 |
|
مأساة العراق.. رؤية روسية |
يقول الأنثروبولوجي الروسي الأشهر جوميلييف: "إن أبرز ما تتسم به الشعوب العربية هو البرجماتية الشديدة". ويبدو أن ما كتبه جوميلييف في الحقبة السوفيتية صار ينطبق حرفيًّا على روسيا المعاصرة. فقد صارت لوحة العلاقات الروسية فسيفسائية تجمع ألواناً متناقضة في علاقاتها بالشرق والغرب.
أما نحن فإلى متى نتناسى -وما أكثر ذلك- أنه لا روسيا، ولا فرنسا، ولا الصين تمانع في ضرب العراق حبًّا في الشعب العراقي، أو تعاطفاً مع حكومته المرفوضة عالميًّا؟ لماذا لا نتذكر أن محرك الدوران في علاقة روسيا بالعراق هو المصالح الاقتصادية والإستراتيجية؟
روسيا
لن تخرج من المولد بلا حمص
يشير
خبراء الاقتصاد الروس -ونقلت عنهم
نيزافيسميا جازيتا بتاريخ 25 يناير 2002-
إلى أن إجمالي التبادل التجاري بين
روسيا والعراق يفوق 30 مليار دولار(نقلت
BBC أن هذا الرقم يناهز 40 مليار دولار).
وتتركز أغلب العقود التجارية بين
البلدين في قطاع النفط والغاز،
والصناعات البتروكيماوية، وشبكة
البنية الأساسية.
وقد
بلغ إجمالي التبادل التجاري في السنوات
الخمس الأخيرة 4 مليارات دولار، 1.4 مليار
دولار منها في 6 أشهر فقط.
ألا
تكفي هذا الأرقام أن تحرك الساكن، وتدفع
الواقف إلى الهرولة طلباً لحماية
العراق؟ وبديهي أن وقوف روسيا في مواجهة
بعض القرارات الأمريكية والبريطانية
يكسبها أولوية في حسابات بغداد
الاقتصادية، حتى لو أطيح بصدام. فسُيذكر
أن روسيا عارضت ضرب العراق. وسيأتي الرد
سريعاً لمكافئة من وقفوا داعمين. ففي
يوليو 2001 أعلن وزير التجارة العراقي
محمد مهدي صالح أن بلاده ستمنح الدول
التي وقفت ضد مشروع العقوبات الذكية على
العراق أولوية تجارية، وأن فرنسا
ستُحرم من تلك الأولوية لتأييدها
المشروع.
ونقلت وكالة الأنباء العراقية عن صالح قوله: إن روسيا في مقدمة الدول التي ستحظى بالأولوية في التعاملات التجارية مع العراق في المرحلة المقبلة، تقديراً لموقفها المساند للعراق. وقد أعطى هذا روسيا أفضلية في استقبال الصادرات النفطية التي يبيعها العراق ضمن برنامج "النفط مقابل الغذاء والدواء".
وعلى
الجانب الآخر، يشيح العراق بوجهه عن
الدول التي تساند الولايات المتحدة،
ومنها أستراليا على سبيل المثال. فقد
أعلن العراق عن تخفيض مشترياته من القمح
الأسترالي إلى النصف، عقاباً على تأييد
أستراليا توجيه "ضربة وقائية" ضد
العراق.
وأغلب
الظن أن روسيا - إذا ما أفلت العراق ورفع
الحظر عنه - مرشحة لأن تقدم مشروع مارشال
إلى هذا البلد المدمر لإعادة بنائه،
وليس من المستبعد أن يكون العراق الجديد
"بعلاقاته غير الأمريكية!!" سوقاً
جديدة لبيع الأسلحة الروسية.
ولكن
ما الذي ستخسره روسيا إذا ما ضرب العراق
وأسقط صدام؟ بالصورة التي تم بها
السيناريو الأفغاني والمتوقع معه "أفغنة
العراق"، فإن العراق الجديد هو عراق
أمريكي بالدرجة الأولى، ومن ثم فإن
مشروع مارشال الآتي ليس روسياً بالطبع.
والعراق ليس فقيراً كأفغانستان، بل
لديه ثروة تُسيل لعاب الكثيرين.
وكما
تم إعمار الكويت بعد الغزو العراقي
بأموال كويتية وبشركات أمريكية، وكما
تم إعادة تسليح الكويت بسلاح أمريكي
وبأموال كويتية، فستكون النتيجة مزيدا
من الاستثمارات الاقتصادية لصالح
الولايات المتحدة. أما روسيا فستخرج من
اللعبة تقلب كفًّا على كف. وإذا كانت
ديون العراق للاتحاد السوفيتي -والتي
تطالب بها روسيا- لم تدفع حتى الآن، فإن
مزيدا من الديون على العراق الأمريكي (المتوقع
تعطيل دفعها) لن تحصل عليها روسيا من
عقودها المبرمة حاليًّا.
وستتحول
التلميحات التي "تعاكس" بها الصحف
الأمريكية الحكومة الروسية إلى مانشتات
رئيسية لإزاحة روسيا عن تسليح العراق
الجديد. فقد ناقش أحد المحللين
السياسيين في صحيفة "جازيتا رو"
خطورة ما تتناقله وسائل الإعلام
الأمريكية من أن العراق نجح في "إخفاء"
أسلحته الكيميائية والبيولوجية
بتكنولوجيا روسية تعي جيداً وسائل
التفتيش الأمريكية؛ بل أثيرت مناقشات
مفادها أن العراق ربما استطاع في فترة
الحظر أن يمتلك قنابل نووية بمساعدة دول
"صديقة". ولعل هذا حلقة في سلسلة
الضغط على روسيا في مساعداتها -المدفوعة
الأجر- للعراق وإيران.
وعلى
الجانب الآخر، فإن هناك مكسبا "مرحليًّا"
وحيدا يمكن أن تكسبه روسيا بضرب العراق؛
وهو ارتفاع أسعار النفط، وزيادة طلب
أوربا على النفط الروسي. هذا إذا ما تحقق
السيناريو القائل بأن صدام سيضطر إلى
هدم المعبد على رؤوس الجميع.. فيهرع مع
الغزو الأمريكي إلى ضرب آبار النفط
السعودية والكويتية، إضافة إلى تعطيل
إنتاج النفط العراقي لفترة ليست قصيرة
بعد الحرب (وغير المستبعد أن تصل نيران
المعركة إلى نفط إيران)؛ مما يؤثر بشكل
محوري على إنتاج وتصدير النفط العالمي.
العراق
الأمريكي والتقهقر الروسي
مسلسل
متتابع من التقهقر الروسي منذ خروج
السوفييت من مصر في بداية عهد السادات
ووقوف سوريا -الحليف على الدوام-
مكبلة بالجولان المحتل، ثم انهيار
البناء السوفيتي، ثم عجز روسيا عن إيجاد
حل لحرب الخليج الثانية؛ ولم تستطع
–وهي تلملم نفسها من الزلزال السوفيتي-
أن تضمن لحليفها في بغداد موقفاً
مشرفاً، ثم فقدان العرب الأمل المعقود على
روسيا في تحقيق توازن يجابه التحيز
الغربي لإسرائيل في حرب إبادة
الفلسطينيين، ثم توسع حلف الناتو بل (والمذهل)
انضمام روسيا إليه لاحقاً، ثم أحداث
سبتمبر وما أفضت إليه من الوجود
الأمريكي على أبواب روسيا.
ومع
الصورة السابقة، كان الوجود الأمريكي
يتزايد يوماً بعد يوم في أهم المواقع
الجغرافية في العالم. وإذا ما راجعْت
معي خريطة المنطقة فستجد: القوات
الأمريكية في الخليج العربي وبعض من
دوله، وفي أفغانستان، وفي باكستان، وفي
آسيا الوسطى، وفي تركيا، وفي القوقاز،
ماذا تبقى إذن؟ العراق وإيران.
العراق "الأمريكي" – بهذا
السيناريو – قاعدة جديدة تزيد من
السيطرة الأمريكية على وسط آسيا؛ وتطوق
وتحاصر النفوذ الجغرافي السياسي لروسيا.
وهكذا فإن تغيير جلد العراق يعني مزيدا
من التقهقر الروسي لصالح الولايات
المتحدة.
وإذا
ما تساءلت عن الأسباب التي تقف وراء سعي
الولايات المتحدة لكسب خطوة العراق
وتوسيع المجال الجغرافي في كل هذه
الجهات، فستجد 4 تفسيرات على الأقل
شديدة الارتباط ببعضها:
1)
ملء الفراغ الذي خلفه تفكك الاتحاد
السوفيتي، وتفويت الفرصة على روسيا
والصين وتركيا وإيران من ممارسة نفوذ
يحد من الحلم "بالهيمنة الأمريكية"
على العالم.
2)
إحكام القبضة على "السلسلة الذهبية"
لإنتاج النفط، وحلقات هذه السلسلة:
الخليج العربي-العراق- بحر قزوين- آسيا
الوسطى (متى سيأتي الدور على إيران؟!).
وهكذا فإن حرب الخليج الثانية حققت
السيطرة على أهم منابع النفط، وسيحقق
القضاء على من تسبب فيها –بعد أن ترك
حرًّا 12 سنة- السيطرة على بترول العراق،
وهى الخطوة التي يؤكد بها الغرب اقترابه
المحكم من الخليج العربي الجديد: بحر
قزوين.
3)
يوماً بعد يوم، يتزايد الاهتمام بمشروع
الجسر البري الأوراسي لربط اقتصاد آسيا
بأوربا وضمان تدفق السلع عبره، والذي
يعرفه البعض بطريق الحرير الجديد. ومن
يسيطر على أفغانستان، والخليج العربي،
والعراق، ودول آسيا الوسطى (وهي أهم
محطات هذا الجسر الاقتصادي) يسهل عليه
كبح جماح القوى الصاعدة الهادفة إلى
الاستفادة من هذا الجسر: الصين، روسيا،
إيران، وتركيا.
4)
ومن زاوية أخرى، هناك توجه غربي لتنمية
دول وسط آسيا ودعمها لمواجهة محاولات
القفز على السلطة من قبل الجماعات
والأحزاب الدينية الأصولية، وما يمكن
أن يسببه ذلك من قلاقل وعداوة مع الغرب.
والعراق محطة لا غنى عنها لتحقيق ذلك (ناهيك
عن إيران!).
رؤية
ضبابية
وعلى
مستوى العلاقات الدبلوماسية، كان "عباس
خلف" سفير العراق في موسكو قد تساءل
في حوار أجرته معه بعض الصحف الروسية في
24 يوليو 2002، : ماذا ستحققه عودة
المفتشين الدوليين إلى العراق؟ فالعراق
-والحديث لسفير العراق- ومنذ 1991 حتى
ديسمبر 1998 استقبل فرق التفتيش الدولية،
ولم يسمع من المجتمع الدولي كلمة
إيجابية واحدة عن تعاون العراق. بل كانت
المكافأة أن قامت الولايات المتحدة
بضرب العراق، بينما هؤلاء المراقبون
على أرض العراق. ويتشكك العراق من هدف
هؤلاء المفتشين الذين قد تكون مهمتهم
جمع معلومات تخدم العدوان الأمريكي
الجديد.
غير
أن أبرز ما يجده القارئ مشوقاً في أفكار
سفير العراق في روسيا، هو أن العراق لا
يخشى التقارب الأمريكي - الروسي، بل
العكس هو يرى أن هذا التقارب يعطي فرصة
ممتازة لكي تجد واشنطن وموسكو لغة
مشتركة تمكنهما من حل مشكلة العراق. وهو
يرى أن موقف روسيا الداعم للعراق كان
صعباً للغاية قبل هذا التقارب.
على
أية حال، يبدو أن أمام روسيا خيارين: إما
أن تمضي، رغم ما تتعرض له من ضغوط غربية
حتى النهاية، تعارض ضرب العراق،
والنتيجة معروفة اهتزاز صورة بوتين في
أعين الغرب. وسيحتاج بوتين إلى جهود
مضنية ليعيد إقناع الغرب بروسيا
الليبرالية الشريكة في صنع النظام
العالمي الجديد؛ والطامحة إلى تحقيق
إنعاش اقتصادي وشراكة مع أوربا.
وإما
أن تبذل روسيا محاولات مكوكية لتبني
الخيار الدبلوماسي الذي يضع شروطاً
مسبقة على النظام العراقي أن ينفذها،
وعلى رأسها الالتزام بقرارات مجلس
الأمن الخاصة بقدرات العراق الحربية.
ويبدو أن جهود روسيا قد آتت ثمارها في
إقناع العراق بدعوة مفتشي الأمم
المتحدة إلى العراق، وهو ما أعلن عنه في
2/8/2002( بعد انقطاع قارب أربع سنوات).
وتفاخرت موسكو بثمرة جهودها، حينما
أعلنت وزارة الخارجية الروسية أن بغداد
خطت هذه الخطوة بعد زيارة قام بها إلى
العراق ألكسندر سلطانوف نائب وزير
الخارجية الروسي إيغور إيفانوف، في
27/7/2002. ورغم ترحيب روسيا بالخطوة،
فإن بريطانيا اعتبرتها مناورة صدامية
جديدة. كما رفضت الأمم المتحدة أن يقدم
العراق شروطاً لعودة المفتشين، علماً
بأن العراق قد أعلن أنه لم يضع شروطاً
ذات قيمة لعودة المفتشين. أما واشنطن
فقالت إنه لا علاقة بين عودة المفتشين
وحتمية تغيير النظام العراقي!!
وفى
الختام، فإن روسيا ستبذل ما في وسعها
-بالطرق السلمية والزيارات الدبلوماسية-
لمنع ضرب العراق لتحقيق منافع متبادلة
لصالحها وللعراق. أما إذا أخفقت، فإنها
على يقين بأن ذلك لن يغضب أصدقاءها، ولن
يعتبر تخلياً عن حليفها. فكثير من الدول
العربية في المشرق العربي ستقف إلى جانب
الولايات المتحدة، أو على الأقل "ستظهر"
أنها تعارض ضرب العراق. وبعد أن سربت
وكالات الأنباء مخططات البنتاجون
القائلة بأن أراضي السعودية والكويت
والأردن -الجيران الجُنب للعراق
– ستكون بوابات الغزو الأمريكي على
العراق.. فهل بعد هذا مطلوب من الروس أن
يكونوا عرباً أكثر من العرب؟
اقرأ
أيضًا:
**مدرس
الجغرافيا بكلية الآداب-جامعة
القاهرة
|