 |
|
منذ
نشأت السلطة تغيرت المعادلة
وأصبح الأمن مسئوليتها |
ماجد
أبو دياك: بالنسبة للضربات (إغلاق
المكاتب وملاحقة المقاومة) وتأثيرها
على الوضع الفلسطيني، ولا أقول
المقاومة فقط.. فعندما تقدم السلطة
الفلسطينية على إغلاق المؤسسات
الخيرية والاجتماعية لحركة حماس أو
الجهاد في مناطق الضفة والقطاع، نعلم
أن هذا لا يؤثر على حماس بقدر ما يؤثر
على الشعب الفلسطيني؛ ولذلك فالسلطة
الفلسطينية تقوم من خلال هذه الأعمال
بتدمير البنية التحتية للشعب
الفلسطيني التي تساعده في صموده
ومقاومته للاحتلال. وبالتالي
فالمسألة ليست أن حماس ستتأثر أم لا،
قطعًا أي تنظيم فلسطيني سيتأثر من مثل
هذا الإجراء، ولكن الحقيقة أن الشعب
الفلسطيني هو المتضرِّر بالدرجة
الأولى من هذه الضربات؛ ولذلك
فالإسرائيليون يطالبون بضرب البنية
التحتية، والبنية التحتية ليست لحماس
أو للجهاد أو لأي فصيل مقاوم، وإنما
هي للشعب الفلسطيني. عندما نقول:
"لجنة زكاة" و"نادٍ ثقافي
اجتماعي"؛ فهل هذا بنية لحماس؟!!
نحن نتكلم عن مدرسة وروضة أطفال للشعب
الفلسطيني.
أما
المقاومة فتوقعات الكثيرين ذهبت إلى
أنه بعد قتل "أبو هنود" فإنها
ستتعرض لانهيار كبير، ولكن جاءت
العمليات أقوى مما كان في حين "أبو
هنود"، ثم قيل: إن المقاومة
تلقَّت ضربة شديدة بعد تلك العلميات،
فجاءت العمليات الأخيرة أيضًا قوية
وشديدة. التعبير الذي عبَّرت عنه حركة
حماس في هذه العمليات أن الشعب
الفلسطيني قادر على أن يتجاوز هذه
المرحلة دون انحناء ورضوخ. ومصالح
الشعب الفلسطيني عبَّر عنها مجموع
الشعب الفلسطيني بانتفاضة الأقصى،
وعبَّر عنها بالمقاومة المشروعة.
وإذا
قلنا: إن السلطة الفلسطينية
قرَّرت الانتقال إلى تغليب الطابع
السلمي؛ فالمقاومة هنا طابعها عسكري
أساسًا، ثم بعد ذلك تأتي الجوانب
الأخرى تخدم هذا الأساس. ثم هل يحق
للسلطة الفلسطينية أن تحدِّد وحدها
الانتقال للطابع السلمي؟ هذه السلطة
ليست سلطة تمثل كل أطياف الشعب
الفلسطيني. ثم إن هناك أطيافًا أخرى
أساسية في الشعب الفلسطيني –ومن
ضمنها حركة فتح- مُصِرَّة على
الاستمرار في المقاومة، على الرغم من
بعض المطالبات من بعض الزعماء لحركة
فتح بإيجاد نوع من التهدئة في مرحلة
قصيرة جدًّا، ويتكلمون بها على
استحياء.
جميل
النمري: عندما تقوم حماس بعملية،
وترد إسرائيل بقصف مواقع السلطة لم
تَعُد هذه قضية ضد حماس، والشعب
الفلسطيني بكامله يدفع الثمن! بمعنى
أن القصف الإسرائيلي والحصار
والإغلاق يهمّ عموم الشعب الفلسطيني،
وبالتالي فليس هناك طرف يستطيع أن
ينفرد بالقرار، ولا حتى حماس. ولكن
بالمحصلة يجب أن يكون هناك قرار،
والقرار للمؤسسات الشرعية لما هو
موجود، بغض النظر عن موقفنا:
كيف جاءت هذه السلطة.
ماجد
أبو دياك: أولاً: هذه السلطة ليست
دولة حتى تفرض سلطانها على أحزاب
مختلفة وتجبرها. ثانيًا: هذه
السلطة لم تأتِ نتيجة خيار فلسطيني،
وإنما جاءت نتيجة خيار دولي.
المقاومة
والتقاط المزاج العام
موفق
محادين: حماس لا يمكن وصفها هي أو
الجهاد بأنها مجمعات مسلَّحة سرية
عمياء، وأثبتت التجربة أنها تلتقط
المناخ والمزاج العام في سوريا أو
بيروت أو إيران؛ بمعنى أنها تعمل على
إيقاع معين، ولا تضرب لمجرد الضرب،
ولا أعتقد أن لديها أوهامًا خاصة
بمعركة التحرير خلال فترة قصيرة؛ لأن
معركة التحرير طويلة، وألاحظ في
علميات حماس والجهاد الإسلامي وحزب
الله التقاطًا ذكيًّا، يجعل الناطق
يعلن بقوة مسؤولية جهازه عن العملية
من دمشق -على سبيل المثال-، وهذا يعني
أن سوريا وإيران تؤيدان ذلك، وكذلك
السعودية أحيانًا تنقل بعض هذه
العمليات، ليس على أساس أنها أخبار،
وإنما موقف سياسي واضح. وحماس والجهاد
هما الأكثر توظيفًا للمزاج العام في
الإقليم توظيفًا مشروعًا. وفي سياق
المقاومة هناك محاولة لدمج هذا العمل
السياسي الفلسطيني العسكري مع
البُعْد الإقليمي للصراع.
المقاومة
المسلحة ووجود السلطة لا يستويان
جميل
النمري: لو كانت هذه العمليات في
ظروف غير وجود السلطة الفلسطينية -أي
قبل أوسلو- فإن أي عملية تكون صحيحة
ومناسبة؛ لأن الاحتلال مسؤول أمنيًّا
عن كل الساحة الفلسطينية، ومردود هذه
العملية يأتي فقط على المنفذين؛
بمعنى أن إسرائيل كانت ملزمة أن
تلاحقهم، في السابق لم تكن تستطيع أن
تعتقل واحدًا من حماس، وإنما تلاحق
كتائب القسَّام، بدليل أن حماس واعية
لهذه الموضوع، وتفصل بين الجناح
العسكري والجناح السياسي الذي لا
يتحمل مسؤولية العمليات.
منذ
أن نشأت السلطة الفلسطينية تغيرت
المعادلة، والانتفاضة -وخصوصًا
المسلحة- ووجود السلطة الفلسطينية
معًا لا يستويان، والمعادلة فيها خلل
جوهري؛ فمن اللحظة التي قبلت فيها
السلطة أن تكون مسؤولة عن مناطق
فلسطينية بموجب اتفاق أوسلو، أصبح
العالم يتعامل مع واجباتها تجاه
إسرائيل كأنها دولة، وهي ليست كذلك،
وأي عملية عسكرية تعتبر السلطة
مسؤولة عنها وعن الأمن، ويجب أن تعتقل
المنفِّذين، وقد استغل هذا الواقع
حتى النهاية وأكثر. والنتيجة الآن أن
الشعب الفلسطيني وسلطته ومؤسساته
رهينة عند إسرائيل؛ لذلك فهذا هو
الواقع، وإذا كانت حماس أو أي من
الفصائل يرفض هذا الواقع فهو يجب أن
يرفض وجود السلطة جملة وتفصيلاً؛ أي
أن يرجع إلى مرحلة ما قبل أوسلو.
المطلوب
من التنظيمات الفلسطينية ومن السلطة
جميل
النمري: أرى في هذه المرحلة
التهدئة التامة العسكرية، وإعلاء شأن
النشاط السياسي إلى أعلى مستوياته
والجوانب الإنسانية للمعاناة
الإنسانية. الآن الفلسطينيون يعانون
معاناة هائلة.. والعملية العسكرية لم
توصل رسالة، وستوصل رسالة بأن بن لادن
في فلسطين، ولكن الرسالة الأخرى التي
يجب إيصالها هي الإذلال الذي لا نظير
له في التاريخ على الحواجز.. أن تسير
في مظاهرات لتبرز المعاناة من
الاحتلال.. أهالي الشهداء والأطفال..
القتلى في القصف؛ يعني أن تسلِّط الـ"سي.إن.إن"
الكاميرا على طفلة تبكي أباها
المقتول، رسالة أقوى ألف مرة من
العملية العسكرية في الظرف الراهن.
نحن
بحاجة إلى إعادة تأهيل سياسي في تقديم
الحالة الفلسطينية، وإبراز حقيقة أن
الاحتلال ما زال موجودًا حتى نرجع إلى
المرحلة التي اضطر فيها وزير
الخارجية الأمريكية إلى القول:
إن المشكلة هي في إزالة الاحتلال
وإقامة الدولة الفلسطينية. لا مجال
أمام الفصائل الفلسطينية أن تقوم
بالتصعيد، ولا أعتقد أن هذا الخيار
مطروح، وفات الأوان على عدم القيام
بالاعتقالات، وعمومًا هو حدث عابر
ومؤقت.
أما
المطلوب من السلطة فيجب أن تتنازل حت
الوصول إلى إلى حالة مطبخ سياسي يشارك
فيه الجميع، ويكون بمثابة حكومة الظل
للسلطة الفلسطينية؛ لتقييم الأداء
ومحاولة انتشال الوضع الفلسطيني، ولا
أعني حكومة وحدة فلسطينية رغم تأييدي
لهذه الفكرة قبل ذلك؛ لأن الظرف
الراهن لا يسمح بذلك.
ماجد
أبو دياك: المطلوب من الفصائل
يعتمد على ما تعول عليه؛ فهل تعول على
الولايات المتحدة والاحتلال
الإسرائيلي؟ أم أن التعويل يجب أن
يكون على الوضع العربي والإسلامي؟
أعتقد أن تعويل الفلسطينيين هو على
الوضع العربي والإسلامي. والمطلوب
من الشعب الفلسطيني –وليس من الفصائل-
هو الاستمرار في المقاومة،
والاستمرار في التصعيد، وهذا
الخيار ثمنه نفس الثمن الذي كان الشعب
الفلسطيني يدفعه في السابق؛ فهل
سيُمحى الشعب الفلسطيني من الوجود
نتيجة أحداث 11 أيلول (سبتمبر)
والتصعيد الأخير؟ هل ستكون التداعيات
على القضية الفلسطينية أكبر مما هي
موجودة الآن؟ لا أتصور أن يُفعَل
بالشعب الفلسطيني أسوأ مما فعلوا.
الخيار
المتاح أمام الفلسطينيين هو خيار
التصعيد والمقاومة؛ لأنه أثبت أنه
الخيار الوحيد.. ليس النظري فحسب،
وإنما الخيار العملي الذي أثبت من
خلال الواقع أنه قادر على تحقيق
إنجازات. هناك اختلال في ميزان القوى
بين العرب والإسرائيليين، ولكن هناك
ميزان جديد هو "ميزان الرعب"
الذي يركِّز على عدم قدرة
الإسرائيليين على تحمل الخسائر على
قاعدة ما حدث في لبنان، مع اختلاف بعض
الظروف خاصة أن المستوطنين جاءوا من
أصقاع العالم بحثًا عن الأمن،
وبالضربات العسكرية تتضعضع نظرية
الأمن لديهم وعدم قدرة مشروعهم على
الصمود، وعدم قدرة الإسرائيليين على
الصمود أمام هذه الخسائر، وضرب شارون
للسلطة علامة ضعف، وليس علامة قوة؛
ليعيد السلطة إلى "بيت الطاعة".
بالنسبة
للخيار الفلسطيني.. فالأمل أن يكون
خيارًا مشتركًا وموحدًا، وأن تكون
هناك قاعدة مشتركة بين السلطة
والمقاومة، ولكن علينا ألا نعوِّل
عليه كثيرًا؛ لأنه إذا كانت تجربة
انتفاضة الأقصى بكل ما أفرزته من
نتائج إيجابية لم تنجح في إقناع
السلطة الفلسطينية بالاندماج مع خيار
الشعب الفلسطيني -ولا أقول في خيار
حماس والجهاد-، فكيف يمكن أن تندمج في
هذا الخيار في الوقت الذي تزيد الضغوط
عليها، وتجعل خيار بقائها مرهونًا
بضربها وقمعها للمقاومة الفلسطينية.
لا توجد حتى الآن قاعدة مشتركة
لبرنامج سياسي يمكن أن تجتمع عليه
المقاومة والسلطة، والمطلب أن يبلور
شيء من ذلك، ولكن ليس من خلال التهدئة
الذي أثبت أنه كخيار لم يجلب للشعب
الفلسطيني لا الأمن ولا مكاسبه
وحقوقه.
من
الذي سيقول "آخ" أولاً؟!!
 |
|
من
سيقول "أخ" أولا؟! |
جميل
النمري: جعل خسائر الفلسطينية
والخسائر الإسرائيلية في ميزان
والتعويل عليها، يجب أن يرتبط بأهداف
سياسية محددة؛ بمعنى يجب أن يكون هناك
أفق سياسي إذا كانت المقاومة تستهدف
أن تجعل خسائر الإسرائيليين ترغمهم
على اللجوء إلى طاولة المفاوضات
والبحث عن حلول فهذا صحيح، ولكن هذا
يفترض أن يقوده بحذر نوع العمل
العسكري؛ فبعض العلميات التي تستهدف
المدنيين يمكن أن تتحول إلى انحياز
شديد نحو الرأي العام الإسرائيلي
يقبل بهذه الخسائر، ولا يتذمر منها،
ويطلب الرد بالمزيد، والعكس صحيح؛
ولذلك فهذه القضية متحركة.
وفي
حالة التحدي بأن ينزل بهم
الفلسطينيون من الخسائر ما يستطيعون،
وينزلون –أي الإسرائيليين-
بالفلسطينيين من الخسائر ما يستطيعون
ضمن لعبة "عض الأصابع"؛ فمن يقول
"آخ" أولاً؟!! ولماذا لا نعتقد أن
الإسرائيليين لا يستطيعون أن يلحقوا
أذى بالشعب الفلسطيني أكثر مما
فعلوا؟!
موفق
محادين: وقف الانتفاضة هو لمصلحة
شارون وإنقاذ له، ومضاعفة العمل
العسكري ستسقط شارون وستفتح لأول مرة
أبوابًا غير مألوفة في تاريخ الصراع
العربي –الإسرائيلي؛ أي أن هزيمة
شارون (ذروة التوظيف الإسرائيلي في
مواجهة الفلسطينيين) ليست كهزيمة
رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق
إيهود باراك، وهذا يقتضي الحديث ليس
عما يكسب ويخسر الشعب الفلسطيني، وينبغي
أن نرى البُعْد الإقليمي وبالتحديد
البعد السوري، مطلوب قدر من التوافق
مع سوريا؛ فإذا اقتضى هذا التوافق
نوعًا من التصعيد فيجب التصعيد، وإذا
اقتضى الانسحاب من العمل العسكري
فليكن، ويجب ضبط إيقاع الحركة
الفلسطينية على إيقاع الحركة
العربية، وهو العنوان المناسب
للمرحلة القادمة. والحلقة
السورية هي الحلقة الوحيدة التي لم
يتم تطويعها، ولا بد أن نرى الصراع
العربي – الإسرائيلي من هذا البُعْد
العربي، وسوريا تتعرض لضغوطات
وابتزازات، ولكن لا يمكن الحصول على
إجماع أوروبي ضدها.
هل
وصم المقاومة بالإرهاب سيفكك
التحالف؟
جميل
النمري: ليس هناك دولة عربية أو
إسلامية تقبل بإطلاق صفة "إرهابي"
على الفصائل الفلسطينية، ولكن يمكن
للأنظمة -بعضها أو معظمها- أن تتماشى
مع قبول توصيف عمليات حماس كإرهاب،
وليس حماس كفصيل سياسي، وعند هذا الحد
يمكن أن ينشأ توافق دولي عربي وإسلامي
وفلسطيني ضد العمليات المسلحة في
المدن.
ولكن
الأجندة الإسرائيلية تريد أن تذهب
أبعد من ذلك، وهو نزع أنياب وأظافر
الحركة الفلسطينية من جذورها وفي
مقدمتها حماس والجهاد، ولكن بعد ذلك
كل الفصائل مستهدفة؛ ولذلك فإطلاق
صفة إرهابي من قبل الولايات المتحدة
على الفصائل الفلسطينية هو من باب
التطاول على حركات التحرر الوطني تحت
هذه الصفة، ومن حيث المبدأ الإرهاب
ليس أقل مشروعية من الاحتلال.
التأثير
على الدعم المادي والمعنوي
ماجد
أبو دياك: في تقديري قد تؤثر هذه
الحملة على بعض الآليات التي يمكن أن
تتفاعل فيها الشعوب العربية مع هذه
القوى، ولكن لن تؤثر قطعًا على
التفاعل، بل بالعكس تفاعل الأمة
العربية والإسلامية مع المقاومة
الفلسطينية ازداد، وارتفعت وتيرته
بشكل كبير في الآونة الأخيرة. وفي
تقديري، حركات المقاومة لن تعدم
الوسائل التي يمكن أن تجد فيها بدائل
في حال أغلقت وسائل معينة، وهي ليست
قضية بسيطة، وإنما معقدة جدًّا ولها
آليات وأشكال مختلفة، ولا يمكن أن
تقطع "الحبل السري" مع حركات
المقاومة، خصوصًا أن المقاومة لا
تربط نفسها بالدعم الرسمي وإنما
بالدعم الشعبي.
والآن
شعور الناس بأن المقاومة تقدم
تضحيات، وأن الشعب تحت الحصار يعطي
دافعًا لمزيد من جرعات التفاعل
والمساعدة، ولا أعتقد أن هناك خوفًا
من تمويل المقاومة. الخوف أن ينحدر
الوضع الفلسطيني إلى حرب أهلية،
والخوف أن يؤدي الخلاف بين السلطة
والمقاومة إلى إضعاف التفاعل المعنوي
والمادي للأمة العربية والإسلامية.

تابع
بقية محاور الندوة
عودة
|