 |
|
عبد الله يحاول إقناع أمريكا بأن أصدقاءها سيتضررون من ضرب العراق
|
حين
يُطرح الموضوع العراقي وما يمكن أن
يستدعيه من آثار على الدول المحيطة
والقريبة، فإنه أمر يبعث على الحيرة
والاضطراب في أوساط أصحاب القرار في هذه
الدول، فأقل ما يمكن أن يوصف به القادم
من النتائج في حال حدوث عدوان على
العراق هو أنها كارثة، وهذا الوصف
استخدمه الملك عبد الله الثاني في
جولاته وزياراته إلى أمريكا وأوروبا
التي سعى من خلالها ليقول: "إن أصدقاء
الولايات المتحدة سيدفعون ثمنًا كبيرًا
وربما يكون مدمرًا إذا ما أصرت الإدارة
الأمريكية على إستراتيجيتها المتطرفة
القائمة على استخدام القوة ضد العراق،
وشن عدوان يستهدف إسقاط النظام
العراقي، وإعادة تشكيل الدولة في بغداد".
ومما
يزيد من ضبابية الرؤية لدى الجميع أن
إدارة بوش تطلب من الأصدقاء والحلفاء أن
يمارسوا دورًا داعمًا لخططها ضد
العراق، دون أن يكونوا شركاء في تقدير
العواقب، أو مناقشة الآثار السلبية
للتفكير الأمريكي، وفوق هذا فإن
الإدارة الأمريكية تتحدث بأنانية مفرطة
حيث تتجاوز الآثار السلبية على
الآخرين، ولا تحاول تحويلها إلى معطيات
في حربها المعلنة؛ فالأولوية فقط للنهج
المتطرف للتيار المسيطر على القرار
الأمريكي في الإدارة والكونجرس ومراكز
القوى في واشنطن.
معادلة
صعبة
والأردن
إحدى الدول الأكثر تماسًا مع الموضوع
العراقي. وحرج الموقف الأردني ينبع من
معادلة صعبة طرفها الأول المصلحة
والموقف القومي في رفض العدوان العسكري
على العراق، أما الطرف الآخر فهو الحرص
على علاقات قوية مع الولايات المتحدة،
وهي علاقة تمثل للقيادة الأردنية أمرًا
إستراتيجيًا ليس من جانبه الاقتصادي
فقط بل الأهم سياسيًا، ولهذا حاول
الأردن مبكرًا أن يمارس فعلاً سياسيًا
وإعلاميًا مضادًا لفكرة العدوان على
العراق، واستند الأردن في خطابه إلى
عناصر رأى أنها قد تكون مؤثرة في القرار
الأوروبي والأمريكي، ومنها مثلاً
التحذير من تداخل الأولويات بحيث يتم
التركيز على العدوان على العراق في وقت
ما زال الوضع فيه مشتعلاً بفلسطين حيث
العنف الإسرائيلي، وحاولت القيادة
الأردنية أن تحشد –وفق إمكاناتها-
موقفًا معارضًا للعمل العسكري، وجعل
الأولوية للحوار بين العراق والأمم
المتحدة، كما كانت التحذيرات الأردنية
واضحة وقوية من آثار دخول المنطقة حالة
عمل عسكري أمريكي.
وفي
داخل الأوساط الأردنية الرسمية هناك
شعور بأن الأردن سيكون من أكثر الدول
تعرضًا للضرر، فمن الناحية السياسية
يبدو الشارع الأردني في حالة إجماع
تقريبًا على مساندة العراق، وساهم
الموقف الرسمي الإيجابي في بعث حالة
ارتياح في الأردن لم تستطع بعض
التسريبات والتقارير الموجهة التي
نشرتها وسائل إعلام عربية وأجنبية أن
تؤثر فيها سلبيًا.
مكتسبات
اقتصادية
والأردن
يرى في إظهار سلبيات العدوان المتوقع
وأضراره نوعًا من الأسلحة الدبلوماسية
والسياسية لتكوين جبهة عربية ودولية..
فمن الناحية الاقتصادية يحتل العراق
المرتبة الأولى في دعم الاقتصاد
الأردني، سواء عبر المنحة النفطية التي
تصل إلى حوالي (350) مليون دولار، إضافة
إلى أسعار تفضيلية في شراء النفط، وفي
المجال العام هناك البروتوكول التجاري
الذي يؤمن للأردن سوقاً لصناعاته،
فضلاً عن الفوائد المباشرة وغير
المباشرة على القطاعات الاقتصادية
والخدماتية المختلفة، وهذه العلاقة
الاقتصادية تمثل المورد الداعم والأهم
للاقتصاد الأردني في ظل توقف المساعدات
العربية الدورية، بل إنها تفوق ما تقدمه
الولايات المتحدة من مساعدات للأردن.
والأردن
الذي عاش وضعًا اقتصاديًا صعبًا بعد حرب
الخليج الثانية عام 1991 كانت علاقاته مع
العراق المنفذ الأكبر في التخفيف من هذه
المشكلات، وهو ينظر إلى فكرة تغيير
النظام على أنها قد تكون سببًا مباشرًا
لحرمانه من هذه العلاقة أو معظمها، فأي
نظام حكم قادم للعراق لن يكون إيجابيًا
تجاه دولة يجمع شعبها وحكومتها على رفض
العدوان ومساندة الحوار.
وجهد
سياسي
ومن
الناحية السياسية، تتحدث القيادة
الأردنية دائمًا عن خطرين يهددان
استقرار المنطقة، وهما: استمرار العنف
الصهيوني وتصعيد الصراع في الأراضي
الفلسطينية من جهة، والحالة العراقية
من جهة أخرى. وهذا التهديد يمس الأوضاع
الداخلية للعديد من دول المنطقة بما
فيها الأردن؛ ولهذا ترى السياسة
الأردنية أن أي جهد للتخفيف من التصعيد
على الجبهتين الفلسطينية والعراقية يصب
في مصلحة الأمن والاستقرار الداخلي
الأردني، وهذه الرسالة كانت جزءاً من
الجهد الدبلوماسي الأردني "لأصدقائه"،
وكأنه يقول بأن الحرص على الأردن ودوره
"المعتدل" في المنطقة يقتضي تجنيبه
الاقتراب من تفاصيل هذا التصعيد، وهذا
المنطق كان جزءاً من مبررات الرفض
الأردني لاستخدام أراضيه من قبل القوات
الأمريكية في حال حدوث عمل عسكري ضد
العراق.(يذكر أن أغلب سكان الأردن فلسطينيو الأصل أو لاجئون فلسطينيون)
لكن
الأردن الذي يدرك أن "قصة العراق"
أكبر من إمكاناته السياسية يأمل في قوة
جبهة الرفض العربية والدولية للسياسة
الأمريكية، ويرى في قوة أي موقف عربي
قوة لموقفه، ولهذا فهو يحاول أن يدعم
ظهور مواقف من دول عربية مؤثرة مثل
السعودية ومصر وسوريا ودول الخليج، كما
يبدو مرتاحًا لتزايد قوة الأصوات
الرافضة في أوروبا وروسيا وداخل الرأي
العام في تلك الدول بما في ذلك الانقسام
داخل بعض الأوساط في الإدارة الأمريكية.
والقيادة
الأردنية تحاول أن تتحدث بواقعية
متدرجة مع الأردنيين المتحمسين لنصرة
العراق، ومحور هذا الخطاب لا يتناقض مع
قوة الرفض لفكرة العمل العسكري ضد
العراق والدعوة للحوار بين الأمم
المتحدة والعراق، لكنها تؤكد أيضًا أن
الأردن لا يملك القدرة وحده على فعل
الكثير إذا ما حسمت الولايات المتحدة
أمرها وقررت ضرب العراق، وأن الواجب
الأول للقيادة الأردنية حين ذاك سيكون
المحافظة على المصالح الأردنية وتماسك
الجبهة الداخلية، والعمل وفق القاعدة
الأصولية "درء المفاسد أولى من جلب
المصالح"، ويبدو أن عملية تسويق هذا
الموقف الواقعي تحتاج إلى جهد إعلامي
وسياسي كبير في مواجهة رأي عام متحمس
وأحزاب وقوى شعبية تفضل الاقتراب من
الخطاب الجماهيري في مراحل مشتعلة
وصاخبة.
اقرأ
أيضًا:
**
كاتب أردني متخصص في الشؤون السياسية.
|