"هنانو" ... الحالم بالجوزاء!
"يحلم بمجد لا تطاوله الجوزاء"، هذه العبارة كتبها الأديب محمد الشراباتي، بعد وفاة الثائر الحالم بالمجد العربي ضد الاستعمار الفرنسي "إبراهيم هنانو"، وقال عنه: كان هنانو على رأس قبضة رجال أشداء، وأبطال تضحية وفداء، نذروا أنفسهم للوطن واستقلاله، وكانت ثورته مشعل كرامة، وعنوان إباء.
ولم يكن "هنانو" في جهاده ضد الاستعمار الفرنسي إلا صفحة ناصعة في تاريخ سوريا، حيث انضوى تحت لواء ثورته نفر من البواسل، جعل بهم من جبل الزاوية - قرب حلب- منارًا تشع منه البطولات لتملأ الدنيا، وتروي أحاديث التضحية والفداء.
في قرية صغيرة غرب مدينة حلب، تابعة لمنطقة حارم، تدعى كفر تخاريم، ولد إبراهيم هنانو عام 1869، وكان والده معروفًا بشدته في الحق ومواجهته لظلم الوالي، وورث إبراهيم عن أبيه مواجهة الظالمين وحب الوطن. ولمّا أتم دراسته الابتدائية في حارم، والثانوية في حلب، ذهب إلى الآستانة - عاصمة الخلافة العثمانية حينذاك- ليدخل فيها المدرسة الشاهانية التي تُخرج رجال الإدارة والحكم.
لمّا تخرَّج من هذه المدرسة عاد لسوريا، وعمل في القضاء بديار بكر. ولما ترك العثمانيون سوريا كان إبراهيم من بين أعضاء أول مؤتمر وطني (برلمان)، وعندما تلبد الجو بغيوم الاستعمار وتقدمت قواته عام 1920 نحو ميسلون، كان "هنانو" قد تم تعيينه رئيسًا لغرفة حاكم حلب، ومن موقعه بدأ في تنظيم حرب عصابات كانت هي البداية لمقاومة المغتصب الفرنسي.
في ميسلون كانت المعركة غير متكافئة، وسقط فيها الشهيد البطل يوسف العظمة، رفيق "هنانو" في الجهاد، وتقدمت القوات الفرنسية بعدها واحتلت سوريا بلدًا إثر بلد، ولما دخل الجنرال "ده لا موط" حلب، غادرها هنانو إلى قريته ليشعل في جبل تخاريم ثورة ضد المستعمر، وانتقل منه إلى جبل الزاوية الواقع بين أدلب وحماة وحلب، ثم اتخذ من مدينة أريحا الواقعة على سفح جبل الأربعين مقرًا لقيادته، وشكّل هناك حكومة تنظم أمور الثورة وتدير شئونها، حتى استطاعت الفرق التي يقودها أن تحرر مدينة أدلب ومدينتي المعرة والجسر، وسارت خطى التحرير حتى طرقت أبواب حلب واللاذقية، فاضطر الفرنسيون إلى طلب الهدنة.
واجتمع "هنانو" مع الكولونيل "فوان" ثم مع الجنرال "غوبو"، في هذه الاجتماعات ظهرت قدرات "هنانو" السياسية وحكمته التفاوضية، بعد أن أظهر القتال شجاعته وحكمته في القيادة التي دفعت الجماهير للالتفاف حوله، دون أن يكون وراء هذا الالتفاف غير ثقتها في إخلاص "هنانو" للجهاد وحبه للوطن وقدرته على القيادة والتخطيط. ولما عاد "هنانو" من الاجتماع أبلغ قيادات المجاهدين بخطط الفرنسيين التي استخلصها منهم، وأجمع أمره معهم على مواصلة الجهاد حتى الشهادة أو النصر.
وأذن الله أن يتفرَّق زعماء الثورة في البلاد القريبة ليعيدوا كرة الجهاد، فذهب "هنانو" إلى عمّان ومنها نزل إلى القدس الشريف، وهناك قبض عليه الإنجليز وسلّموه إلى حلفائهم الفرنسيين ليحاكموه، واستغل "هنانو" المحاكمة ليشرح قضية بلاده بصوت يسمعه القاصي والداني وأجهزة الإعلام التي احتشدت لتتابع المحاكمة، وظهر جليًا في المحاكمة الوعي الكامل لهنانو بقضية بلاده، وشخصيته المؤثرة فيمن حوله، وقدراته الفائقة على الإقناع، مما أرغم الفرنسيين في النهاية على الإفراج عنه؛ حتى لا يثور الرأي العام الدولي ضدهم.
حاول الفرنسيون بعدها مع المجاهد سبيل الرشوة، فعرضوا عليه مبلغًا كبيرًا من المال على أن يترك سوريا ويرحل بحجة الاستشفاء، إلا أنه رفض بقوة ردعتهم عن تكرار المحاولة، ولم يكن أمامهم إلا سبيل الاغتيال، فاستأجروا رجلاً يُدعى "نيازي كوسا" أطلق عليه رصاصة لم تصب إلا طرف حذائه! وهكذا كانت إرادة الله.
بقي "هنانو" في جهاده، واتجه إلى الشباب يُشحذ عزائمهم، ويكوِّن منهم صف الجهاد الذي يحمل الراية بعد أن يذهب الرواد لبارئهم، كاشفًا بذلك عن عمق بصيرة ووضوح إيمان. واطمئن إلى من يحمل الراية من الشباب، وكان المرض قد هدّه، فآثر أن يلقى ربه، حيث جاء إلى هذه الدنيا، فعاد إلى قريته ليسلم الروح، ويفضي إلى ما قدم في أكتوبر عام 1935، تاركًا ثورة الجهاد مشتعلة. فهو وإن لم ينعم برؤية بلاده حرة، إلا أنه ترك سيرة من الجهاد ومثلاً يضرب وطريقًا يُحتذى، وما زال العرب يحلمون - بعده - بمجد يطاول الجوزاء!!
- حسام الدين السيد -
مساحات للوعي
|
|
|