيلي من المؤتمر أو تبرير
المواقف المتصلبة للحكومات
الأوروبية وفي مقدمتها حكومة فرنسا -
التي تعتبر نفسها بلد المنشأ لحقوق
الإنسان - على لسان رئيسها جوسبان، في
العمل على تجريد وثائق المؤتمر من كلّ
ما يدين الصهيونية أو ممارساتها
الراهنة في الأرض الفلسطينية.
كيف
نتعامل مع المنظمات غير الحكومية؟
لا
شك في وجود اختلافات جوهرية بين العمل
على المستوى الحكومي عالميًّا،
والعمل على مستوى المنظمات غير
الحكومية. ولكن لا ينبغي التمييز أكثر
مما ينبغي بين الشروط الموضوعية
المطلوبة هنا وهناك، لا سيما إذا كان
لهذا العمل خطوط تتقاطع مع منظمات
غربية المنشأ عالمية النشاط.
ومن
تلك الشروط الموضوعية ما ينبغي أن
يراعي أسلوب التفكير السائد بين
القائمين على النشاطات؛ فهو - بعيدًا
عن منطوق الكلمات والشعارات التي
يمكن رغم تطابقها أن تتباين المفاهيم
من حيث المقصود بها - حصيلة معطيات
وتصورات تاريخية وثقافية متعينة.
ومن
تلك الشروط الموضوعية أيضًا ما يرتبط
بما نرصده على أرض الواقع من اختلاف
المدارس السـلوكية في التعامل مع
القضايا المطروحة ما بين منطقة وأخرى.
والجدير بالتأكيد هنا – على سـبيل
المثال - أنّ لغة المصالح الغالبة على
كيفية صناعة القرار الحكومي في الغرب
(خاصة) تغلب أيضًا على كيفية صناعة
القرار في إطار نشاطات المنظمات غير
الحكومية ذات النشأة الغربية
وعلاقاتها بعضها بعضًا، وبسواها في
أنحاء العالم، وإن اختلفت "ماهية"
تلك المصالح في نهاية المطاف.
ولا
ريب أيضًا في وجود قواسم مشتركة بين
المنظمات غير الحكومية على اختلاف
انتماءات مؤسسيها والناهضين
بأعبائها الرئيسية، وعلى اختلاف
ميادين نشاطاتها. وفي مقدّمة هذه
القواسم المشتركة، أنّها أصبحت - مع
ازدياد رسوخ دعامات عصر العولمة -
أشدّ حاجة إلى التلاقي والعمل
المشترك، إذا كانت حريصة بالمقابل
على بقاء ميزاتها الرئيسية وترسيخها،
أي استقلالها عن الحكومات والقوى
التي تصنع القرارات من خلالها من جهة،
وغلبة البُعْد الإنساني في نشاطاتها
ومواقفها من جهة أخرى.
وننطلق
من الجهود المحدودة نسبيًّا للمنظمات
الفلسطينية خاصة - ولا نغفل هنا عن
مفعول الأحداث الساخنة عبر الانتفاضة
- أنها أوصلت إلى نجاح نسبي في دوربان،
وإن لم تستثمره الحكومات العربية
والإسلامية.. ننطلق من تلك الجهود
للتأكيد على فائدة العمل على مستوى
المنظمات غير الحكومية وجدواه،
وقابليته للتطوير وللتوظيف لتحقيق
أهداف مشروعة أساسية. ولكنّ تجربة
دوربان - وسواها - تؤكّد أيضًا أن
الاستفادة من التعامل مع المنظمات
غير الحكومية على المستوى العالمي
مرهونة بتثبيت منطلقات أساسية
للمنظمات العربية والإسلامية منها،
يصعب من دونها تحقيق النجاح المرجو
بما يتوافق مع الأغراض التي نفترض
أنها تبرر وجودها.
ومن
تلك المنطلقات:
1
- استقلالية التنظيم والتمويل،
وصناعة القرار، والمواقف، والنشاطات
بصورة فعلية لا صورية عن الحكومات
الوطنية.. ولا يعني ذلك بالضرورة
ممارسات المواجهة أو المعارضة، ولكن
لا يعني تجنبها بأي ثمن أيضًا، بل
يمكن القول: إن وقوعها مرجّح بسبب
طبيعة تكوين الأنظمة في المنطقة
العربية والإسلامية حاليًا.
2
- تثبيت الأطر العامة لميادين عمل
المنظمات غير الحكومية، على أساس أن
محورها الرئيسي يتحرك حول الأهداف
المرتبطة بالإنسان وحقوقه، وظروف
معيشته، والبيئة، وما يتبع ذلك،
وجميع ذلك خارج نطاق هدف "تغيير
هياكل السلطات الحكومية".. ولا
علاقة لهذا الشرط بمشروعية هدف
التغيير أو عدم مشروعيته، كذلك لا
يعني مثلاً تجنّب أن تصبّ حصيلة
فعاليات عمل المنظمات غير الحكومية
في إطار هذا الهدف، إنما المقصود هو
تحديد طبيعة عمل تلك المنظمات بأقصى
درجات الوضوح.
3
- إن المواقف والنشاطات والفعاليات
المحلية الوطنية، هي المنطلق والمبرر
الأول لوجود أي منظمة غير حكومية؛
وتحكم مضامينها ميادين عمل كل منظمة
على حدة، ونوعية نشاطاتها، والوقائع
الفعلية ذات العلاقة بها، بغضِّ
النظر عمّا يمكن أن يعنيه ذلك من
موافقة أو معارضة مع السياسات
والممارسات الحكومية.
4
- إن مصداقية المنظمة غير الحكومية في
بلد عربي أو إسلامي مرتبطة ارتباطًا
وثيقًا بالاستقلالية الكاملة
المطلقة عن الدعم المالي من أي مصدر
رسمي أو غير رسمي أجنبي عمومًا، بمعنى
غير عربي أو إسلامي، لا سيما المصادر
الغربية الحكومية وغير الحكومية على
السواء.
5
- إن التواصل والتعاون وتنسيق المواقف
وتصعيد حجم المشاريع والنشاطات
المشتركة، شروط أولية لا غنى عن
تحقيقها، ولا غنى أيضًا عن ترتيبها في
دوائر تنطلق من المستوى الوطني
أولاً، فالعربي ثانيًا، فالإسلامي
ثالثًا، ثم على مستوى ما يوصف بالعالم
الثالث، وأخيرًا على المستوى العالمي.
ومن شأن الخلل في هذا الترتيب، أن
يؤثر سلبيًّا إما على حجم الإنجاز
المطلوب، أو على مدى ارتباطه
بالقاعدة الشعبية التي لا غنى لأي
منظمة غير حكومية عنها.
اقرأ
أيضًا:
|