بريدك الالكتروني


English

 

14:10 مكة - الخميس19 جمادى الأولى 1427هـ - 15/6/2006 م

العراق » المنطقة العربية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
أهم الأخبار

 

بعد الزرقاوي.. أمريكا إلى عدو جديد بالصومال

رجائي فايد**

الرئيس الأمريكي بوش يوجه كلمة للقوات الأمريكية بالعراق بعد مقتل الزرقاوي 13يونيو2006

هل إحكام الخناق على أبي مصعب الزرقاوي ومن ثم قتله كان أمرا يدخل في عداد المستحيلات حتى يقابل بمثل ما قوبل به من ضجيج سياسي وإعلامي؟.

فالرئيس الأمريكي جورج بوش يلقي بيانا سعيدا حول الحدث ورئيس الحكومة العراقية نوري المالكي يبشر الشعب بالنصر المبين وأن آلامه قاربت النهاية، والحكومة الأردنية تعلن أن لها نصيبا في الحدث الجلل، فلقد كان لجهاز استخباراتها دور بما قدمه من معلومات هامة.

ولكن هل كانت مصادفة أن يتذكر الرئيس الأمريكي قبل ذلك الحدث بيوم واحد أن هناك بقعة على ظهر الكرة الأرضية اسمها الصومال انتقل إليها خطر الإرهاب رغم أنها تعيش منذ أكثر من عقدين في فوضى واقتتال داخلي، بل إن الولايات المتحدة قامت في السابق بسحب قواتها من الصومال لأن الصومال لا تمتلك ما يغري الولايات المتحدة على التواجد فيها.

مقتل الزرقاوي والعدو الجديد

وفجأة يتذكرها بوش ويصرح بأنها ستتحول إلى أحد مراكز تنظيم القاعدة بعد أن استولت على عاصمتها مَقَدِيشُو ميليشيات المحاكم الشرعية ذات التوجه الإسلامي، وفي اليوم التالي مباشرة يعلن عن مقتل أبي مصعب الزرقاوي مسئول تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين. هل هي مصادفة، أم أن ثمة ما يربط بين هذا وذاك؟.. هل ذلك يسير وفق اللعبة الأمريكية التي باتت معروفة والتي يجيدها "اليانكي" الأمريكي عندما يسعى لخلق عدو جديد يتوجه إليه بسهامه عندما ينتهي أو يستهلك العدو القائم.

لا بد من وجود عدو لأن الماكينة إذا لم تجد ما تأكله فإنها ستأكل نفسها، والتاريخ الأمريكي وأحداثه يؤكد ذلك.. فبعد أن سقط الاتحاد السوفيتي وتفكك، كان الإسلام ثم الإرهاب هو العدو وهكذا.

وخلال مراحل الحرب على العراق واحتلاله كانت الإدارة الأمريكية أشبه بالحاوي الذي يخرج من جرابه في كل مرة مبررا جديدا بدلا من الآخر الذي أثبتت الأحداث عدم صحته، وتعددت المبررات بتوالي الأيام من أسلحة الدمار الشامل إلى تغيير النظام الدكتاتوري إلى إقامة النظام الديمقراطي النموذج إلى مكافحة الإرهاب.. إلخ.

ولعلنا نذكر الخطاب الإعلامي الأمريكي الذي كان يُحمّل عدي وقصي -ولدي صدام حسين- مسئولية قيادة المقاومة، وعندما قتلا أعلنوا أن المسئول عن ذلك هو عزة إبراهيم الدوري نائب صدام حسين.. وأعلنوا أنهم نجحوا في إلقاء القبض عليه وتبين فيما بعد أنه ليس من ألقي القبض عليه ومرت الأيام واختفى اسم الدوري تماما ولم يعد أحد يتذكره لا بالخير ولا بالشر.

من هنا فإننا نتصور أن السهام الأمريكية ستتوجه في الأيام القادمة إلى الصومال ويؤكد ذلك دعوة بوش الأخيرة لعقد مؤتمر دولي وتشكيل لجنة اتصال لمناقشة الشأن الصومالي. ومن المتوقع تبعا لذلك أن تنحسر السهام الأمريكية تدريجيا عن العراق، فملابسات أحداث الأيام الأخيرة تؤكد ذلك.

لم قتل الزرقاوي ولم يقبض عليه؟

لقد كان من المنطقي أن تظفر الولايات المتحدة بالزرقاوي حيا، لأن الظفر به وهو على قيد الحياة أفضل لها من قتله لأنها كانت تستطيع أن تحصل منه على معلومات ستفيدها حتما في حربها المعلنة ضد تنظيم القاعدة سواء كان ذلك في العراق أو في تورابورا في أفغانستان.

ولم يكن تحقيق ذلك من الأمور الصعبة على القوات الأمريكية مادامت أنها حددت مكان تواجده بالضبط، وكما أعلنت فيما بعد، بل أعلنت أن قصف المنزل الذي كان يتواجد به أسفر عن جرح الزرقاوي الذي حاول الهرب وهو جريح ولكنهم طاردوه وقتلوه.. لا شك أن القوات الأمريكية تمتلك آلاف الوسائل التي تمكنها من الإمساك به حيا وربما يكون من ضمن هذه الوسائل إطلاق الغارات المخدرة على المكان كما حدث في واقعة مسرح البولشوي في موسكو، ولكن يبدو أن التعليمات كانت صارمة في ضرورة قتل الجسد مع ما يحمله ذلك الجسد من أسرار ربما كان الإفصاح عن بعضها يحرج الإدارة الأمريكية.

وكأن أحداث الأيام تعيد نفسها، ففي واقعة مقتل عدي وقصي كان من الممكن وببساطة الظفر بهما أحياء بعد أن دخلوا المصيدة وأرشد صاحب الدار التي آوتهما عن المكان ليفوز بملايين الدولارات، ومهما كان حجم السلاح الذي في حوزتهما، فقد كان بالإمكان وببساطة إلقاء القبض عليهما سواء كان ذلك بالحصار ومنع الماء والغذاء والكهرباء عن المكان أو بأي وسيلة أخرى حتى يرفعا راية التسليم، ولكن كان المطلوب حينئذ هو القتل ووأد أي شيء لديهما.

إذن كان من الواضح أنه ليس مطلوبا المحافظة على حياة الزرقاوي بل قتله بعد أن انتهت الحاجة إليه، ونأمل ألا يفهم من ذلك أننا نرى في الزرقاوي صنيعة مباشرة للولايات المتحدة وأنه كان على تنسيق كامل مع الأمريكيين ونفذ ما يطلبونه، ولكننا نرى أن الإدارة الأمريكية استفادت كثيرا منه ومن خطابه السياسي وأعماله التي تصنف حتما ضمن العمليات الإرهابية سواء كان ذلك من قتله للمدنيين داخل وخارج العراق (عملية فندق عمان) وهذه الأعمال كانت تعطي الولايات المتحدة دعما لخطابها السياسي ضد الإرهاب ومبررا لاستمرار وجودها في العراق.

وذلك فضلا عن أن تصريحات الزرقاوي التي لا يقرها دين أو مذهب ضد الشيعة، وعملياته ضد أماكن تجمعهم وعبادتهم والتي هددت العراق أكثر من مرة بالانزلاق إلى أتون الحرب الطائفية، جعلت من القوات الأمريكية في العراق صمام الأمان الذي يحفظ تلك البلاد من الحرب الأهلية والفوضى، وأوصلت الجميع إلى قناعة بأن هناك خطورة على العراق إذا انسحبت تلك القوات بشكل فوري، لذلك فقد أعطى الزرقاوي لتلك القوات المبرر القوي لاستمرار تواجدها وكانت الإدارة الأمريكية وقواتها في العراق تبعا لذلك حريصة كل الحرص على عدم تصفيته رغم إمكانية ذلك.

ونؤكد على أن قتل الزرقاوي كان ممكنا في أي وقت لأن تحركاته كانت في غرب العراق، وهي منطقة جغرافيا ليست كجبال تورابورا في أفغانستان أو حتى كجبال كردستان العراق، حتى يستطيع الاختفاء في وعورة جبالها ولكنها منطقة صحراوية سهلة تتناثر فيها المدن والقرى، وفي نفس الوقت لم يكن الزرقاوي يحظى بالتأييد الكامل من سكان المنطقة لأن أعماله ضد المدنيين وسعت من دائرة العداء حوله...

لهذه الأسباب ولغيرها يمكن الجزم بأن القوات الأمريكية لم تكن جادة في الإمساك به أو قتله إلا بالتصريحات فقط، إذ إن وجود مثل هذا الشخص على الساحة العراقية يصب في الصالح الأمريكي، ولكن عندما وجدت أن في صالحها تصفيته فعلت ذلك على الفور.

لماذا قتل الزرقاوي في هذا التوقيت؟

لكن لماذا قررت أمريكا ذلك في هذا التوقيت بالذات؟.. الإجابة تتعلق بأمرين أحدهما أمريكي والآخر عراقي. فعلى الجانب الأمريكي أشارت استطلاعات الرأي إلى تدهور حاد في شعبية الرئيس الأمريكي بوش، كما أن الأصوات المعارضة للتواجد العسكري الأمريكي في العراق في تصاعد مستمر، بل إن هناك شخصيات ذات وزن داخل أمريكا وخارجها أصبحت تقول بصراحة إن قرار هذه الحرب كان من الأخطاء الجسيمة. لذا كان الرئيس بوش في حاجة ماسة وفي هذا التوقيت بالذات إلى حدث كبير يعيد إليه بعضا من الشعبية ويسكت الأصوات المعارضة، وهو ما وضح جليا خلال زيارته الخاطفة إلى بغداد يوم 13 يونيو 2006 بعد أيام قليلة من مقتل الزرقاوي.

أما على الجانب العراقي، فإن هناك حكومة عراقية جديدة، وهذه الحكومة هي أول حكومة عراقية دائمة بعد الاحتلال حسب خطة نقل السلطة التي وقعها الحاكم المدني الأمريكي السابق للعراق بول بريمر مع رئيس مجلس الحكم الانتقالي جلال طالباني في 15 نوفمبر 2003، لذلك كان البحث الدءوب عن عوامل تكفل لهذه الحكومة النجاح.

ولأن الشكوك في إمكانية النجاح رافقت تشكيل هذه الحكومة منذ الاعتراضات الشهيرة على شخص إبراهيم الجعفري، إلى الولادة المتعسرة لها والتي استمرت لخمسة شهور، إلى أول فشل واجهها في أول ملف أعلن رئيسها نوري المالكي أنه سيعالجه وهو ملف الميليشيات عندما أعلن جلال طلباني بأن قوات البيشمركة حركة ليست من الميليشيات، وبالتالي يجب ألا تدمج في الجيش العراقي.

لذلك كله كان من المفيد القيام بفعل يحاط بضجة إعلامية ويصب في الملف الثاني الذي أعلن المالكي عن نيته لاقتحامه وهو الملف الأمني من أجل توفير بعض مقومات النجاح لهذه الحكومة، والتي إن فشلت، فإن ذلك ينذر بفشل المشروع الأمريكي في العراق بالكامل، ويضع المستقبل العراقي بأكمله في دائرة الخطر، وربما تلجأ الإدارة الأمريكية مضطرة إلى حلول غير تقليدية قد يكون من ضمنها تشجيع قيام انقلاب عسكري في العراق، وهو أمر لو حدث لسبب حرجا بالغا لها.

لذلك كان من المفيد أن تبدأ الحكومة العراقية الجديدة أيامها بالإعلان عن هذا الحدث الهام.. مصرع أبي مصعب الزرقاوي مسئول تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين وإحاطة هذا الحدث بهالة إعلامية ضخمة.

ونعود إلى ما بدأناه حول تزامن تحذير الرئيس الأمريكي جورج بوش من الخطر الصومالي ومقتل الزرقاوي، وهو ما يجعلنا نتوقع حدوث إعادة ترتيب للقوات الأمريكية في العراق بل إن الولايات المتحدة ربما تصرف نظرها مستقبلا عن الملف العراقي دون أن تغلقه لتوجه اهتمامها إلى ملف جديد هو الملف الصومال.

وليس معنى هذا التوقع أن انسحابا أمريكيا من العراق أصبح على الأبواب لأن الولايات المتحدة قامت ببناء أربعة عشر قاعدة عسكرية في العراق، وهي لم تقم بذلك عبثا. إنها ومنذ فترة تهيئ نفسها للانسحاب من الشارع العراقي إلى تلك القواعد لتؤمن من خلالها مصالحها وتدعم سياستها في الهيمنة وفرض النفوذ.. وفي هذه الحالة سيتم خفض قواتها في العراق كي توجه تلك القوات إلى عدوها الجديد المستقبلي في الصومال.

من هنا تكون الأمور قد وضحت، فالصومال بعد طول نسيان تذكرها الحاوي، فأخرجها من جرابه بعد أن تآكلت كل مبررات التواجد الأمريكي في العراق، وبدأ الاستعداد لإغلاق الملف العراقي، فلم يعد يأوي العدو، ولكن العدو قفز إلى منطقة جديدة هي الصومال، وكما يقول المثل المصري: "ياما في الجراب يا حاوي".


** كاتب متخصص في الشأن العراقي.

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع