 |
|
خطاب..
لماذا يقاتل العرب في القوقاز؟ |
لم
يكتف العرب بالقيام برسالتهم التاريخية
في نشر الدين والدفاع عنه في بلدانهم
فحسب، بل سعوا إلى نشر هذا الدين في
أصقاع مختلفة من الشرق والغرب، ويتخذ
ذلك طرقًا مختلفة ومذاهب متعددة، لعل
أهمها الحوار والإقناع، إلا أنه وفي بعض
الحالات يترك العرب ديارهم ويهاجرون
إلى بلدان إسلامية لا يعرف بعضهم عنها
أكثر من الاسم، ولم ير البعض الآخر لها
خريطة، واستقوا جل معلوماتهم عنها بعد
أن حطت رحالهم أرضها. ومن النماذج
الشهيرة أفغانستان، والبوسنة والهرسك،
والشيشان وداغستان. وإذا كان أسامة بن
لادن أكثر عرب أفغانستان شهرة، فإنك إذا
ما سألت في روسيا عن أشهر عربي فستأتيك
الإجابة: خطّاب.
خطاب..
قصة حياة
رغم
الشهرة الكبيرة التي نالها عبد الرحمن
خطاب في روسيا، ووسط آسيا، والقوقاز،
فإن عمره لا يتجاوز 33 -36 عامًا. وهو ممن
بدءوا رحلة جهادهم عبر المرور بالمحطة
الشهيرة أفغانستان (حيث أصيب عدة مرات
أدت آخرها إلى فقدان عدة أصابع من يده
اليمنى)، وهناك قاتل في صفوف الأفغان
العرب في مطلع الثمانينيات، وعاد منها
إلى موطنه ليهجره لاحقًا إلى الشيشان في
عام 1995. وهناك روايتان حول موطن خطّاب:
الأولى تؤكد أنه من أسرة أردنية.
والثانية تروج للأصل السعودي.
وقد
جذب خطابا إلى الشيشان -حسب رواية خطاب
نفسه- برنامج تليفزيوني عن الجهاد
الشيشاني ضد الروس رأى فيه كيف ينطق
المجاهدون نداء "الله أكبر" بطريقة
مست قلبه، قرر بعدها أن ينضم إلى جوار
إخوان الدين، ويكمل الطريق الذي بدأه في
أفغانستان.
ومنذ
1995 وخطاب ضيف دائم على صفحات الصحف
الروسية – دون إذن منه- يتحدثون عنه وعن
أفكاره "الوهابية" وعلاقاته
بالشيشان والداغستان. حتى جاء منتصف شهر
إبريل وصار خطاب حديث روسيا بأسرها عبر
شريط فيديو عرضه التلفاز الروسي يدعي
مقتله من خلال عملية شديدة الدقة
للمخابرات الروسية تم التحضير لها
عامًا بأكمله انتهت بالقضاء على خطاب
القائد العربي في الشيشان.
هل
مات خطاب؟
عقب
الإعلان عن مقتل خطاب وقعت حرب إعلامية
بين روسيا والمقاتلين الشيشان اتهم
خلالها القادة الشيشانيون –عبر
مواقعهم على الإنترنت- روسيا بتلفيق
مادة الشريط، والقول بأن خطاب لم يُقتل
وأن هذه ليست المرة الأولى التي "تقتل"
فيها روسيا خطّابًا ويعود حيًا رغم أنف
الروس ليقاتلهم مرة أخرى.
وقد
انعكست حالة التضارب وعدم الثقة حتى على
تعليق الرئيس بوتين نفسه الذي قال: "إنه
إذا كان خطاب قد قتل فعلاً فهذه ضربة
أخرى للإرهابيين".
وعلى
الجانب الآخر تم الترويج لمعلومات
هدفها ضرب المقاومة تحدثت عن صفقة بين
موسكو وعناصر قيادية شيشانية لإنهاء
الصراع في الشيشان، مقابل التخلص من
خطاب (سيناريو الاتفاق الأمريكي-الطالباني
لتسليم بن لادن الذي ثبت كذبه). وكما
ضربت قيادة طالبان مثلاً نادراً في عدم
نقض العهود بينها وبين "المجاهدين"
العرب ضربت القيادة الشيشانية مثلاً
آخر يصب في نفس النهر. ومن الآراء التي
ترمي إلى الهدف نفسه ما أعلنته بعض
دوائر المخابرات الروسية من أن قتل خطاب
جاء نتيجة تصفية خلافات في معسكر
المقاتلين المناوئين لوجود خطاب القائد
العربي الأشهر.
ولم
تقدم، حتى الآن، أي معلومات دقيقة عن
عملية قتل خطاب ومنفذيها: هل هم من
العملاء أم نتيجة غارة عسكرية روسية على
معاقل المقاومة؟
أما
المقاتلون الشيشانيون فقد أعلن بعضهم
أن خطابا سينفي ذلك بالرد المباشر،
وتخوفت روسيا من وقوع تفجير هنا أو هناك
يخرج بعده خطاب حيًا عبر وسائل إعلام -غير
حكومية- يعلن عن مسئوليته عن التفجير (كما
كانت الحالة حينما أذيع أكثر من مرة عن
مقتل شامل باساييف)، إلا أنه مر أكثر من
شهر دون أن يأتي الرد الخطّابي، وهو ما
زاد من حالة الاقتناع بصحة الأنباء عن
مقتله.
ولعل
أحد أكثر التحليلات شيوعًا ذلك الذي يرى
أن قصة موت خطّاب ملفقة، ولكن ليس من
الجانب الروسي بل من جانب خطّاب نفسه.
ويبنى الرأي على الافتراض بتسريب
مساعدي خطاب لشريط الفيديو الذي يبين
موته بهدف وقف الحملة الشرسة التي تقوم
بها المخابرات الروسية في البحث عن خطاب
في كل مكان، وهو ما يمكن أن يتيح له فرصة
كبرى للحركة، أو لمغادرة المنطقة (سيناريو
مطاردة بن لادن في القوقاز).
القضاء
على خطاب هل يكون نقطة تحول؟
وبموت
خطّاب –إن صح ذلك– تفقد المقاومة
الشيشانية عقلاً مدبراً أوقع بين الروس
خسائر فادحة. وقد تأتى لخطّاب ذلك
اعتمادًا على مهارته العالية في
التعامل مع المفرقعات والأسلحة الخفيفة
التي اكتسبها في معارك أفغانستان. ومنذ
أن وصل إلى الشيشان في عام 1994/1995 نُصّب
كأحد القادة الميدانيين، وحظي بشهرة
واسعة لتمكنه من تنفيذ عدة ضربات موجعة
للروس كانت أشهرها عملية تفجيرية أسقطت
53 عسكرياً روسياً وأكثر من 100 جريح.
ومن
الأدلة على احتمال تعرض المقاومة لضربة
أساسية بفقدان خطاب أنه ومنذ العام 1998
الذي كان بداية العمل المشترك مع القائد
الشيشاني الشهير شامل باساييف-
والمقاومة الشيشانية تجنى ثمارها في
إيقاع خسائر فادحة في صفوف الجيش الروسي
عبر حرب العصابات. وفي كل عملية كان
يقودها خطاب وشامل باساييف تكون
النتيجة سقوط عشرات من القتلى الروس،
لدرجة أن الإحصاءات الرسمية التي
قدمتها الدولة الروسية نفسها بتاريخ
13-5-2002 تشير إلى أن حصيلة القتلى من
الجانب الروسي خلال الفترة بين أغسطس 1999
وإبريل 2002 – وهي فترة ازدهار نشاط خطاب
–بلغت ما يزيد عن 2400 قتيل وأكثر من 6400
جريح.
وقد
دعّم خطاب وجوده في الشيشان وداغستان
بتزوجه من داغستانية أنجب منها طفلين.
إضافة إلى إجادته التحدث بالروسية (كان
قد أتقن من قبل الإنجليزية،
والباشتونية والأفغانية والفارسية).
المقاومة
الشيشانية.. نقطة التحول ما زالت بعيدة
انتظرت
المقاومة الشيشانية شهرًا بأكمله وقدمت
ردها، ولم يكن الرد على رواية مقتل
خطاب، كما لم يكن دفاعًا عن نفسها فيما
اتُهمت به من عقد صفقة لتصفية خطّاب، بل
جاء ليؤكد أن نقطة التحول في المقاومة
لم يصل إليها الصراع بمقتل خطاب. وكان
ذلك الرد تفجيراً مدوياً في التاسع من
مايو غطت أصواته على أصوات الاحتفال
بذكرى الانتصار في الحرب العالمية
الثانية التي كانت تعيشها روسيا في تلك
الأثناء. فمع الانشغال بتفجيرات
الألعاب النارية في موسكو كانت هناك
تفجيرات من نوع آخر دوت في مدينة "كاسبيسك"
الساحلية جنوب العاصمة الداغستانية "محا
چقلعة"، شنها مقاتلون شيشان وأسقطت 42
قتيلاً و120 جريحًا.
ويبدو
أن الطريقة التي تمت بها عملية التفجير،
والتوقيت الذي اختير (خلال أهم احتفالات
روسية بالنصر) وحجم القتلى الذي تخلف عن
العملية يعد بمثابة رسالة شديدة اللهجة
إلى الجانب الروسي مفادها أن المقاومة
أكبر من أن تنتهي باختفاء خطاب.
وفي
الوقت الذي كان يحلو للبعض في روسيا أن
يصور القضاء على خطاب وكأنه إسدال
للستار على المقاومة الشيشانية-الداغستانية
في الجنوب، فإن قليلاً من المحللين رأوا
أن خطابا ما زال حيا، تجسّده عشرات
الشخصيات في أفراد المقاومة، وأن
القضاء على خطاب لا يعد حدثًا تاريخيا،
فخطاب ثان وثالث سيظهر ليستمر نزيف الدم
في الجنوب الروسي.
وهكذا
كانت التفجيرات هي واحدة من الرسائل
الهامة التي أرسلتها المقاومة
الشيشانية بلهجة عالية الصوت لمن
اعتقدوا بأن الحرب على الانفصال قد آتت
ثمارها، وأنه قد آن لروسيا أن تنام ملء
جفونها.
موت
خطاب والحرب الشيشانية الثالثة
وعلى
الجانب الآخر يرى بعض كبار القادة في
المخابرات الروسية (المعروفة اختصارًا
باسم إف.إس.ب) أن مثل هذه التفجيرات ما هي
إلا بالونات اختبار لمعرفة مدى استعداد
الجيش الروسي ودرجة تجهيزه وتحركاته
وقواعده في المنطقة لشن حرب جديدة واسعة
المدى في جنوب روسيا. والهدف المعلن
لهذه الحرب هو إعلان استقلال داغستان (برافدا
9/مايو/2002).
ويبدو
أن هذا الرأي لا يقرر حقيقة بقدر ما يشحذ
الهمم الروسية في شمال القوقاز، والسبب
في اعتقادنا هذا أنه لا داعي لحرب
جديدة؛ فالحرب مستمرة منذ أن نشبت في
سبتمبر 1999 –وعرفت بحرب الشيشان الثانية-
وهي تمر بين مد وجزر، وكر وفر. إلا إذا
كان هذا الرأي يروج للفكرة المطروحة في
روسيا والقائلة بأن بوتين قد انتصر في
حربه في الجنوب وحافظ على وحدة روسيا. أو
أن تكون حرب الشيشان الثانية قد أنهت
دورها في مساعدة بوتين للجلوس باتزان
على كرسي رئاسة روسيا، ولا بد لتدعيمه
أكثر من البحث عن حرب جديدة ضمن الحروب
المقدسة التي تضمن البقاء في سدة الحكم.
كما
أنه من غير المنتظر أن يكون الهدف
استقلال داغستان بمفردها، فالصراع في
الجنوب الروسي (شمال القوقاز) لا يصلح
معه الحل الفردي بل تتشابك العلاقات
بحيث نجد أن الحد الأدنى لمسرح العمليات
والانفصال هو ثلاث جمهوريات: أنجوشيتيا-الشيشان-داغستان.
المقاتلون
العرب.. لماذا؟
ومن
المعضلات التي تؤرق فكر المواطن الروسي
هوية المقاتلين العرب، وما الذي يدفعهم
إلى القتال إلى جانب انفصاليين
شيشانيين وداغستانيين في بيئات شديدة
البرد. وقد اعتاد الخطاب الثقافي المحلل
للوجود العربي في الجنوب الروسي على
نعتهم بالمرتزقة، إلا أن نموذج بن لادن-خطاب
ضرب أسس هذا النعت، وصار غير مفهوم
للكثيرين ما دخل هؤلاء العرب الأثرياء
بالحرب في الشيشان وداغستان طالما أنهم
لا يريدون مالاً؟ ويتم طرح هذا السؤال
وفي المخيلة ثبوت وجود جنود روس عملوا
إلى جانب المقاتلين الشيشان كمرتزقة
قاتلوا إخوانهم في القومية والدين،
وعلى الجانب الآخر كان الرئيس عرفات من
أوائل من قدموا التعازي للرئيس بوتين عن
ضحايا التفجير باسمه شخصياً ونيابة عن
الشعب الفلسطيني بأسره (جريدة جازيتا
بتاريخ 11 مايو 2002).
وخلاصة
القول: إن المقاومة التي تتشح بالقومية
وتتسلح بالدين -وهو ما ينطبق على
المقاومة في القوقاز- أكبر من أن تتوقف
لموت قائد أو اختفاء زعيم، فعشرات
الزعماء والقادة ممن مروا على القوقاز
كانوا في طليعة المدافعين عن أرضهم
ودينهم ولم تتوقف حركة المقاومة بتوقف
نبضات قلوبهم، بل إن إعلان الروس قتل 13
ألفا من الشيشان منذ 1999 لم يؤثر على
استمرار النضال الشيشاني.
وربما تؤثر الضربات الروسية على تعثر حركة الجهاد بعض الوقت، وربما تهدأ الحركة في وقت آخر، إلا أنها أبدًا لن تخمد.
اقرأ
أيضاً:
|