بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
التعريب أم المعارك الثقافية في المغرب العربي

    مصطلح "التعريب" في أقطار المغرب العربي يعني إحلال اللغة العربية مكان أي لغة أجنبية سواء في التعليم أو في الإدارة، وقد يستغرب البعض من أهل المشرق، ويتساءلون: هل يعقل أن يكون هذا الإشكال مطروحًا في بلد عربي بعد مرور أكثر من أربعين عامًا على استقلاله؟!...
للقضية جذورها التاريخية التي تعود إلى فترة الاستعمار، فالمعلوم أن كلاً من الجزائر ثم تونس والمملكة المغربية قد تعرضت على التوالي إلى الاحتلال الفرنسي، وتميز هذا الاحتلال الذي اتخذ شكل الحماية بأنه كان احتلالاً شاملاً، لم يقف عند مستوى النهب الاقتصادي والقضاء على السيادة الوطنية، وإنما امتد إلى الجوانب الثقافية والاجتماعية، فخلق بذلك حالة انشطار على جميع مستويات بنية المجتمعات المغاربية، أصبح هناك اقتصاد حديث وآخر تقليدي، تعليم عصري وآخر أهلي، قضاء أجنبي مقابل قضاء شرعي، إدارة حديثة بالتوازي مع تنظيم اجتماعي عتيق، وهكذا بالنسبة لجميع القطاعات، كان الهدف الاستعماري البعيد من هذا التقسيم تقطيع البنية، ثم إلحاق مجتمعات المنطقة بفرنسا الكبرى، وقد تجلّى ذلك بوضوح خاصة في المثال الجزائري، حيث كان الفرنسيون يصفون عاصمة الجزائر بباريس الصغرى، وكانت آثارهم المعمارية واضحة المعالم في البنية التحتية للمدينة وتخطيطها العام ومبانيها الرئيسية، لم يخطر ببال الفرنسيين، حكامًا ونخبة ومواطنين أن يأتي يوم يضطرون فيه لمغادرة بلاد المغرب، وبالأخص الجزائر "الفرنسية" على حد تعبيرهم.
لكن وقد مرت الأيام للمرحلة الاستعمارية.. ماذا كان مصير اللغة العربية بعد أن استقلّت البلدان الثلاثة وظهرت إلى الوجود دولها الوطنية؟
قيادات فرنسية
عندما حصل الاستقلال أولت الحكومة الثلاث اهتمامًا كبيرًا بمسألة التعليم، واختار جمعيها منهج التدريج في تعريب المقررات التربوية، كان الرأي السائد أن تدريس المقررات العلمية باللغة العربية يحتاج إلى وقت ومراحل، لكن الثابت أن القيادات السياسية والثقافية التي قادت الحركات الوطنية في المنطقة كان معظمها على صلة بالثقافة الفرنسية، والعديد منهم تخرجوا من الجامعات الباريسية، لهذا كانوا ينظرون إلى اللغة الفرنسية كأداة رئيسية للانفتاح على العالم الغربي والتخاطب معه، وإضافة إلى ذلك تبين بعد جلاء القوات الاستعمارية أن تركة الاستعمار ثقيلة ومعقدة، وأن الهياكل الاقتصادية والمؤسسات التربوية، والتكوين العلمي لجزء هام من النخب المحلية مرتبطة إلى حد كبير بالاقتصاد والنظم القانونية والتعليمية الفرنسية، من هنا حافظت هذه اللغة الأجنبية على وجودها، وبقيت -رغم بعض الإجراءات- تُشكِّل لغة التعامل والتخاطب داخل أوساط الإدارة المحلية، وبين مكونات الأوساط السياسية والجامعية، وحتى بين المواطنين أنفسهم كما هو الشأن في الجزائر، بل إن لغة ثالثة هجينة ولدت في هذا الإطار، وهي عبارة عن مزج بين العربية الدارجة والفرنسية.
يصعب في هذا المقال تغطية السياسات اللغوية في كامل المنطقة، لهذا سنكتفي بالإشارة إلى التداعيات السياسية والأيديولوجية لمسألة التعريب في كل من الجزائر وتونس.
الجزائر
كانت الجزائر أول بلد مغاربي يخوض تجربة تعريب شبه كامل ببرنامج التعليم، وذلك نتيجة رد فعل قوي ضد اضطهاد استعماري وحشي مورس طويلاً ضد الجزائريين منذ انتصاب الاحتلال عام 1830، لكن نظرًا للسرعة الشديدة التي تمت بها عملية التعريب، ووجود كتلة فرنكفونية (أي متشبعة باللغة والثقافة والقيم الفرنسية) داخل أجهزة الحكم وخارجه، وانبعاث تيار أمازيغي (إفريقي بربري) قوي يطالب باحترام وتقنين تدريس اللغة البربرية، فقد تحولت مسألة التعريب إلى قطب رحى لإدارة معارك سياسية وثقافية بين هذه الأطراف وبين دعاة التعريب الذين يشكلون قوة ضاربة في المجتمع الجزائري.
عندما صدر قانون التعريب في الفترة الأخيرة من حكم الرئيس الأمين زروال، كادت الجزائر تتورط في حرب أهلية أخرى غير تلك التي اندلعت إثر إلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ بأغلبية الأصوات خلال الدورة الأولى، لقد نزل المواطنون الجزائريون من أصل أمازيغي إلى الشوارع منادين "لسنا عرب… نحن بربر"، ولولا حكمة القيادة، والنجاح في تطويق الحركة الاحتجاجية ضد قانون التعريب، ومساهمة مسئولة من قبل بعض زعماء المناطق القبائلية، لانفرط العقد الاجتماعي الجزائري، خاصة وأن قوى فرنسية تدعي "الاستنارة والدفاع عن حقوق الإنسان" قامت بتحريض البربر على الثورة والتمرد؛ من بينهم على سبيل المثال الفيلسوف الفرنسي المعروف "جون فرانسوا ريفال" الذي وصف قانون التعريب بـ: "التطهير اللغوي الذي يمكن أن يدفع بالنخب الجزائرية إما إلى البؤس أو الهجرة" لأنها حسب رأيه "جميعها فرنكفوني مثل المحامين الذين لا يتولى أفضلهم الدفاع عن موكليه إلا باللغة الفرنسية، ويتساءل كيف سيصبح مآل الحياة الاقتصادية التي تجري أساسًا بالفرنسية" ويبلغ به الأمر إلى حد القول: "بأن المزعج في هذا القانون أنه لم يستوحَ فيما يبدو من التعلق باللغة الوطنية، أو بإحدى اللغات الوطنية، بقدر ما هو نابع من كراهية فرنسا التي تعطي الجزائر عديد العشرات من المليارات كل سنة، وتستقبل الملايين من أبنائها".
إن قضية التعريب في الجزائر تحولت عبر السنوات إلى معركة مفتوحة، تحتد أحيانًا وتخفت أحيانا أخرى بين جبهتين، لكل منهما أنصاره ومصالحه وأدوات ضغطه وتكتيكاته وتحالفاته السياسية والثقافية، وإذ أصرت الدولة على التمسك بتنفيذ قانون التعريب مع فتح المجال للاهتمام باللغة الأمازيغية باعتبارها جزءًا من الهوية الوطنية، لكن ذلك لم يمنع من أن يستمر الإشكال اللغوي مطروحًا بحدة في الجزائر على صعيدي المؤسسات والمجتمع.
تونس
في تونس الوضع مختلف نسبيًّا فهي لا تملك أقلية عرقية أو دينية، المجتمع التونسي نسيجه متجانس ومتشابك إلى حد كبير، مما ساعد كثيرًا على تأسيس فكرة الوحدة الوطنية التي قامت على أساسها جولة الاستقلال؛ فالبربر انصهروا في تونس بصفة تكاد تكون تامة، لكن رغم ذلك استمرت قضية التعريب الكامل مطروحة حتى يومنا هذا.
كان الرئيس بورقيبة محبًا للّغة والثقافة الفرنسية إلى حد الافتنان، كان يتقنها جيدًا مما ساعده على إدارة المفاوضات مع الحكومات الفرنسية المتعاقبة بنجاح طيلة مرحلة النضال الوطني، كان يعتقد أن فرنسا تشكل نموذجًا للحضارة التي يجب اتخاذها مثالاً يحتذى، بينما كان يرى في التاريخ العربي وفي اللغة العربية مظاهر سلبية تتعارض مع الحداثة ومقومات الدولة العصرية، ورغم نص الدستور التونسي في مادته الثانية على أن "دين الدولة الإسلام ولغتها العربية" انطلاقًا من هذه الخلفية لم تطرح مسألة التعريب في تونس إلا مع بداية السبعينيات، يومها ثار جدل كبير حول تعريب برنامج الفلسفة الموجه لتلامذة الباكلوريا (شهادة ختم دروس المرحلة الثانوية)؛ لأن السلطة يومها ظنت أن من أسباب انتشار الماركسية في صفوف الشباب -حيث اكتسح اليسار الجامعات والمعاهد الثانوية- دراسة مبادئ الشيوعية ضمن مقرر الفلسفة، وبما أن هذه المادة كانت تدرس باللغة الفرنسية، فقد اتُخذ قرار بتعريبها ومن ثم "تطهيرها" من النصوص أو الإيحاءات الماركسية أو العقلانية المتضمنة لمعاني الثورة أو نقد أسس الدولة الطبقية، ولا يزال اليساريون الماركسيون التونسيون يربطون بين تعريب الفلسفة وظهور الحركة الإسلامية في تونس، نظرًا لتزامنهما، ويظنون خطأ أن تحجيم الفكر العقلاني مهد لانتشار ما يصفونه بـ "الفكر الخرافي"!!
استمرت مسألة التعريب متعثرة ومرتبطة بما يحدث على الساحة السياسية والمحلية أو الإقليمية من تطورات وتفاعلات، ففي الفترة الأخيرة تحديدًا خلال شهر نوفمبر الماضي تم حثّ أصحاب المحلات والشركات على كتابة لافتاتها باللغة العربية فقط، وقد اضطر الكثير منها وضع غطاء أبيض على الواجهات المكتوبة بأحرف لاتينية في انتظار الامتثال الإداري الذي صدر قبل سنتين، بعد ذلك وجه الوزير الأول منشورًا إلى كل الوزارات طالبها بأن تصبح كل وثائقها الرسمية مكتوبة باللغة العربية، أما المراسلات مع الجهات الأجنبية فبعد أن كانت الفرنسية هي اللغة المعتمدة بدرجة أولى، فقدت الآن هذه الأولوية، وتوجت الإجراءات الأخيرة بمنشور حكومي آخر صدر في العاشر من شهر يناير2000، ينص حرفيًّا على "تحجير استعمال أي لغة أجنبية" وبالتالي وجدت البنوك والمصارف وغيرها من المؤسسات المالية والاقتصادية نفسها مضطرة لاعتماد اللغة العربية في برامجها الإعلامية.
هذه القرارات الرسمية أعادت من جديد النقاش والصراع بين دعاة التعريب الشامل وبين المهتمين بكونهم فرنكفونيين حتى العظم، الأوائل اعتبروا القرارات الحكومية من شأنها، أن تضع حدًا للتضارب المفتعل بين دستور البلاد واعتبار العربية اللغة الرسمية وبين طبيعة التعامل داخل الإدارة، واتهموا خصومهم بكونهم طابورًا خامسًا أو على حد تعبير الشاعر "الصغير أولاد أحمد: "أبناء الجالية التونسية بتونس"، الذي اتهمهم بكونهم يرغبون في العودة إلى ماضٍ استعماري قريب، مثلهم مثل الأصوليين الذين يحنون إلى ماضٍ ديني بعيد"؟.
أما أصحاب الطرف الآخر من الجبهة، فقد وصفوا هذه الإجراءات بالارتجال، واعتبروها رد فعل على الحملة التي قامت بها وسائل الإعلام الفرنسية ضد السلطات التونسية أثناء الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأخيرة، تلك الحملة التي دفعت بالجهات التونسية إلى منع عدد أوسع من الصحف الفرنسية، وكذلك إيقاف التقاط القناة الفضائية (فرنسا2).
هكذا تستمر قضية التعريب في المغرب العربي مطروحة بحدة في الأوساط السياسية والثقافية، حتى وصفتها إحدى المجلات التونسية بـ"أم المعارك" إنها ليست مجرد إشكال لغوي، بقدر كونها إشكالًا سياسيًا وثقافيًا واقتصاديًا ذا أبعاد استراتيجية تتعلق بموازين القوى، وتوازنات محلية وإقليمية.
هذا الصراع مرشح لمزيد التفاعل والتعقد، بسبب دخول عامل ثالث ليس بسيطًا يتمثل هذا العامل في الزحف الصامت والقوي للغة الإنجليزية التي أصبح لها جمهور، وخريجون يعدون بالألوف من الجامعات الأمريكية، ومؤسسات اقتصادية وعلمية كبرى تتمركز في مختلف العواصم المغاربية، يضاف لكل ذلك مشروع الشراكة الأمريكية المغاربية التي طرحتها واشنطن على حكومات المنطقة ورجال أعمالها، خاصة بعد أن أعلن وكيل وزارة التجارة الأمريكي (روبرت مالت) في لقائه بالصحافيين مؤخرًا في تونس أن حكومة بلاده رصدت ميزانية بخمسة ملايين دولار، ستكون في شكل توظيفات على المشاريع الناتجة عن هذه المبادرة، هكذا تتسارع الأحداث نحو صياغة وضع جديد لن تصبح فيه منطقة المغرب العربي منطقة خاضعة فقط للنفوذ الفرنسي الأوروبي حسب التقسيم التقليدي للجغرافيا السياسية لشمال أفريقيا
صلاح الدين الجورشي - تونس

ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع