|
بعد
35 عامًا على تأسيس رابطة دول جنوب شرق
آسيا (آسيان) في 8-8-1967 بالعاصمة
التايلاندية بانكوك، تبدو الرابطة -
وبعد الكثير من الإنجازات التي حققتها -
تمر في ذكرى ظهورها، وقد تراجعت أهميتها
وتأثيرها بالنسبة لشعوب دول المنطقة.
فالاجتماع الوزاري الأخير الذي اختتم
في بروناي يوم 1-8-2002 شهد سيطرة قضية
مكافحة ما يُسمى بالإرهاب أو بمعنى فرض
الأجندة الأمريكية، وإغفال الهموم
الحقيقية لشعوب أكثر من 500 مليون نسمة
الذين لم يروا في قرارات وبيانات
الاجتماع ما يثلج صدورهم.
لن
نطيل في جرد إنجازات رابطة آسيان خلال
أول ثلاثين عاما من وجودها؛ فقد اعتبرت
من قبل المراقبين -خلال تلك الفترة- أنجح
منظمة إقليمية لدول نامية؛ مقتبسة ذلك
من النجاح الاقتصادي والاستقرار
الاجتماعي في أبرز دولها، وبلوغ مجموع
الناتج المحلي الإجمالي لدولها العشر 737
مليار دولار، ومجموع تجارة دولها 720
مليار دولار حسب إحصائيات عام 1999 التي
تشمل إندونيسيا، وماليزيا، وسنغافورة،
والفليبين، وتايلاند، وبروناي،
وفيتنام، ولاوس، وميانمار، وكمبوديا.
ومع
أن مجالات التعاون بين دولها تنوعت
وتعمقت -شاملة معظم القضايا والمجالات-
لم تتوقف في السنوات الماضية اجتماعات
وزراء وخبراء ولجان دولها المشتركة،
بما في ذلك قممها الرئاسية الرسمية وغير
الرسمية. وكان ضمن آخر ما وقّعوا عليه
اتفاقية خط أنبوب غاز آسيان المشترك
أواخر شهر يوليو 2002. ومع ذلك، فالذكرى
الثلاثون لتأسيس الرابطة في أواخر
يوليو 1997 كانت أفضل من ذكرى تأسيسها الـ
35 في أيامنا هذه.
فحينها
اكتملت عضوية الرابطة بدول المنطقة
العشر مع تأخر انضمام كمبوديا من 97 إلى
1999 لظرفها السياسية الخاصة بها بسبب
التناحر بين زعمائها آنذاك. وكان ذلك
بعد أن شهد النصف الأول من عقد
التسعينيات قمة النمو الاقتصادي
لدولها، غير أن فرحة الاحتفال بالذكرى
الثلاثين لتأسيس الرابطة لم تكتمل؛ فقد
كانت الأزمة الآسيوية قد أطلت قبل
أسابيع قليلة بدءاً بشهري يونيو ويوليو
1997 على الدول من جهة تايلاند، واقتربت
عاصفتها من الدول الأخرى، معلنة بدء
فترة تراجع اقتصادي وسياسي للمنطقة
ورابطتهم.
ضعف
دورها الإقليمي في الأزمات
وبعد
الأزمة، كان البعض يعول على الرابطة أن
تبادر بدور فعّال في إعانة الدول
المتأزمة بقرارات جماعية؛ لكن القوى
الاقتصادية والتأثيرات العالمية لها
كانت أقوى، خصوصا مع تحولها إلى أزمة
سياسية واجتماعية متعددة الأوجه؛ ولذلك
فآخرون اعتبروا تراجعها طبيعيا لعدم
تعمق جذورها كرابطة تسير بالمنطقة
تدريجيا نحو التكامل والتقارب بكل
جوانب حياة شعوبها.
ولعل
أحدث إشارة إلى حالة تراجع تأثير آسيان
عن دورها السابق، وافتقاد شعوب المنطقة
لفاعليتها المطلوبة، ما جاء على لسان د.رزالي
إسماعيل الدبلوماسي الماليزي السابق في
جزء من محاضرة له مؤخرا بكوالالمبور،
قال فيها: "إن رابطة آسيان قد أضاعت
حسن التوجه نحو هدف ضمن تصور موحد في
أعقاب الأزمة الآسيوية لعام 1997،
وتوابعها التي امتدت بتأثيرها إلى دول
شمال شرق آسيا أيضا"، داعيا الرابطة
بزعاماتها ومنظريها إلى البحث عن دور
مناسب وفعال؛ يتناسب مع التحديات
والتغيرات التي جرت خلال 5 أعوام مضت،
بما في ذلك التغيرات السياسية
والانفتاح المعلوماتي الذي أحدث تغييرا
في تفكير الأجيال الصاعدة، وسقوط زعماء
وصعود آخرين، تأثرا بالكثير من العوامل..
ومنها اتساع رقعة تيار الدمقرطة (اتساع
رقعة مؤيدي الديمقراطية).
ولأن
أبرز ضحايا الأزمة الآسيوية كانت
إندونيسيا، فقد تراجع دورها الريادي
بعد أن كانت تسمى بالأخ الكبير للجميع،
حيث تغطي غالبية المساحة، وتمثل نسبة
كبيرة من سكان المنطقة. ومع عدم ارتياح
ماليزيا لريادة الرابطة، فإن آسيان
اليوم تفتقد لزعيم بارز أو دولة قوية
اقتصاديا وسياسيا تدفع بالرابطة إلى
الأمام، في مواجهة التحديات المتجددة
التي تثقل فقراءها.
سيطرة
الأجندة الأمريكية
وفي
لقاء وزراء خارجية دول آسيان - وما لحقه
من اجتماعات منتدى آسيان الإقليمي
الموسع التي اختتمت يوم 1/8 الجاري- لوحظ
سيادة قضية مكافحة ما يُسمى بالإرهاب
على جدول الأعمال، رغم وجود قضايا أخرى
ذات أهمية. كان ذلك ملاحظا في البيان
الختامي للوزراء من أول فقراته الذي
اعتبر الإرهاب القضية الطارئة
والخطيرة، مذكرين ببيان العمل المشترك
لمكافحة الإرهاب الصادر عن: القمة
الرئاسية الآسيانية السابعة (5-11-2001) من
أجل جعل المنطقة أكثر أمنا واستقرارا
وسلاما، والاجتماع الوزاري لآسيان
الخاص بالإرهاب بكوالالمبور في مايو 2002،
ثم اتفاقية تبادل المعلومات وتأسيس
إجراءات الاتصال الأمني بين إندونيسيا
وماليزيا والفليبين. وقد انضمت كمبوديا
لهم يوم 30-7؛ ويتوقع انضمام تايلاند أيضا.
وكما
كان الإرهاب الموضوع الرئيسي لاجتماع
منتدى آسيان الإقليمي (الموسع) -الذي يضم
دول آسيان العشر و 13 دولة أخرى بما فيها
واشنطن والاتحاد الأوروبي- فقد شهد
المنتدى توقيع اتفاقية وبيان مشترك
لمكافحة الإرهاب، مختص بالجانب المالي،
تنفيذا لنظرية أمريكية هي "محاربة
الإرهاب قبل وقوعه"؛ وهي إحدى أوسع
الاتفاقيات التفصيلية الموقعة حول
مكافحة الإرهاب ماليا في العالم حتى
الآن لشمولها أمريكا الشمالية وأوروبا
وشرق آسيا وغيرها.
ثم
كان توقيع "البيان المشترك لآسيان
والولايات المتحدة الأمريكية للتعاون
في مكافحة الإرهاب الدولي" الذي
بالرغم من كونه أقصر وثائق آسيان
الأخيرة، فإنه حاز على الاهتمام
الإعلامي والسياسي الأكبر. ورغم أنه لم
يفصل في إجراءات التعاون، وأنه غير ملزم
قانونيا، فإنه يعلن رسميا انضمام آسيان
إلى الصف الأمريكي فيما بعد الحادي عشر
من سبتمبر، خصوصا أنه يتحدث عن تعاون
وتدريب مشترك، وتبادل معلوماتي، وقطع
مصادر التمويل على المتهمين بالإرهاب؛
في الوقت الذي حاولت دول آسيان بهذا
البيان تحسين صورتها من أنها ليست منطقة
مخاطر، ولا تستحق أن تُسمى بالجبهة
الثانية لمكافحة الإرهاب بعد
أفغانستان، حسبما وصفتها تصريحات البيت
الأبيض وأبواق الإعلام الأمريكي.
ولحساسية
هذا البيان وخطورته بالنسبة لشعوب
المنطقة، فإن فيتنام مثلا لم تسكت عن
إبداء تحفظات بشأنه، معتبرة إياه سببا
ممكنا للإخلال بمبدأ عدم التدخل في شؤون
الدول الأعضاء لآسيان؛ فيما أبدت الدول
المتحمسة للأجندة الأمريكية ارتياحها
للاتفاقية ورحبت بها، معتبرة ذلك "انتصارا
لجهود مكافحة الجماعات الإسلامية
المتشددة المتهمة بالإرهاب في المنطقة"(!!)،
بعد أن حشد كولن باول الموقف لصالح
دولته خلال زيارته الآسيوية الدعائية
الواسعة لثمانية دول قبل وبعد الاجتماع.
وبعض
المراقبين اعتبروا البيان تقوية للنفوذ
الأمريكي في المنطقة، وتقنينا لتدخل
واشنطن بصور مختلفة، بما فيها المعونات
المالية لمكافحة الإرهاب والجريمة
العابرة للحدود، وتهريب المهاجرين وضبط
عمليات التزوير، خصوصا أن كولن باول قد
أكد أن بلاده ستحافظ على الوجود العسكري
لها في المنطقة المتمثل في أكثر من 100
ألف جندي وبحار، بالإضافة إلى آلاف
آخرين يترددون على دول المنطقة لفترات
متقطعة باسم التدريبات المشتركة.
ولذلك،
فحكومة جاكرتا لم توافق على التوقيع على
البيان إلا بعد إجراء أربعة تعديلات
وإضافات:
-
ذكر اشتراط أن تلعب منظمة الأمم
المتحدة دورا رئيسيا في مكافحة
الإرهاب على المستوى الدولي.
-
أن يكون بيانًا غير ملزم.
-
إضافة عبارة "واعتبار الأعمال
الإرهابية بأشكالها ومظاهرها المختلفة
المرتكبة في أي مكان، ومن أي طرف وفي أي
وقت كان" لإبعاد التهمة عن المسلمين
بأنهم مصدر الإرهاب في العالم، خصوصا في
إندونيسيا باعتبارها أكبر بلادهم في
العالم؛ وهو ما يحاول بعض حلفاء واشنطن
في المنطقة إبرازه دائما.
-
إضافة عبارة "الإقرار بمبادئ
المساواة في الاستقلالية والسيادة
الوطنية، وعدم التدخل في الشؤون
الداخلية للدول الأخرى".
المهم
صار ثانويا بسبب "الإرهاب"!
تقدمت
قضية مكافحة الإرهاب حسب الرغبة
الأمريكية على جملة من القضايا المهمة
التي صارت ثانوية بسبب الأجواء الدولية
الحالية؛ ومن أفضل ما قيل في هذا الشأن
كلمة سلطان بروناي حسن البلقية معز
الدين الذي افتتح الاجتماعات، حيث أخر
في كلمته الحديث عن الإرهاب، وجعل ذلك
آخر ما تناوله مبتعدا عن أسلوب الامتداح
التقليدي لمسيرة الرابطة الذي طالما
استخدمها العديد من الزعماء في العالم
في حديثهم عن المنظمات الإقليمية التي
يشاركون فيها.
فقد
ذكر السلطان بأن القمة الرئاسية
الأخيرة لآسيان قد دعت إلى إجراءات
عملية لتنفيذ برامج التنمية، معبرا عن
أمله بأن تجد هذه الدعوة استجابة كافية
من المسؤولين في الدول والرابطة. وقال
بأن أهم قضية لمئات الملايين من سكان
المنطقة - الذين تمثلهم الرابطة - هي
التقدم الاقتصادي والتحسن المعيشي الذي
ينتظرون أن يروا تأثيره الملموس في
حياتهم اليومية، معتبرا ذلك أصعب تحد
أمام أي حكومة في العالم.
وقال
بأنه -وعلى الرغم من أن دول آسيان قد
شهدت بدء مسيرة التعافي من أزمة 1997 - لكن
مصاعب كثيرة لا تزال تواجهها، كما لم
تستعد هذه الدول عقلية وأجواء النهوض،
ولا معدلات النمو المرتفعة؛ وهما أمران
تميزت به فترة النهوض السابقة للأزمة.
وقد دعا آسيان إلى أن تتحرك بسرعة،
خصوصا في الاستجابة للأحداث الخارجة عن
سيطرتها لتفادي تأثيرها السلبي بشكل
كبير على جذب الاستثمارات، وأن تعمل بجد
على استعادة ثقة المستثمرين، واطمئنان
المجتمع الاقتصادي والتجاري الدولي
لأوضاع المنطقة.
وفي
نقده لأداء الرابطة، تحدث عما بدئ في
تنفيذه من برامج تكامل وتحرير اقتصادية
في إطار الرابطة، بما في ذلك مشروع
منطقة آسيان للتجارة الحرة (أفتا)؛ وهو
ما بدأت بتطبيقه 6 دول من رابطة آسيان
مطلع العام الجاري؛ وكذلك مشروع منطقة
آسيان الاستثمارية؛ وهما مشروعان
يستهدفان تعزيز تنافسية منطقة جنوب شرق
آسيان في مواجهة المناطق الأخرى في
العالم؛ معتبرا ذلك غير كافٍ لمواجهة
تحديات العولمة والانفتاح والمنافسة
الدولية التي تستلزم إجراءات أكثر جدية
وشمولية، والابتعاد عن التنافس بين
الدول الأعضاء. لكنه في الوقت نفسه، أكد
على قدرة آسيان على تخطي التحديات
الاقتصادية المتجددة -لو فعلت من خطوات
أخرى مقترحة- وعلى رأسها ما عرف بـ"خطة
الطريق نحو التكامل (ريا)" وخطة "تنافسية
آسيان" التي ما تزال في طور الدراسة
طوال هذا العام.
الفقر
وتراجع الاستثمارات
وعلى
الرغم من أن متوسط نمو الناتج المحلي
الإجمالي لدول آسيان هذا العام قد ترتفع
إلى ما بين 3.5-4%، فإن العديد من المؤشرات
الاستثمارية والتجارية والاجتماعية لا
تزال سلبية، وتحتاج إلى جهود إقليمية
فعالة. فالوزراء لم يتخذوا قراراً بشأن
مقترح تأسيس بنك لمكافحة الفقر، أو على
الأقل تأسيس آلية لإقراض فقراء آسيان.
كما أنه لم يُتخذ قرار بشأن خطوات
ملموسة لمواجهة انخفاض حجم الاستثمارات
المتدفقة إلى منطقة آسيان التي كانت
تجذب 60% من الاستثمارات الأجنبية
المباشرة المتدفقة إلى قارة آسيا قبل 5
سنوات، لكن نصيبها انخفض إلى 20% فقط!
بعض
المسؤولين الآسيويين لم ينسوا الإشارة
إلى قضايا عديدة، عانت من تباطؤ في
التنفيذ أو تعليق حتى إشعار آخر، بسبب
تقدم قضية مكافحة الإرهاب على غيرها..
ومن بين هذه القضايا: التحدي البيئي -الذي
مع أنه ينطلق من بعض الدول كحرائق غابات
إندونيسيا- فإنه يؤثر على الدول الأخرى
لتقاربها؛ وكذا التحدي الصحي، وعلى رأس
ذلك فيروس فقدان المناعة والإيدز الذي
بدأ يهدد الهياكل الأسرية في بعض
المناطق؛ ثم الجرائم الدولية العابرة
للحدود، كالمخدرات وتهريب البشر
واختطاف الرقيق الأبيض والعمالة
المنبثقة عن مشكلة البطالة في العديد من
الدول كالفليبين وإندونيسيا وغيرهما.
ولم
يُتخذ قرار بشأن تأسيس آلية لآسيان
لمراقبة حقوق الإنسان في دول المنطقة؛
حيث تسبب الاهتمام الأمريكي بقضية
مكافحة الإرهاب بتقديم ذلك على تركيز
واشنطن في بعض الفترات على قضية حقوق
الإنسان واستخدامها للضغط على حكومات
دول المنطقة. كما لم تستطع دول آسيان مرة
أخرى الحصول على موافقة الدول المالكة
للأسلحة النووية (وهي بشكل رئيسي أمريكا
وفرنسا وبريطانيا وروسيا والصين)
للتوقيع على "اتفاقية إخلاء منطقة
جنوب شرق آسيا من الأسلحة النووية"
التي وقعتها دول آسيان في عام 1995؛
باعتبارها دولاً لا تسعى لامتلاك
الأسلحة النووية.. وهي قضية تهم شعوب
المنطقة. أما واشنطن - ومع سعيها لكسب
تأييد آسيان في حربها على ما تسميه
بالإرهاب - فإنها لم تستجب لمطلب تأمين
المنطقة من خطر يُذكّر الآسيويين بما
حصل في هيروشيما قبل 57 عامًا (كانت
ذكراها في 6-8 الجاري).
ومن
المناسب أن نختم بما اختتم به السلطان
حسن البلقية كلمته الذي كرر سؤالاً
وجيهًا ومهمًا طالما طرحه الناقدون
والمحللون الآسيويون حينما قال: "ماذا
تعني رابطتنا (آسيان) بالنسبة للشعوب
التي نمثلها؟! بالطبع سيكون الجواب الذي
نحب أن سماعه هو: إنها تعني الكثير. ولكن
هذا الجواب لن نسمعه منهم بالفعل، ما لم
نشركهم في أعمالنا - ليس كمستفيدين
حقيقيين فحسب - ولكن كشركاء من كل دولنا
ومجتمعاتنا، في كل الأعمال والحكومات
وفي القرى والمدن والأرياف، من الكبار
والصغار والنساء والرجال.. هكذا كان حلم
الآباء المؤسسين للرابطة مع مطلع قرن
جديد".
اقرأ
أيضًا:
|