بريدك الالكتروني


English

 

17:00 مكة - الأربعاء 11 جمادى الأولى 1427 هـ - 7/6/2006 م

الداخل الفلسطيني » القضية الفلسطينية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
أهم الأخبار

 

الحكومة الفلسطينية.. حيثيات السقوط وتوابعه

د. محمد خالد الأزعر**

هل تتحمل الحكومة الفلسطينية بقيادة حركة حماس صراع الداخل وضغط الخارج؟

يوما تلو الآخر، تتكثف موجبات التفكير في احتمال ترجل الحكومة الفلسطينية بقيادة حركة حماس من مركز صناعة السياسة والقرار في السلطة الفلسطينية. أي مُطالع متبصر لما يعمل في البيئات المحيطة بهذه الحكومة وحركتها الأم، لا تساوره الشكوك في تلاقي معظم المعنيين بالشأن الفلسطيني على ضرورة إيصالهما إلى هذا الاحتمال قسرا.

لا توجد مُدونة سلوك موثقة بهذا الخصوص.. لكن اليقين بالتحالف الودي بين هؤلاء يتأتى من توافقهم على إغلاق كافة بدائل سقوط هذه الحكومة، وذلك يجعل أي بديل منها، كاستمرارها منفردة أو من خلال مشاركة قوى أخرى تحت شعار الوحدة الوطنية، مُكلفا وربما قاتلا بالنسبة لمواثيق حماس وبرامجها وبنيها الإيديولوجية وتاريخها الكفاحي، ومن ثم شعبيتها وصدقيتها التاريخية في الحال والاستقبال.

وتبدو شراسة هذا التحالف من توسله بنظرية الغاية التي تبرر الوسيلة وذلك بغض النظر عن حقوقية أو مشروعية كل من الغاية والوسيلة، ومن هنا يبدو عبثيا بشكل ظاهر مناقشته حول مدى عقلانية أو منطقية أو إنسانية تعريض الشعب الفلسطيني للفاقة والعوز بمحاصرته اقتصاديا وماليا.

ولا ينبغي المغالاة في الاعتقاد بديمومة الوضع الراهن اعتماداً على أن قوى عربية وإقليمية ودولية نافذة، قد واربت أبوابها أمام حكومة حماس، وأن هذه القوى لا تفضل الصدود الكلي عن هذه الحكومة، أو حملها جبرا وسريعا على الانصياع لشروط الانفتاح الكامل عليها والتعامل بأريحية معها وهي: الاعتراف بإسرائيل، ونبذ المقاومة المسلحة (الإرهاب!)، والتواطؤ مع الاتفاقات الفلسطينية الإسرائيلية السابقة.. نقول لا ينبغي المغالاة في هذا التصور؛ لأن القوى المعنية بهذا التوجه المغاير نسبيا، إنما تتوخى باستثناء أطراف محدودة ( كإيران وسوريا) تحقيق أهداف التحالف صريح العداء لحماس ولكن عبر مداخل أخرى أكثر عطفا على دبلوماسية التواصل والإقناع والتفاوض الهادئ وتبادل وجهات النظر، ثم إن هذه القوى لا تملك عصا موسى لفك الحصار متعدد الأنماط على حماس، وربما لا طاقة لها بالوقوف وراء حكومة حماس وتظهير ممانعتها للشروط المعروضة عليها، ولا بإغاثة الشعب الفلسطيني وسد احتياجاته التي تتوقف بلغة المال عن 150 مليون دولار شهريا، هذا في حال إذا افترضنا جدلا نياتها الحسنة وغضبها من انتهاك حرمة نتائج الديمقراطية الفلسطينية.. فهي لم تتمكن حتى من توصيل الأموال التي تم جمعها بشق الأنفس إلى هذه الحكومة.. ولعلها لم تبذل جهدا جادا لأجل هذا الهدف.

ميوعة عربية

أيضا، لا يثير التفاؤل تجاه استمرارية حكومة حماس الشكوك المحلقة حول حقيقة السياسيات العربية، بل ومواقف بعض القوى الفلسطينية البحتة، منها. فمعظم الدول العربية تراوغ بهذا الشأن بالضرب مرة على الحافر ومرة على القدم.. هي مثلا ترفض جهرة موقف المانحين الدوليين الذي يتخذ من العون الاقتصادي المالي مطية لأهداف سياسية و"تناشد" الآخرين عدم معاقبة الشعب الفلسطيني على خياره الديمقراطي وإعطاء فرصة لحماس كي تتدبر أمر المطلوب منها. بيد أنها تبدو مشاركة في هذا العقاب واعتصار هذه الحركة وحكومتها وشعبها، كونها عزفت عن إسنادهم بالعون البديل، ولم تشكل -شبكة أمان ضد الضغوط المعقودة الأمريكية- وبالتبعية والمحاكاة أوروبيا- على رقاب المصارف والبنوك التي قد تتعامل مع موظفي سلطة حماس وكوادرها، هذا علاوة على أن بعض الدول العربية أثارت بشكل فجائي ولا سابقة له اتهامات بتهديد حماس لأمنها تصريحا (كالأردن) أو تلميحا (كمصر).

ويسترعى الانتباه أن الرياض والقاهرة تخلتا تماما عن مرحلة مجاملة حماس وحكومتها، بالطلب إليها مباشرة في قمة شرم الشيخ الثنائية (31/5/2006) قبول مبادرة السلام العربية الشهيرة (القمة العربية- بيروت2002)، وذلك على الرغم من انطواء المبادرة على واحد من المحذورات في إيديولوجية هذه الحركة وبرنامجها الحكومي وهو الاعتراف بإسرائيل. غير أنه للإنصاف، ربما استبطن موقف العاصمتين حث حماس على التفكير إيجابيا في هذه المبادرة، باعتبار أن حماس تضطلع فعلاً بالنظر فيها، كما قد يقال إن الرياض والقاهرة بوزنيهما العربي الثقيل إنما يستهدفان مساعدة حكومة إسماعيل هنية على تسويق قبولهما للمبادرة، باعتبار أن حماس وحكومتها لا يسعهما معاكسة سياسة للتسوية اشتقها النظام العربي برمته.

لكن المهم هنا أن الخطاب العربي الرسمي موجه لاستحثاث حماس على التعاطي مع خطاب مُغاير لنهجها، بأكثر مما هو داعم لها بغير حساب. ومؤدى ذلك أن صمود هذه الحركة على مواقفها سيضيق الفرص أمامها على صعد كثيرة، وبحسب السوابق فإن كيانا فلسطينيا سياسيا لم يقدر له الديمومة في موقعه القيادي إذا ما تكالبت عليه الضغوط أو تم عزله عربيا.

تواطؤ شركاء النظام

الحوار الفلسطني.. من أجل الأزمة أم تعميقها؟

ولعل الأهم من ذلك كله دلالة على مصير حكومة حماس هو تلاقي سنادين هاتين البيئتين المقبضتين حولها عربيا ودوليا (وإسرائيل بالطبع) مع مطارق بعض شركاء النظام الفلسطيني. إذ يقلب هؤلاء من كل حجر بغية تطويع هذه الحكومة وإدخالها بيت الطاعة الخارجي تحت عناوين وذرائع التفافية: كضرورة التمييز بين مقتضيات الإيديولوجيا والسياسة الواقعية، أو الاختلاف بين ممارسات المعارضة والحكم، والعمل تحت سقف الشرعية الدولية وشروط المجتمع الدولي فمثلاً في "الرباعية الدولية"، والوفاء بالالتزامات الفلسطينية العابرة للتغيرات الحكومية وفي طليعتها خريطة الطريق، والاستماع إلى نداءات البطون الجائعة بفعل تصلب حماس ودوجمائيتها وقلة خبرتها في الإبحار بالقضية الوطنية في الأجواء العربية والإقليمية والدولية العاصفة.

والواقع أن حكومة حماس طرحت ولا تزال دفوعا قوية مضادة لهذه الذرائع، قد يكون أبرزها أن أسلافها بقيادة حركة فتح، في مركز السلطة قد تعاملوا مع كافة المقتضيات المذكورة لفترة ممتدة دون طائل. ومع ذلك فإنها لا تغلق الباب أمام فرصة أخرى على مضمار التعامل بالمنطق ذاته يمكن إتيانها من لدن رئاسة السلطة ومنظمة التحرير بزعامة محمود عباس. لكن هذا الطرح لم ولا يلقى القبول من التحالف المضاد الذي يبدو أنه لا يرضي بغير استسلام الحركة لشروطه أو زوالها من مركز السلطة. ومن المدهش أن قطاعا مرموقا من فتح يفضل التخندق عن قصد أو غير قصد في صفوف هذا التحالف؛ الأمر الذي يوسع هوامش التشاد والاحتقان في الداخل الفلسطيني، ويهيئ المناخ الداخلي للانفلات نحو الاقتتال الأهلي البغيض. ويقينا وقفت بعض تجليات هذا التوقع، كالاشتباكات المسلحة الدامية المتقطعة بين عناصر من القطبين فتح وحماس، خلف التعجيل باستدعاء آليات "الحوار الوطني" مجددا.

وثيقة الأسرى والحوار المشروط

والأصل أن الدعوة لهذا الحوار صدرت عن حكومة حماس ممثلة في رئيس "المجلس التشريعي" عزيز الدويك، وعززتها استجابة رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير والسلطة الوطنية محمود عباس، وكان المفترض أنها دعوة مفتوحة لكل القوى الفلسطينية وبغير شروط مسبقة، بهدف الوصول إلى قواسم مشتركة إزاء كافة قضايا العمل الوطني وانتشال الحالة الفلسطينية من خطر الصدام الأهلي المحلق، وذلك بعد لقاءات قيادية ثنائية بين حركتي فتح وحماس أعلنت حرمة الدم الفلسطيني ومطاردة العناصر التي تتخطى هذا الخط الأحمر.

غير أن الذي حدث بالفعل على أبواب الحوار هو صدور ما يعرف بوثيقة أو مبادرة الأسرى التي صاغها أساسا قياديون من فتح وحماس في السجون الإسرائيلية، وهي تتضمن إجمالا التسوية مع إسرائيل على أساس قرارات الشرعية الدولية وإقامة دولة فلسطينية في حدود 1967 واعتبار منظمة التحرير الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، عندئذ تلقفت فتح بما فيها الرئيس عباس الوثيقة باعتبارها أرضية للحوار وأردف عباس هذا الموقف بطرح مهلة 10 أيام لا أكثر للتوافق عليها، فإن لم يحدث ذلك فسوف يعرض الوثيقة للاستفتاء الشعبي، وأوضح لاحقا بأن هذا الاستفتاء هو في حدود الضفة وغزة فقط!.

كان هذا العرض وما زال مدعاة لتجدد الجدل والتعارض بين فتح وحماس داخل الوسط السياسي الفلسطيني عموما، لا سيما أن حماس رأت أن الوثيقة ليست مكتملة الأركان وأن صيغة الاستفتاء أقرب إلى التهديد بتجاوز نتائج انتخابات قريبة العهد وتفتقر للأساس القانوني، ولا توجد ضمانات لئن يرفع عنها الحصار حتى لو وافقت على محتوياتها.

ومهما تكن نتيجة هذا الجدل، فإن حماس تجمع على عدم الاعتراف بإسرائيل الذي تنطوي عليه الوثيقة، أقله بلا مقابل كبير أو بشكل مسبق قبل ضمان بتجسيد الدولة الفلسطينية في حدود 1967، كما أنها ترفض قضية الاستفتاء على ما تم بنظرها الاستغناء عليه انتخابيا!.

وهي تعتقد، ولعلها محقة، بأن تلازم عرض الحوار والاستفتاء سيفضي حتما لمصادرة الأول وجعل الثاني خيارا وحيدا، والأرجح أن التفاعلات تصب في هذا الاحتمال.. تشي بهذا تحركات محمود عباس وقطاعات فتح العامدة إلى توسيع شعبيتهما في الشارع العام الفلسطيني بالجولات الميدانية وتيسير التظاهرات الموجهة ضد حكومة حماس.

اليوم التالي للسقوط

الشاهد إجمالاً أن واحدة من البيئات المحيطة، لا توفر أجواءً مواتية لإقلاع حكومة هنية، وأن مرادات الضاغطين على هذه الحكومة تتعلق بخيار إزاحتها من المشهد الفلسطيني، وربما الشرق أوسطي. لا يستطيع رئيس السلطة استخدام حقه القانوني في إقالة الحكومة، فأغلبية حماس التشريعية لا تسمح بتمرير أية توليفة حكومية بديلة لا ترضى عنها الحركة، ولن يؤدي الاستفتاء إلى تنفيس الاحتقان السياسي الفلسطيني، فهو لا يحظى بموافقة حماس ابتداءً.. وإن جاءت نتيجته رافضة لوثيقة الأسرى تعين على عباس الاستقالة.. وسيكون ذلك مدعاة لمزيد من غضب فتح وتشديد الحصارات المفروضة على حكومة حماس.

ويتداول البعض خيار لجوء حكومة حماس للاستقالة والتنحي من تلقاء ذاتها، بعد بيان أن حماس آثرت مبادئها على الحكم والسلطة. ويستشرف هؤلاء أن إيداع الحركة أمانة القضية للشعب الفلسطيني مرة أخرى سيحفظ عليها كيانها من احتمال الانشقاق ويُجلي مجددا شعبيتها وقد تُعيد أية انتخابات "نزيهة" تالية سيناريو ما بعد 25 يناير 2006 الذي تتوالى مشاهده راهنا!.

على أن سقوط حكومة حماس لن يكون حدثا عابرا، تماماً كما هو الحال مع صعودها. وربما كان أخطر ما سيتداعى عن هذا الحدث هو اطمئنان أعداء القضية الفلسطينية إلى نجاعة الأدوات الاقتصادية والمالية، زائد الأدوات القمعية الإسرائيلية الشهيرة، في النيل من هذه القضية، والتلاعب بمصائر القائمين عليها واعتصارهم. ولا ضمانة وقتئذ لئلا يُعيد هؤلاء الكرة مع خلف حماس الذي سيكون ألين عريكة وأطرى عودا وأقل صلابة منها!.

وقد تنقسم حماس على نفسها جراء ارتفاع صوت التشدد والمتشددين الإيديولوجيين، ما يُتيح للبيئة الفلسطينية الاستماع لنداءات قاعدة بن لادن ومن على غرارها من التنظيمات غير البراجماتية بالمرة. وليس من المستبعد احتكام بعض الغاضبين من حماس والشامتين من فتح إلى لغة السلاح، لا سيما إذا انفلتت سطوة شيوخ حماس العقلاء على أنصارهم وعناصرهم، وستترك تجربة حماس في السلطة آثارا ومعالم على طريق شروط التسوية فلسطينيا، حتى لقد يصعب على ورثتها انتهاك هذه الآثار والأخذ بما هو دونها بسهولة ما كان يجرى سابقا.

كذلك لن تمر هذه التجربة بلا أصداء في رحاب التيارات الإسلامية السياسية بشقيها المعتدل البراجماتي والمتشدد الدوجمائي، وقد تميل الموازين لصالح الأخيرين عربيا وإقليميا، وسيكون حديث الغرب بعامة حول الإصلاح الديمقراطي وحقوق الإنسان (والشعوب) مدعاة للسخرية ومزيدا من الاشمئزاز وعدم الصدقية، وقد تبدو انعكاسات هذه التجربة على العلاقات بين النظم العربية والمعارضات الإسلامية بالغة السوء والتربص المتبادل والتشكك في آليات الحوار والاحتكام لصناديق الاقتراع.

واضح والحال كذلك، أن ترجل حماس أو إفشالها سيحمل رياحا عاصفة فلسطينيا وإقليميا ودوليا، تماما كما هو الحال غداة صعودها بل أكثر.


** كاتب ومحلل سياسي فلسطيني.

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع