 |
|
جوسبان..
الحل هو الدولة العلمانية على
الطريقة الفرنسية |
انطلقت
في فرنسا حمّى الحملة الانتخابية
المتّسمة بشدة الصراع بين العديد من
المرشحين الذين سيخوضون الدورة
الأولى من الانتخابات لرئاسة
الجمهورية في 21 أبريل 2002م.
وتتميز
هذه الحملة بالتركيز على المسألة
الأمنية، في الوقت الذي تم فيه تسجيل
ارتفاع نسبة الجريمة والعنف. ودائمًا
في المسألة الأمنية، فإن أحداث 11
سبتمبر ما زالت ظلالها تخيّم على
العقول، خاصة أن الفرنسيين يعيشون
حالة من الاستنفار الأمني، في ظلِّ ما
يطرح اليوم من مشاريع وإجراءات
لمحاصرة ظاهرة العنف داخليًّا، أو
عبر التعاون الأوروبي في المجال
الأمني، كما تبرز فيها مسألة العلاقة
مع الولايات المتحدة والعالم
الإسلامي. والأهم من ذلك نوعية
التعاطي مع مسلمي فرنسا (خمسة ملايين
مسلم) الذين يزداد وزنهم الانتخابي،
بتزايد من لهم حق الانتخاب من
المتجنسين بالجنسية الفرنسية
والبالغين 18 سنة.
تصوران
متناقضان
وتنقسم
مواقف السياسيين الفرنسيين في
المسألة الأمنية إلى تيارين:
تيار
أقلّي:
يركّز على جوهر الموضوع وأسبابه
العميقة في الهجرة، والمقصود بها
أساسًا أبناء المهاجرين من أصول
إسلامية مغاربية وأفريقية، توجّه لهم
عادة أصابع الاتهام في كلّ القضايا
ذات العلاقة بالعنف في ضواحي المدن
الكبرى وفي المدارس...، ويتبنّى أقصى
اليمين الذي يمثله "جون ماري لوبان"
والمنشق عنه "برينو ميغري" هذا
التوجّه، ويلتقي معهما النائب "فيليب
دي فيليه" الذي دعا في إحدى جلسات
المجلس الوطني (البرلمان) -التي خصّصت
لمناقشة أحداث 11-9 وتداعياتها- إلى
إعادة النظر في السياسة الأوروبية
حول الهجرة واتفاقية شينغن المتعلقة
بحرية التنقل في المجال الأوروبي.
وفي
هذا الصدد، نادى بضرورة الانطلاق
فيما أسماه عملية "الحصاد الأساسي"
في ضواحي المدن، قاصدًا بذلك الحملات
الأمنية المكثفة. كما ساند نظرية
هنتنجتون في وجود صراع حضاري "بين
من يحاربوننا ونحن الذين يجب أن ندافع
عن أنفسنا: إنه الجهاد ضد الحرية
وكلنا معنيون". ويرى أن من خصائص
الأزمة الحالية "أننا لم نَعُد في
منطق الصراع بين كتلتين أو بين
دولتين، الذي يمكن التحكم فيه بالخوف
أو بالعقل"، و"أن سببها لم يَعُد
سياسيًّا فقط، وإنما أيضًا ثقافيًّا
بل ميتافيزيقيا".
أما
التيار الثاني:
الغالب على النخبة السياسية في
فرنسا، فإنّه يحاول التركيز على
معالجة أسباب ظاهرة العنف، مع اختلاف
بين من يغلّب الجانب الوقائي، ومن
يغلّب الجانب الردعي. ويتنافس أصحاب
هذا التيار -الذين ينتمون إلى اتجاهات
سياسية مختلفة: يمين، ويسار، ووسط-
على كسب أصوات أبناء الجالية
المسلمة؛ لأن الصوت المسلم بدأ
يتحوّل تدريجيًّا إلى ورقة انتخابية
مهمة. وتعددت المبادرات والأشكال
والوسائل في هذا الاتجاه، بين زيارة
الجمعيات التي يشرف عليها المسلمون،
وتنظيم لقاءات فكرية وثقافية للحوار،
والتهنئة في المناسبات الدينية،
وإسراع الحكومة في مسار الاستشارة من
أجل إفراز هيئة ممثلة للمسلمين،
وتعدد التصريحات التي تبرّئ الإسلام
من كل صلة بالإرهاب.
استمالة
الجالية المسلمة
في
هذه الجلسة دعا الوزير الأول الفرنسي
ليونال جوسبان (مرشح للرئاسة) إلى
الانسجام الداخلي الذي يقوم على
الاحترام المتبادل. واعتبر أنّ "كل
الأقوال وأنواع السّلوك المناهضة
للإسلام خطيرة وغير مقبولة البتّة".
وقال: "إنّي ألاحظ أن كل السلطات
الدينية في بلادنا بالخصوص، قد ندّدت
بقوّة بالعمليات التفجيرية
وبالمواقف المهدّدة للمسلمين..."،
وأضاف: "أؤكّد علنًا أنه لا يُسمح
في بلدنا بأيّ عمل مناهض للمسلمين.
وكل الأعمال ذات الطابع العنصري
والمعادية للسامية والسلوكيات
الإقصائية يتمّ تتبّع أصحابها".
كما دعا إلى "عدم السقوط في فخ
الإرهابيين بتزكية عمليات خلط خطيرة
وغير قائمة على أسس"، مؤكدًا أنه
"لا يتم اتهام أي شخص عدا من شارك في
الإرهاب أو ساهم في بثّ أيديولوجيات
التعصب الخطيرة".
وحول
النظرة إلى المسلمين، قال: "إذا كان
صحيحًا أن علاقات ربطت في بعض الأحياء
بين بعض الشباب وبعض الأوساط ذات
التوجهات الأصولية، فلا يجب السقوط
في التعميم كما فعل دي فيليه"،
مشيرًا إلى "إلحاح شباب الجالية
المسلمة على عدم الخلط بين الإسلام
والإرهاب". ويرى أن الحل في "العلمانية
على الطريقة الفرنسية". وقد
اعتبر النائب جون فرانسوا ماتّيي
ممثل حزب "الديمقراطية الليبرالية"
معاملة الإسلام كبقية الأديان في
إطار علماني صرف من الخيارات
المستقبلية لفرنسا.
رئيس
الحزب الشيوعي روبار هيو (مرشح
للرئاسة) شدَّد من ناحيته على ضرورة
العدل الاجتماعي والاعتراف بالحقوق
والمواطنة كشرط لتحقيق الأمن. كما
شدَّد الوزير الأول السابق وممثل حزب
"التجمع من أجل الجمهورية"
إدوارد بالادير على ضمان "مساواة
الجميع والاحترام والتقدير لكل من
يقيمون في بلدنا"، بحيث يجب ألا
يشعر أحد بالتهديد بسبب معتقداته، ما
دام يحترم القانون.
وتوقف
وزير الداخلية السابق جون بيار
شوفانمان (مرشح للرئاسة) عند مبادرته
المتعلّقة باستشارة المسلمين في عهده
التي انطلقت في أكتوبر 1999م؛ وتوّجت
بالتوقيع على "إعلان أولي" من
قبل "كل اتجاهات مسلمي فرنسا.. التي
أكدت بصفة علنية تمسكها بحرية
التفكير والدين، وبعلمانية
الجمهورية، وبالمساواة وبمنع أي شكل
للتمييز القائم على الجنس أو الدين أو
الانتماء العرقي".
وهذا
الأمر إيجابي في نظره؛ لأنّه يمثّل
"تشجيعًا للجمهور الإسلامي كله
ليستعيد عادة الاجتهاد، والتأويل غير
الحرفي للنصوص المقدسة، ويقدر على
مواكبة العالم المتطوّر". ومن هذا
المنطلق دعا إلى "مساعدة مسلمي
فرنسا على التنظيم بطريقة مسؤولة،
وأخذ موقعهم على طاولة الجمهورية على
قدم المساواة مع أتباع الديانات
السماوية الثلاث"، والاعتماد على
قيم الجمهورية والمواطنة، وضمان حق
أبناء المهاجرين في العمل في نفس
الظروف التي يتمتع بها بقية الشباب
الفرنسي، مشيرًا إلى أن "مواطنينا
ذوي الانتماء الإسلامي، غير المطبقين
لدينهم في مجموعهم، يشعرون بالقلق"
من تداعيات أحداث 11 سبتمبر.
ودعا
الرئيس الفرنسي السابق "فاليري
جيسكار ديستان" إلى مواصلة اندماج
مسلمي فرنسا "الذين يريدون العيش
سلميًّا في المجتمع الفرنسي"، وفي
نفس الوقت "تذكير الآخرين بشكل
حازم باحترام قاعدة العلمانية التي
تخوّل حرية المعتقد، ولكن تمنع الضغط
الديني على الحياة المدنية
والاجتماعية"، وأضاف: "لا يمكن
البتة قبول مثل هذا الضغط في بلدنا"،
(متناسيًا الضغوط التي تمارس على
مظاهر تطبيق الإسلام في لبس الحجاب
وغيره باسم العلمانية).
رفض
"الصراع الحضاري"
ودعا
ديستان إلى تذكّر العطاء الثقافي
والعلمي للإسلام "بداية من الأرقام
التي نستعملها كل يوم". وقال جون
مارك آيرولت ممثل الحزب الاشتراكي:
"إنّ العالم الإسلامي صديقنا
وشريكنا، وكل من الطرفين استفاد
تاريخه وحضارته من تاريخ وحضارة
الطرف الآخر". ونفى آيرولت وجود
أطماع إمبريالية وأن تكون أحداث 11-9
مقدمة لحرب عالمية ثالثة أو لتغيير
صورة العالم، واعترض على فكرة الصراع
الحضاري، وانتقد برلسكوني، الذي لا
يعبّر في نظره عن الصوت الأوروبي.
وحذّر
ماتيي من "الذين يريدون وضع
الإسلام والغرب وجها لوجه؛ فلا نسقط
في فخهم؛ فهم لا يمثلون الإسلام الذي
يسيئون إليه"، وإلا فستكون "الصدمة
الثقافة كبيرة ونتائجها وخيمة". من
ناحيته، اعترض هيو على التصوّر
الخطير للعلاقات الدولية الذي يقوم
على الأفكار القائلة بالحروب
الصليبية وبالصراع بين الخير والشرّ،
والتي لا يمكنها "إلا أن تجرّ
العالم والحضارة إلى الخلف"، "وإلى
مزيد من العنف"؛ "في الوقت الذي
تحتاج فيه الإنسانية إلى انتصار
القانون على الهمجية، والعدل على
الظلم".
ويرى
أن من يتحدثون عن الصراع الحضاري، وعن
تفوق الحضارة الغربية لا يتحلّون
بالمسؤولية السياسية. ووضع هؤلاء في
خانة الماسكين بالعولمة حيث السوق
والمال هما القيمتان العلويتان. وقال
هيو: "نحن ندعو إلى الحوار وإلى
تساوي كرامة كل البشر وكل الثقافات.
ويجب استنكار كل عمليات الخلط بين
الإسلام والأيديولوجيات الأصولية
الداعية للإرهاب؛ باعتبارها نفيا
لجوهر الإسلام الروحاني والأخلاقي".
ويلتقي
شوفانمان مع هيو في العزف على وتر
الأصولية؛ حيث يعتبر أنّ "الأصولية
الإسلامية لها منطقها الداخلي.. وهي
إحدى التأويلات للإسلام وليست
التأويل الوحيد له، ولا تفضي
بالضرورة وليس في كل الحالات إلى
الإرهاب". ويضيف محللاً: "حاول
الشرق في مواجهته للغرب الإجابة من
محمد علي إلى عبد الناصر من داخل
المنظومة الغربية نفسها. أما
الأصولية فطرحها من طبيعة مغايرة، من
حيث إنها تضع مقابل مظاهر المادية
والإلحاد والفساد المزعومة أو
الصحيحة للغرب، فكرة مجتمع طاهر
تسوده كليا الشريعة الخطية -بعبارة
أخرى الثيوقراطية-. ومنذ جيل يستمد
هذا الطرح نموه من فشل الناصرية
والقومية العربية في مصر والعراق
وفلسطين". ويرى "أن دخول العالم
العربي- الإسلامي إلى الحداثة، أو على
العكس انحداره إلى الأصولية الظلامية
من أكبر التحديات التي نواجهها".
ويسعى
أصحاب هذا الطرح لكسب ذوي الميول
العلمانية في صفوف الجالية المسلمة،
بالإضافة إلى التخويف من أي نشاط
إسلامي لا يقتصر على الجوانب الروحية
والأخلاقية في الإسلام. ويبدو
بالادير أكثر اعتدالاً؛ ذلك أنّ
مقاومة الإرهاب ليست في نظره مقاومة
لأي دين أو عرق أو ثقافة، ولا هي
مقاومة الأغنياء ضد الفقراء، أو
الشمال ضد الجنوب، أو حضارة ضد حضارة
أخرى. "ولا نتردد في القول بأنها
مقاومة من أجل الحضارة نفسها".
إظهار
التعاطف مع المسلمين
واعتبر
هيو أنّ مسؤولية فرنسا وأوروبا جدّ
كبيرة في منع تحوّل معاقبة المجرمين
إلى رد فعل غير مضبوط، وضمان حقوق
الشعب الأفغاني باعتباره "غير شريك
للإرهاب، ولكنه الضحية المأسوية له"،
والمهدد بكارثة حقيقية. ودعا إلى أخذ
مبادرات تجاه بلدان الجنوب وتجاه
العرب والمسلمين من أجل حلّ الصراع
العربي – الإسرائيلي بالخصوص،
وإعادة الحوار الأوروبي – المتوسطي
حول كل القضايا الاجتماعية
والاقتصادية والسياسية والأمنية.
وفي
هذا السياق، شدد ديستان على ضرورة
إقامة دولة فلسطينية؛ معللا ذلك
بأنّه "مهما كان الضعف المتوقع
للهياكل الأولى لهذه الدولة، فإنه من
السهل على أية دولة احترام تعهداتها
ومنع اللجوء إلى العمل الإرهابي أكثر
من أية منظمة سياسية".
وفيما
يتعلق بأفغانستان، أشار الوزير الأول
الفرنسي إلى حضور فرنسا عبر منظماتها
غير الحكومية والمشاركة في إطار
مساعدة أوروبية تقدر بـ27 مليون يورو
لفائدة المدنيين الأفغان، وتقديم
مشروع عمل للمجلس الأوروبي يضمن حق
الشعب الأفغاني في تقرير مصيره،
والمشاركة في الجهد الدولي لإرساء
الحوار بين مكوّنات المجتمع الأفغاني
من أجل مساعدته على تحقيق التصالح
والسلم المدني.
وبذلك،
تكون أحداث 11-9 قد تركت تداعياتها
بصمات على الرأي العام الشعبي
والسياسي، ويتجلى ذلك أساسا في تأثير
هذا الحدث على الحياة السياسية
الفرنسية عموما، وفي توجيه خطاب حملة
الانتخابات، وخصوصا تجاه الجالية
المسلمة وقضايا المسلمين.
اقرأ
أيضاً:
*
صحفي وباحث في الشؤون الدولية
|