بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

رواق الأفكار

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


استيطان العقل العراقي

21/05/2003

د. محمد خالد الأزعر**

تُظهر السياسة الأمريكية اهتمامًا قياسيًا بإعادة تشكيل الشخصية العراقية، اتجاهاتها وميولها ونوازعها وولاءاتها الفكرية والأيديولوجية. تجلى هذا الاهتمام منذ ما قبل مرحلة الغزو المسلح، حين راحت الأدوات الإعلامية والدعائية والسياسية الأمريكية تمطر العراقيين بالمنشورات التي تحرضهم على التمرد والعصيان ضد النظام القائم، واعدة إياهم بعصر آخر من التحرر السياسي والرخاء الاقتصادي والازدهار الحقوقي.. وشارك في هذه الحملة التمهيدية الجبارة للتوجيه التعبوي والاستيلاء على العقل عن بعد عدد غفير من القوى المعارضة العراقية المقيمة في عالم الغرب، ومناصرون لدعوة الغزو والحل العسكري في بعض الرحاب العربية، أولئك الذين شكلوا ما أسميناه بشبكة أمان فكرية للعدوان الأمريكي الذي انتهى باحتلال العراق.

بوقوع الاحتلال زالت الحواجز الجغرافية والنظامية والقانونية والسياسية، التي فصلت بين السياسة الأمريكية ومحاولة العبث بالطابع الوطني والقومي للشخصية العراقية بشكل مباشر. لم تعد واشنطن تكتفي باستخدام آليات التأثير التي قد تعترضها هذه الحواجز، كالمنشورات والبث الإذاعي والتليفزيوني ومروجي الإشاعات. لقد صارت هذه الآليات مجرد روافد مساعدة أو رديفة للمدخل الأساسي لتحقيق التغيير المطلوب، مدخل السيطرة الكاملة على عقول الناشئة والكبار عبر مناهج التربية والتعليم المقررة على كافة المراحل الدراسية.

ما عرف بهذا الخصوص أن وزارة الخارجية الأمريكية كونت منذ يناير الماضي 2003 ما أسمته "مجموعة عمل التعليم"، وألحقتها بمكتب "البحث في مستقبل العراق" التابع بدوره لهذه الوزارة. وقد تحددت مهمة المجموعة في: وضع نظم ومناهج تعليمية جديدة، تخلو من تلقين الولاء لحزب البعث وأيديولوجيته، وتعديل أنماط التدريس بما يجنبها الأغراض الدعائية، ومراعاة الصحة العقلية للأطفال والدارسين، وتشجيع تعلم اللغات الأخرى في العراق بخلاف اللغة العربية، على اعتبار أن 30% من العراقيين لا يتحدثون العربية.

ويقال بأن الاختيار قد وقع على إحدى المؤسسات الأمريكية ذات الصلة بالمشروعات التعليمية، التي فازت بعقد من "وكالة التنمية الدولية الأمريكية" لتغيير المناهج وتدريب المدرسين في العراق، وصادف أن هذه المؤسسة كانت هي بذاتها التي اضطلعت بوظيفة مماثلة في أفغانستان!

نحن إذن أمام مخطط لاحتلال العقل العراقي، تم الإعداد له عن سابق إصرار بالتوازي مع الاستعداد لغزو العراق عسكريًا، وهذه وحدها -لو أراد البعض- قرينة دامغة على النوايا العدوانية المبيتة ضد العراق: الدولة والنظام، بغض النظر عن أي اعتبارات ذرائعية أخرى. إذ كيف تشق مشروعات وزارة الخارجية الأمريكية لعراق المستقبل طريقها للنفاذ بدون السيطرة الميدانية الفعلية هناك التي أنيطت بالبنتاجون؟!

عزلة.. تفتيت.. تعجيز.. أهداف التربية الأمريكية

هذه ملاحظة جديرة بالانتباه، غير أن ما يشغلنا في هذا المقام أن المشروعات الأمريكية لهدم العقل العراقي وبنيته الداخلية، وإعادة تكوينه تجري على قدم وساق هناك في واشنطن، بمعرفة خبراء في علوم التربية والنفس والاجتماع السياسي من الأمريكيين الصهاينة والمتصهينين، يساعدهم في ذلك زمرة من العراقيين المستغربين، الذين انقطعت صلتهم بالبعدين الوطني والقومي للشخصية العراقية منذ عقود، ومع ذلك تجرأت أوساط الخارجية الأمريكية على الزعم بأن الولايات المتحدة "لن تحاول بأي حال فرض شيء على العراقيين، ولن تفرض قيمها عليهم، كما أن المسئولية في حقل التعليم يجب أن يتسلمها العراقيون أنفسهم"!

ونحن إذا سايرنا هذه الفرية لحق علينا اعتبار كل ما اضطلعت به السياسة الأمريكية ضد العراق عملا خيريًا صرفًا. ولأننا وكثيرين غيرنا لسنا بهذه السذاجة والغفلة؛ فإن علينا تبصر ما ترمي إليه النخبة التي دبرت لغزو العراق واحتلاله من وراء مقاربتها للعملية التعليمية هناك، بعيدًا عن القنابل الضبابية التضليلية التي تلف هذه المقاربة. وأبرز ما يساورنا بهذا الصدد أنهم في واشنطن جادون بشأن محاولة تطبيق نموذج الاحتلال الأمريكي لليابان وألمانيا من قبل. ذلك النموذج الذي اشتهر بتغيير الطابع القومي للشخصيتين اليابانية والألمانية، وكان التغلغل في إعداد برامج ومناهج التعليم من الألف إلى الياء هناك أهم أدواته، ومما حفظته الأدبيات بالخصوص أن الخبراء الأمريكيين نصحوا بتصفية المناهج في الدولتين مما أسموه بالأبعاد الشوفينية والتعصبية وعبادة الزعماء المفرطين في التسلط واحتكار صناعة القرار، والقضاء على المفاهيم المؤدية إلى سيطرة النخب العسكرية على توجهات المجتمع. وهذا هو عين ما يسعى إليه التحالف الاستعماري الصهيوني بالنسبة للمثل العراقي.

فالعراق يوصف لدى هذا التحالف بأنه "روسيا العرب"، وهو محكوم بنخب قومية شوفينية تتوفر لديها أسباب القوة، وهي من الدول القليلة التي ظلت زعاماتها ومناهجها التربوية التعليمية تتحدث عن "الوحدة العربية" و"تحرير فلسطين من النهر إلى البحر"، وأخذت منذ وقت مبكر بمبدأ "بترول العرب للعرب". ويقينًا سوف يسهر معدو المناهج البديلة لاستئصال مثل هذه الأفكار والشعارات، وإحلالها بتوليفة مؤسس للقطيعة معها. وتحت دعوى التخلص من المحتوى الشوفيني للوطنية العراقية سوف يجري استزراع المفهوم الانعزالي القائل بالعراق أولا.

بل ويفهم من تشجيع تعلم "اللغات الأخرى" الدارجة هناك أنهم سيعمدون إلى إحياء النزعات ما دون القومية والوطنية لدى المركبات الاجتماعية. وهكذا لا نستبعد أن يصبح النظام التعليمي مدخلا للميول الانعزالية، ليس فقط للعراق تجاه العرب والقومية العربية، وإنما أيضًا للكتل التاريخية الاجتماعية العراقية إزاء بعضها البعض.

عمليات الهدم والبناء ستطال أيضًا المساقات والمناهج التي أنتجت جماعة علمية قوية. وإذا كان التحالف الاستعماري الصهيوني قد طارد هذه الجماعة بلا هوادة قبل الغزو؛ فمن باب أولى أن نتوقع الآن تطلعه إلى قطع جذور إنتاجها وتكوينها من المنبع، من المدرسة والمعهد والجامعة، هذا لأن الارتداد بالعراق "الجديد" إلى مصاف منظومة الدول المتخلفة، ومنعه من اختراق المستوى الاقتصادي الاجتماعي العلمي المقرر لمحيطه الإقليمي القومي.. يمثل هدفًا رئيسيًا للغزو والغزاة.

في كل حال يظل الاحتلال العسكري هو الجانب الأسهل من الحملة الأمريكية البريطانية الصهيونية على العراق، أما الجوانب الأصعب فتتعلق بهزيمة الشخصية الوطنية والقومية للعراقيين، وتوطين العقل العراقي بما يوافق الأهداف الأبعد غورًا للحملة.. تلك التي تبغي إخراج العراق من معادلة القوة العربية بالكامل وإلى أجل غير منظور، من حيث الهوية والانتماء والدور والمكانة السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية، وحبذا لو تمت بلقنته جغرافيًا، وأمركته، ومن ثم صهينته فكريًا وسياسيًا، ولكن ما نصيب هذه المقاربة من النجاح أو الفشل؟!

"يابان الشرق الأوسط"!

أول ما يرد على الخاطر في معرض الإجابة عن هذا السؤال، هو عدم صوابية قياس الحالة العراقية بالسابقتين اليابانية والألمانية..

أولا لأن البنية الحضارية (الثقافية) لهذه الحالات تبدو شديدة الاختلاف بما ينفي صحة المشابهة بينها من الأصل.

وثانيًا لأنه لا أساس للفكرة القائلة بشوفينية الشخصية العراقية على غرار المثلين المذكورين؛ فقد حظيت القوميتان اليابانية والألمانية بالتكامل القومي في إطار مفهوم "الدولة الأمة" قبل الحرب التي شناها على محيطيهما الإقليمي (1939-1945). أما النزوع العراقي للوحدة العربية فهو أمر طبيعي، كون العراق حتى الآن ليس "دولة أمة"، وإنما يسعى كغيره من الأقطار العربية إلى هذه الدولة. ولا موجب لوصف هذا النزوع بالشوفينية إلا عند المعادين لقضية الوحدة العربية والعروبة.

وثالثًا لأن التلاعب بالطابع القومي للشخصيتين اليابانية والألمانية استهدف خدمة المعسكر الرأسمالي في غمرة الحرب الباردة، لكن المستهدف في النموذج العراقي هو خدمة "الكيان الصهيوني"، والفارق هنا كبير؛ إذ كانت صيانة المنجزات العلمية وإنهاض القواعد الاقتصادية والتقنية مطلوبة بالنسبة لليابان وألمانيا، فيما العكس تمامًا؛ أي تعجيز العراقيين علميًا واقتصاديًا وتقنيًا هو ما تبغيه الولايات المتحدة وإسرائيل بالنسبة للعراق.

دروس الجزائر وفلسطين

الأقرب إلى استكناه أو تبصر مصير المحاولة الأمريكية مع الشخصية القوى التي استعمرت أقطارًا عربية اجتهدت للتغلغل في مكوناتها الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والسياسية، وعملت على إحداث اختراقات تمهد لتمثل شعوب هذه الأقطار لثقافاتها في حدود ما يخدم مصالحها وهيمنتها، غير أن أشد هذه الاجتهادات تركيزًا ووطأة وطموحًا للتغيير الشامل هي تلك التي مارسها الفرنسيون في الجزائر سابقًا، ويعكف عليها الصهاينة الإسرائيليون منذ أكثر من خمسة عقود في فلسطين لا سيما بالنسبة لما يعرف بشريحة فلسطينيي أو عرب 1948.

إن استذكار هاتين المحاولتين يطمئننا إلى ما ينتظر السياسة الأمريكية تجاه النموذج العراقي من فشل؛ فلا الفرنسة أفلحت في الجزائر على الرغم من دأب المستعمرين الفرنسيين عليها لمائة وثلاثين عامًا.. ولا الصهيونية نجحت في تفريغ العقل الفلسطيني من وطنيته وقوميته ومحتواه الحضاري، ومرد هذا الفشل هو رسوخ المخزون الحضاري الثقافي وتواصله في الحالتين؛ بحيث استعصى على الإزاحة والاستئصال الكلي، ثم إحلاله بمخزون آخر مغاير تمامًا.

ومع ذلك علينا أن نعترف بأن هذا الفشل لم يكن كليًا؛ فقد أحدثت القوى الاستعمارية ندوبًا وبعض التشوهات الثقافية بين يدي نخب محدودة هنا وهناك، لكن البنية الأساسية للشخصيتين الجزائرية والفلسطينية بمرجعيتهما الحضارية العربية الإسلامية بقيت محتفظة بقوامها، وقد تأتى ذلك عن نضال مقاوم مضاد اضطلعت به أجيال من المخلصين لهذه المرجعية.

لقد أدى هذا النضال المرير إلى عزل النخب المستلبة المنبهرة بثقافة المستعمرين ونماذجهم السلوكية. وبين ما يستلهم من تجربة الجزائر بالذات أن المستعمرين المستوطنين الأوروبيين حين رحلوا من هناك مكرهين لم يتركوا خلفهم ميراثًا نافعًا للعقل الجزائري، تمامًا كما كان الأمر بالنسبة للوطن الجزائري، ولو كانت محاولات الفرنسة (أو الأَوْربة) قد جرت عن نوايا حقيقية "للتطوير والتحضر"، لما وجد الجزائريون أنفسهم عند التحرر في حالة مزرية.

نقول ذلك وفي الذهن أن السياسة الأمريكية تكاد تكرر مع المثل العراقي اليوم ذلك الخطاب الدعائي المغلف بالطهرية والنقاء، الذي غطى به المستعمرون الفرنسيون (وغيرهم) نواياهم، وهم يبيتون اجتياح أقطار عربية أخرى وتفصيل البلاد والعباد فيها على مقاس أهوائهم ومصالحهم!

من يحمي الهوية العراقية؟

لم يثبت على مدار التاريخ أن احتلال الأوطان يؤدي إلى تحريرها، ولن يخرج الاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق عن هذا القانون، وكانت أولى نتائج هذا الاحتلال تعريض المتحف الوطني العراقي للنهب والضياع، وبهذه الفعلة الشائنة استباح المستعمرون ذاكرة أقدم حضارة إنسانية، وهم عندما يسعون إلى تغيير مناهج التربية والتعليم إنما يستهدفون استباحة حاضرة الذاكرة الجمعية للعراقيين ومستقبلها. وفي تقديرنا أن مقاومة هذا التوجه وصيانة العقل العراقي من أعمال التجريف والتفريغ الفكري لا تقل شأنًا وضرورة عن مقاومة احتلال الوطن العراقي ذاته؛ إذ ما معنى الوطن إن خلا من تاريخ وذاكرة وبطانة حضارية وهوية وانتماء تشد أبناءه إلى بعضهم البعض، وتمنحهم أحقية وفضيلة الحياة الإنسانية الكريمة؟ أليس الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعيش بتاريخ وذاكرة وهوية؟  

اقرأ أيضًا:


** كاتب أكاديمي فلسطيني

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


 

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع