|
أهمية
المنطقة لدى أمريكا
تضع
الولايات المتحدة المنطقة على قمة
أهدافها الإستراتيجية منذ أمد بعيد.
وقد تزايد هذا الاهتمام كثيرا في
الآونة الأخيرة، ولنتوقف قليلا أمام
المحاور الرئيسية للسياسة الخارجية
الأمريكية التي تقوم على:
أولا:
الحفاظ على الاستقلال والأمن.
ثانيا:
السعي نحو تأمين المصالح الاقتصادية
(خاصة مصالح المجموعات الاقتصادية
ذات النفوذ داخل الولايات المتحدة).
ثالثا:
سياسة المساعدات الاقتصادية ذات
الأهداف المتعلقة بالمصالح السياسية
والاقتصادية والأيديولوجية؛ أي
المصالح المرتبطة بتوسيع الدعاية
السياسية والأيديولوجية الوطنية
داخل الدول الأجنبية من خلال تدعيم
وسائل التبادل الثقافي والعلمي، التي
من شأنه الإسهام في بلوغ الأهداف ذات
العلاقة(5).
ويؤكد
نائب وزير الخارجية الخارجية
الأمريكي السابق ستروب تالبوت - في
خطاب له ضمن أشطة مركز آسيا الوسطى
والقوقاز - أن المحور الثالث يعد
الأبرز في السياسة الأمريكية حيال
المنطقة؛ إذ يقول: "منذ أن تولى
فريق بيل كلينتون – الرئيس الأمريكي
السابق – الإدارة كان خطابه واضحا
إزاء دول المنطقة. فبقدر تقدم تلك
الدول في اتجاه الحريات السياسية
والاقتصادية واتجاه المصالحة
الوطنية والدولية، ستكون الولايات
المتحدة إلى جانبها.
ووفقا
لتالبوت، فإن الإستراتيجية
الأمريكية للتواجد في المنطقة أو
اختراقها والهيمنة عليها تقوم على
الأسس التالية:
1- تطوير الديمقراطية.
2- خلق اقتصاد السوق الحرة.
3- احتضان السلم والتعاون بين دول
المنطقة.
4- إدماج دول المنطقة في منظومة المجتمع
الدولي.
وهي
ترمي - كما نلاحظ - إلى صبغ المنطقة
بالنموذج الأمريكي سياسيا واقتصاديا
وأمنيا؛ ودمجها بالكامل ضمن الأطر
السياسية والاقتصادية وبالتالي
الثقافية الأمريكية، وهو ما يسهّل
قيادها ووضعها في قاطرة التبعية
للهيمنة الأمريكية، بعد أن ينفتح
الطريق على مصراعيه للتدخل الهادئ
والمريح دون ضجيج.
ولم
تتحرك الولايات المتحدة بمفردها في
المنطقة، وإنما حاولت أن تخلق نوعا من
التحالف القوي من الدول ذات الصلة
والمصلحة هناك. فقد أقامت شراكة في
هذا الصدد مع تركيا الطامحة لدور
أكبر، وأخذت الكيان الصهيوني تحت
معطفها وهي تتحرك هناك.
ولهذا
فقد دعمت التطلعات التركية في
المنطقة؛ فساعدت التوجهات التركية
لإقامة استثمارات في كل من أذربيجان
وتركمانستان، كما دعمتها بقوة لمد
جسور ثقافية وبل وإقامة علاقات
اقتصادية وسياسية وثقافية شاملة في
وثيقة مع دول المنطقة ذات العلاقات
التاريخية مع تركيا. وذلك تحت لواء
النموذج العلماني لمقاومة النموذج
الإيراني من جانب؛ وضد المشروع
الإسلامي المتنامي الذي تحمله
الحركات الإسلامية في المنطقة. لكن
التحالف الأمريكي التركي أنتج تحالفا
روسيا إيرانيا على الجانب الآخر؛
ولكل فريق انجذبت دول وسارت حمّى
الصراع على هذا المنوال، لكنه ظل
مكتوما بين الطرفين إلى حين.
وأيا
كان الأمر، فإن الطرف الأمريكي حرص
على ألا يكون الصراع عنيفا، وإنما
فضّل منهج الاحتواء. فروسيا لديهم
تمثل – وفقا لرؤية "أزجينيو
بيرجنسكي" مستشار الأمن القومي
الأمريكي السابق في كتابه "رقعة
الشطرنج الكبرى – والذي يرى فيه
روسيا دولة غير مستقرة سياسيا وتمتلك
في نفس الوقت ترسانة نووية؛ ومن
المحتمل أن تشهد فوضى سياسية قد تؤدي
إلى تهديد أوروبا من انتشار أسلحة
الدمار الشامل.
لهذا
يسير الاتجاه الأمريكي في التعامل مع
روسيا - منذ سقوط الاتحاد السوفييتي -
نحو الاحتواء والمساومة وليس
الاستفزاز والصدام؛ ومظاهر ذلك تتجلى
فيما يلي:
أولا:
عندما تفجرت الحرب الشيشانية-
الروسية الأولى (1994- 1996م)، والحرب
الثانية (1999م والتي ما زالت دائرة حتى
كتابة هذه السطور) حرصت الولايات
المتحدة والغرب عموما على الوقوف إلى
جانب روسيا بالدعم الاقتصادي
والسياسي. فالبيانات الصادرة في
الغرب تؤكد أنه تم تقديم 5.11 مليارات
دولار كمساعدات من الغرب لروسيا، كما
أن مساعدات أكثر كثافة – لم يكشف
النقاب عنها بعد – تم تقديمها لروسيا
في الحرب الدائرة الآن.
لكن
الثابت أن الغرب وقف إلى جوار روسيا –
وما زال. فقد عدّلت منظمة الأمن
والتعاون الأوروبي في مارس 1999م
اتفاقيتها المبرمة عام 1990م والتي
شاركت روسيا في التوقيع عليها - وهي
الاتفاقية التي قضت بالحد من تعداد
القوات الروسية وعتادها في القوقاز-
وجاء التعديل مستجيبا للمطالب
الروسية بحشد المزيد من ترسانتها
الحديثة ورفع عدد قواتها.
وقبل
ذلك بعام واحد ( 1998م) تم تعديل
الاتفاقية المبرمة بين الولايات
المتحدة وروسيا بشأن توزيع القوات
التقليدية – غير النووية – وقد
استجابت التعديلات لمطالب موسكو
بمضاعفة حجم ونوعية وجودها العسكري
في القوقاز.
وظل
الموقف الأمريكي والغربي عموما يضع
ما ترتكبه الآلة الوحشية الروسية في
خانة الشأن الداخلي الروسي الذي لا
يجوز التدخل فيه؛ وهكذا حرصت الإدارة
الأمريكية على تشجيع روسيا ودعمها
للدخول إلى المستنقع الشيشاني مرتين
تحقيقا لهدفين:
1-
كبح جماح الصحوة الإسلامية المتنامية
في الجمهوريات الإسلامية المستقلة
عموما وبينها آسيا الوسطى والقوقاز؛
وهو ما يمثل خطرا على المشروع
الأمريكي الغربي.
2-
إصابة الاقتصاد الروسي بمزيد من
الانهيار في حرب مهلكة تؤدي لا محالة
إلي حالة من الضعف العام داخل روسيا،
وهو ما يفتح – بلا شك – ثغرات واسعة
للاختراق والتمركز الأمريكي في
المنطقة.
ثانيا:
كان الثمن الذي دفعته روسيا نظير هذا
الدعم الغربي لها في الشيشان هو
ترحيبها بالهجمة الاقتصادية من رجال
المال والأعمال والشركات الغربية من
قبل رجال المال والأعمال والشركات
الأمريكية للمنطقة. ولم يكن ذلك ثمنا
لروسيا أو رغما عنها؛ وإنما كان
بترحيب منها، وهي التي تعاني من
الاقتصاد المتدهور يوما بعد يوم.
وقد
حرصت الإدارة الأمريكية ألا يكون
الصراع عنيفا، مفضلة منهج الاحتواء
لروسيا؛ لكنه خرج إلى العلن بعد أن
نضج تحت السطح منذ خمس سنوات. ففي
اجتماع لمجلس الأمن القومي الروسي في
أغسطس 1997م أعلن الرئيس الروسي – في
ذلك الوقت - بوريس يلتسين أن:
"المنطقة ما برحت تنطوي على خطر
الانفجار، وأن هناك عددا من المؤشرات
الجديدة يمكن أن تعوق السلام؛ وأن
منطقة القوقاز تتقاطع فيها مصالح دول
عديدة؛ وأن مواقع روسيا بدأت تضعف".(5)
منذ
ذلك الوقت ولم يكف يلتسين عن التحذير
من خطورة الوضع؛ فقد تساءل: هل أعلنت
واشنطن منطقة القوقاز منطق مصالح
أمريكية؟! وأكد في مقابلة صحفية – قبل
تركه الرئاسة بأيام قائلا: لا يمكننا
التغاضي عن الضجة المثارة في بعض
الدول حول موارد الطاقة في بحر قزوين؛
واعترف: "النفوذ الروسي يضمحل في
المنطقة.. لقد أصبحت سلامتنا على
المحك".
في
هذه الآونة، بدأ الأمريكيون يتحدثون
صراحة عن أن آسيا الوسطي والقوقاز –
وفي القلب منها بحر قزوين – منطقة
لمصالحهم.
ستيفن
كينرز - وهو أحد المتخصصين والباحثين
البارزين الأمريكان - يؤكد: "أن
المنطقة تتحول إلى بؤرة صراع دولي
سيجعل منها من المناطق الساخنة في
العالم؛ وأن الولايات المتحدة تقوم
منذ مدة بحملة قوية غير معلنة تهدف
إلى السيطرة الحاسمة على بحر قزوين،
وكذلك تفعل روسيا وايران وقوى
إقليمية أخرى. هذه المنافسات الشديدة
جعلت من بحر قزوين أحدث ساحة عالمية
لسياسات القوى العظمي.. القادة الروس
شديدو الارتياب بمطامع الولايات
المتحدة في بحر قزوين، ولا ننسى أن
روسيا كانت قد سيطرت على المنطقة خلال
أكثر من قرن، هي حانقة جراء ما تعتبره
حملة عدائية أمريكية لرميها
خارجها".
ويقول
أحد الدبلوماسيين الأمريكيين: "هنا
نثبت أننا ما زلنا القوة البارزة في
المنطقة.. الصين وأوروبا وإيران
وروسيا والآخرون يريدون أن يعرفوا ما
إذا كان في استطاعتهم إخضاعنا.. جميع
أصدقائنا المزعومين وجميع أعدائنا
المزعومين يريدون السيطرة على هذه
المنطقة".(6)
ويلخص
رجل الأعمال والصناعة الأوروبي لكفرد
نوبل - الذي حقق ثروة طائلة من نفط
"قزوين" عبر أذربيجان - المسألة
قائلا: "في هذه المنطقة هناك تشابك
واضح بين النفط والسياسة والدم".
والذي
يبدو أن القوة الزاحفة إلى أفغانستان
تسعى لتتلاحم مع القوة الاقتصادية
الكبيرة التي زحفت قبل عقد من الزمان
إلى آسيا الوسطى وقزوين.. محققة ذلك
التشابه بين النفط والسياسة والدم.
اقرأ
في هذا الموضوع:
المراجع
1-
قفقاسيا
– التاريخ الإسلامي – محمود شاكر.
2-
جورج
طرابيشي – الحياة 18/ 8/1999.
3-
آسيا
الوسطى: الاستقلال والنفط – بيير
شوفمان – بييرجنتيل.
4-
محنة
الشيشان – للكاتب.
5-
المصدر
السابق.
6-
المشاهد
السياسي (285).
اقرأ
أيضًا:
|