بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

بقية العالم الإسلامي

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


الشيشان.. بين خطة الكنس وتداعيات 11 سبتمبر

31/01/2002م

د. حمزة زوبع*

في منتصف يوليو الماضي كتب سكوت بيترسون -وهو أحد أبرز كتاب صحيفة الكريستيان ساينس مونيتور- مقالاً بعنوان: الممارسات الروسية غير القانونية تصعد حالة الإحباط. في ذلك المقال استشهد الكاتب بعبارة قالتها إحدى الباحثات الروسيات (أوكسانا أتونيكو Oksana Atoneko التي تعمل مديرة للدراسات الروسية بالمعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية IISS بلندن والتي قالت: "لقد وضع بوتين هدفه من الحملة على الشيشان، وهو، باختصار، أن تختفي الشيشان من الصفحات الأولى للصحف". ويبدو أن الحلم الذي كان يسعى بوتين وجنوده إلى تحقيقه لم ير، وربما لن يرى النور، فالأخبار التي تأتينا تترى تشير إلى أن الشيشان كانت -وستظل- جزءاً من صناعة الأخبار، وعنوانًا مهمًّا لنشر الأخبار، وسقوط الطائرة العسكرية التي تحمل أحدَ عشر جنرالاً -من بينهم نائب وزير الداخلية- يوم الأحد 27 يناير 2002م يدلِّل دلالة قاطعة على أن الروس قد فشلوا في تحقيق الهدف.

ورغم محاولات السلطات الروسية نفي أن تكون الطائرة أُسقِطت على أيدي المقاتلين الشيشان، فإن العالم لم يَعُد يصدق الآلة الإعلامية الروسية التي اعتادت التعتيم ونشر الأخبار الكاذبة، والتي عادت إلى نفيها أكثر من مرة بعد تصاعد الضغط الدولي والداخلي ضد سياسة الجنرالات في الشيشان.

الخطة الجديدة.. اكنس - امسح

في بداية العام الماضي وضع الكرملين (الرئاسة) ووزارة الدفاع خطة جديدة للتعامل مع الشيشان أطلق عليها "الكنس أو المسح" (Mopping Up ) وباللغة الروسية (zakhistki ). وتقضي هذه الخطة بقيام قوات الأمن الروسية -التي حلت محل قوات الجيش بعد أن فشلت مهمة الأخير على مدار سنوات الحرب- بتمشيط ومسح القرى والبلديات التي تمثِّل أماكن يشتبه بأن بها مقاتلين والقضاء عليهم في أماكنهم، فلا داعي للاعتقالات في المرحلة الأولى، على أن تقام حواجز تفتيش يتم من خلالها اعتقال كل من يحاول الخروج، وإدخاله ما يعرف بمعسكرات الفرز (filtration camps ) التي تحولت إلى معسكرات تصفية، يتم من خلالها القضاء على من يشتبه في انتمائه للمقاتلين، وإطلاق سراح من تبقى (مقابل رشوة مالية تدفع للجنود والضباط).

ما الذي فعله الروس؟

وفقًا لهذه الخطة، أطلقت يد قوات الأمن بشكل غير مسبوق، فقد اعتبرت قوات الأمن كل شيشاني إرهابيًّا، وأعملت آلة القتل بين المدنيين، واضطر الرئيس بوتين إلى القول: إن هذه العمليات ضد الإرهاب لا يمكن تفادي وقوع ضحايا مدنيين فيها. ومع ازدياد الوضع سوءاً بدأت التقارير تشير إلى الدور الإجرامي لهذه القوات، خصوصًا ما يتعلق بالرشاوى، حيث يدفع المواطن الذي لديه وثائق 200 روبل رشوة حتى يمر، والذي لا يملك وثائق قد يدفع قرابة ألف روبل، إضافة إلى أعمال السلب والنهب، ناهيك عن القتل، وهذا ما دفع "فيكتور كازينوف" موفد الكرملين إلى التصريح في منتصف العام الماضي بقوله: "هناك جرائم ترتكب عند نقاط التفتيش، ويجب أن نعتذر عنها، ونطلب الصفح ممن جرت بحقهم".

وحتى "أحمد قديروف" الممثل الشيشاني للحكومة الروسية، الحاكم الإداري الذي عينه بوتين للشيشان، فيعلق على هذه الحملة بالقول: "لم تجد القوات أسلحة مخبأة، ولم تلق القبض على متمردين، والعمليات الحالية توجه ضد المدنيين". لكن أحدًا في الكرملين لم يستمع إلى قديروف، كما أصمَّت روسيا أذنها عن صرخات جماعات حقوق الإنسان، وأغلقت في وجهها الحدود، ومنعتها من الاقتراب من الواقع المأساوي في الشيشان.

ورغم اعتراف قائد روسي كبير، ولأول مرة في تاريخ الحروب في الشيشان -وهو الكولونيل فلاديمير مولتنيسكوي- بأن جرائم ارتكبت على نطاق واسع عند نقاط التفتيش، فإن وزير الداخلية الروسي اعتبر العمليات -على قسوتها- ضرورية، بل وتمت بصورة قانونية. وساند الكرملين وزير الداخلية عدة مرات: الأولى حين رفض الكرملين طلبًا للبرلمان بفرض حالة الطوارئ على الشيشان، التي تسمح بتطبيق القانون العسكري على أي مخالفات تقع من الجنود والضباط الروس، والثانية حين رفضت السماح للسفير الأمريكي في روسيا بزيارة الإقليم، كما رفضت السماح لمنظمات وجمعيات حقوق الإنسان. والمرة الثالثة حين أوكلت مهمة التعرف على حقيقة الأوضاع من خلال تشكيل لجنة داخلية لحقوق الإنسان، تقدم تقاريرها للرأي العام المحلي والعالمي، ومرة أخيرة حين رفض وزير الدفاع الروسي خطة تقضي بخفض عدد المقاتلين الروس في الشيشان من 80 ألفًا إلى 20 ألفًا.

تصاعد الضغوط الدولية

بعد أن فاحت رائحة الجرائم التي ارتكبت في الشيشان، خشي المسؤولون الروس من أن تتحول القضية إلى قضية عالمية، يمكن بمقتضاها تحويل مرتكبي الجرائم إلى محاكمة شبيهة بتلك التي تقام لميلوسوفيتش ورفاقه. وبعد أن أصبح دور قوات الأمن في الشيشان يتميز بالفوضى واللاقانون -على حد تعبير الصحفية الروسية "أنا بوليتكوفسكايا" من صحيفة "نوفايا جازيت" التي قالت: "لا يوجد أي قرار من أجل تنظيم عمل هذه القوات في الشيشان، ويبدو أن القرار الوحيد الذي اتخذ هو السماح لهذه القوات بفعل أي شيء"‍- بدأت أوروبا في إبداء بعض القلق تجاه ما يحدث، وقال رئيس المجلس الأوروبي اللورد "راسل جونستون" في أعقاب بدء حملة "الكنس": "إن هناك أدلة متصاعدة على تدهور متنام لحقوق الإنسان في الشيشان، وتحديدًا عملية الكنس التي أجريت في قريتي إسينوفسكايا وسيرنوفودسك"، وعليه -ولتفادي تصاعد الضغط الدولي- أعلنت الحكومة الروسية من خلال المدعي العسكري الروسي فتح التحقيق مع سبعين من العسكريين، وانتهى الأمر بإدانة خمسة عشر جنديًّا روسيًّا بتهمة ارتكاب جرائم في الشيشان. كانت هذه المحاكمة -إن صحت تسميتها بذلك- مجرد انحناءة في وجه ريح المعارضة، والإدانة الدولية للممارسات الروسية في الشيشان، لكن ماذا بعد سبتمبر 2001م.

ماذا بعد سبتمبر 2001م؟

كغيرها من دول العالم الموتورة من المسلمين ومن التكتلات الإسلامية، ومن محاولات الانفصال التي يقودها مسلمون أو إسلاميون، بدأت روسيا حملة إعلامية لتوظيف ما حدث في أفغانستان لصالحها، وكانت تصريحات الرئيس الروسي بوتين، التي زايد فيها على تصريحات الرئيس بوش، حين أعلن أن البلدين معًا في وجه "الإرهاب الإسلامي، أو الإرهاب الذي يشجع عليه الإسلام".

ورغم أن بوتين ذهب إلى واشنطن لتهنئة بوش على نجاح الحملة في أفغانستان، فإنه -على ما يبدو- فشل في الحصول على رخصة من الإدارة الأمريكية تخوله فعل أي شيء، بعد أن انكشفت ممارسات الروس في الشيشان، وبات عجزهم واضحًا للعيان.

ومع بداية الحملة الأمريكية على "الإرهاب"، أعلن الروس حملتهم من جديد، وأعادوا خطتهم الجديدة "الكنس"، مع فارق بسيط، هو التمهيد الإعلامي لهذه الحملة، التي اختصرت في عبارة واحدة: "هؤلاء إرهابيون، ونحن في تحالف دولي لمكافحة الإرهاب"، ومزجوها بإجراءات عدة، من بينها إعادة غلق الحدود، ومنع تسريب أخبار عن الحرب في الشيشان، سوى ما يمليه الروس على الإعلام، على حد تعبير أحد الكتاب بموقع "معهد الحرب والسلام" بلندن.

وبدأت الحملة، وفي أوائل شهر يناير 2002، تجاوزت القوات الروسية مرة جديدة كل حدود المعقول، وقامت بقتل المدنيين عند نقاط التفتيش، وفي عدة قرى بمنطقة "أرجون"، وتسببت هذه الجرائم في انتقادات واسعة، جاءت هذه المرة -وعلى غير المتوقع- من الإدارة الأمريكية، وعلى لسان الناطق باسم الخارجية الأمريكية "ريشارد باوتشر" الذي انتقد الاستخدام المفرط للقوة في الشيشان، وانتقد قتل المدنيين هناك.

ورغم أن هذا الانتقاد كان انتقادًا كاريكاتوريًّا، ليس مصحوبًا بأي ردة فعل عملية ضد روسيا، فإن بوتين تعامل مع الانتقادات بطريقة تثير الضحك حين قال: "إن تجربتكم في أفغانستان وتجربتنا في الشيشان تشيران إلى أنه من الصعب الوصول إلى الإرهابيين دون إصابة المدنيين"‍، وكأنه يذكِّر الأمريكيين بما ارتكبوه في أفغانستان من جرائم ضد المدنيين.

الماكينة الإعلامية الروسية

نجحت الماكينة الإعلامية الروسية خلال عام 2000م في تشويه صورة الشيشانيين في عيون الرأي العام الروسي، ونجحت بفضل خطتها الإعلامية المحكمة التي تقوم على التعتيم والانتقاء في البث والنشر أن تخفف -إلى حد كبير- من الضغط الداخلي على الكرملين، كما نجحت سياسات الإغلاق في منع وصول الحقيقة إلى الرأي العام العالمي، ونجحت أحداث سبتمبر وما تلاه في تعميق الجرح الشيشاني، وفي تحويل قضية شعب يبحث عن الاستقلال إلى شعب إرهابي بأكمله، وهو الأمر نفسه الذي يحدث مع الفلسطينيين حاليًا.

لكن صمود الشعب الشيشاني وتماسكه، وصمود مقاومته -والأهم من ذلك كله عدم استجابته للصيغة السياسية التي تريد روسيا فرضها- كل ذلك ساهم في إحياء القضية إعلاميًّا مرة أخرى، وهذا يثير سؤالاً مهمًّا حول جدوى المقاومة، والعمليات المسلحة، والنضال الوطني من أجل تحرير الأوطان: هل هو مُجدٍ أم أنه مجرد انتحار كما يرى البعض؟

والحقيقة أن النموذج الشيشاني يحمل إجابة شافية على أنه لولا هذا النضال لكانت قضية الشيشان عنوانًا كبيرًا في الصفحة الأخيرة –صفحة الوفيات- بدلاً من بقائها عنوانًا –ولو صغيرًا- على الصفحات الأولى. الحرب ليست عسكرية فقط، بل إعلامية بدرجة عالية، ورغم محدودية الإمكانات فقد بقيت القضية حية.

قبل عام أو أكثر ذكرت في مقال نشر بموقع "إسلام أون لاين.نت" أن تحقيق نصر روسي حاسم في الشيشان أمر صعب للغاية؛ لأن القضية ارتبطت بتاريخ من الكراهية والصراع الثقافي والسياسي الذي لا يمكن للقوة أن تحسمه، ورغم ادعاء روسيا إحراز انتصارات، ورغم قيام بوتين بزيارة الإقليم ومدحه للجنود الروس، وتقليده بعض القادة النياشين والأوسمة، فإن الأيام أثبتت أن هذا النوع من الحروب لا يمكن للغازي أن يستقر منتصرًا، أو بكلمة أخرى: لا يمكنه أن يتمتع بالنصر لمدة طويلة، حتى ولو بقي قرونًا، وهذا ما عبَّر عنه الكاتب الأمريكي "سكوت روبنسون" الذي يكتب لصحيفة يمينية مسيحية هي الكريستيان ساينس مونيتور- في مقال له بعنوان: "التحدي الروسي يتعمق في الشيشان" حيث قال: "من السهل على روسيا أن تعلن انتصارها في الشيشان، لكن الواقع غير ذلك". وفي الوقت الذي يعلن فيه كبار القادة الروس أنه لم يَعُد هناك متمردون، توافينا الأخبار بعكس ذلك، فهناك اشتباكات وعمليات قتالية وضحايا روس، لن يكون آخرهم نائب وزير الداخلية والجنرالات العشرة.


* باحث في الشئون الدولية

اقرأ أيضاً:


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع