|
مصر.. استمطار السيولة
مغاوري
شلبي
باحث
اقتصادي
السيولة
في الاقتصاد هي الدماء بالنسبة للقلب؛ تغذيه
وتبث النشاط فيه، فإذا زاد أو انخفض تدفقها عن
حد معين تسبب ذلك في مشاكل صحية تتمثل في
ارتفاع الأسعار والتضخم في حالة ارتفاع نسبة
السيولة، والكساد والركود في حالة انخفاضها، وإذا
استفحل الأمر قد يقع الاقتصاد فيما يعرف بـ
"فخ السيولة" الذي يصعب الفكاك منه،
وتكون تكاليف الخروج منه عالية، وربما يؤدي
ذلك في النهاية إلى انهيار الاقتصاد.
والسيولة ببساطة شديدة هي النقود
المتداوَلَة داخل الاقتصاد، وفي خلال
السنوات الأخيرة بدأت مصر تعاني من ركود
اقتصادي وأزمة في السيولة أخذت في التزايد
خلال الربع الأول من عام 2000م، فما حقيقة هذه
الأزمة؟! وما هي أعراضها والأسباب التي تقف
وراءها؟! وما طرق العلاج التي اقترحتها
الحكومة؟! وهل ستتمكن مصر من الخروج من هذه
الأزمة أم أن السيولة في مصر أصبحت معضلة
اقتصادية؟! هذه الأسئلة وغيرها نحاول الإجابة
عنها في السطور التالية.
مضمون الأزمة وأعراضها
بعد
انتهاء المرحلة الأولى من برنامج الإصلاح
الاقتصادي حققت مصر التوازن النقدي والمالي
بعد أن تحسنت معظم مؤشرات الاقتصاد القومي،
وارتفعت معدلات النمو لتصل إلى 6% بنهاية عام
1999م، وانخفض عجز الموازنة ليصل إلى أقل من 1%،
وتمَّ كبح جماح التضخم ليصل إلى 3.2%، ونجحت
الدولة في تكوين احتياطي من النقد الأجنبي
لدى البنك المركزي تجاوز في عام 1998م مبلغ 20
مليار دولار، وبعد ذلك بدأت مصر في المرحلة
الثانية من الإصلاح الاقتصادي والتي ركزت على
عملية الإصلاح الهيكلي لكي تنعكس نتائج
الإصلاح الاقتصادي على حياة المواطن المصري
العادي، وفي غمرة هذه النجاحات والسيل
المنهمر من الإشادة الدولية، وخاصة من مؤسسات
التصنيف الدولية، بما حققه برنامج الإصلاح
الاقتصادي في مصر بدأت أعراض مرض جديد تظهر
على السطح الخارجي للاقتصاد المصري كأحد
الآثار الجانبية لوصفة العلاج
التي قدمها الصندوق والبنك الدوليين
لمصر، وهذا الداء هو ما يعرف بأزمة السيولة
وحالة الركود في الاقتصاد المصري، والتي بدأت
عام 1998م وأخذت في التزايد بمرور الوقت وعلت
الشكوى منها من القطاع الخاص الإنتاجي
والأفراد العاديين من الشعب المصري، وقد بدأت
أعراض هذا الداء تظهر على جِلْد الاقتصاد
المصري مع الربع الأول من عام 2000م، وأهم هذه
الأعراض ما يلي:
ـ
وجود فائض في المعروض من السلع والخدمات
وانخفاض الطلب عليه وزيادة المخزون السلعي
سواءً من السلع الأساسية أم الكمالية أم حتى
من العقارات التي كان سوقها يعاني من نقص شديد
في المعروض خلال السنوات القليلة الماضية
بسبب أزمة الإسكان في مصر.
ـ
صعوبة تصريف المنتجات المختلفة حتى في فترات
التخفيضات والأوكازيون أو مهرجان التسوق
الذي ابتكرته الحكومة في السنوات الأخيرة
لتصريف المخزون الراكد من السلع، ورغم برامج
البيع بالتقسيط التي تتفنن فيها الشركات
وتجار الجملة والتجزئة.
ـ
زيادة الضغط على سعر صرف الجنيه المصري أمام
العملات الأجنبية وخاصة الدولار بما جعل
الدولار يصل لحوالي 370
قرشًا لأول مرة، وهو ما دفع البنك المركزي
إلى استخدام الاحتياطي من النقد الأجنبي
لمساندة العملة المحلية الأمر الذي أدى إلى
تراجع الاحتياطي بنسبة 30% خلال عام واحد فقط
هو عام 1999م.
ـ
هبوط أسعار العديد من السلع ذات الأسواق
الواسعة في مصر بصورة ملحوظة مثل: الأراضي
والعقارات والسيارات والتليفون المحمول،
وامتداد ذلك إلى أسعار السلع العادية
كالفواكه والخضراوات والملابس والأدوات
المنزلية والكهربائية.
ـ
تعثر العديد من المستثمرين والمشروعات عن
سداد التزاماتهم تجاه البنوك في موعدها،
وهروب بعض رجال الأعمال المعسرين إلى الخارج
ومنع آخرين من السفر بسبب عدم السداد؛ وذلك
لأن المشروعات التي اقترضوا من أجلها لم تدخل
مرحلة الإنتاج وتحتاج إلى مزيد من السيولة.
ـ
عدم قدرة عدد من الشركات على سداد التزاماتها
تجاه العملاء أو حتى تجاه العمال، حيث تشير
الأحداث إلى أن حوالي 15 شركة لم تتمكن من سداد
أجور العاملين بها عن شهر فبراير 2000م، أيضًا
تراجعت نفقات معظم الشركات على الدعاية
والإعلان سواءً كانت في الصحافة أم
التليفزيون وتوقفت عن سداد ثمن إعلانات سابقة
أو تأخرت في سدادها لوسائل الإعلام .
موقف الحكومة من
الأزمة
إن
مرور أي اقتصاد في العالم بأزمة مهما كان
نوعها أمر وارد، ولكن المهم هو طريقة وسرعة
التعامل مع هذه الأزمة من جانب راسِمِي
السياسات الاقتصادية؛ وذلك لأن عدم الاعتراف
بالأزمة رغم وجودها والتحلي بالشفافية في
معالجتها يؤدي إلى زيادة هذه الأزمة
وتفاقمها، كما أن تأخر حلِّها قد يُحوِّل
الأزمة من مجرد مشكلة عابرة إلى معضلة
اقتصادية تكلف الاقتصاد القومي الكثير، وفي
مصر رغم أن الكثيرين قد نبهوا إلى أزمة
السيولة والركود في الاقتصاد المصري إلا أن
الحكومة المصرية ترددت كثيرًا في الاعتراف
بهذه الأزمة وتطور موقفها من الإنكار التام
لوجود الأزمة إلى الاعتراف الصريح بوجودها،
ففي البداية – وحتى
وقت قريب – لم يعترف البنك المركزي المصري -
وهو الجهة المسؤولة عن السياسة النقدية في
مصر – بأن هناك أزمة حقيقية في السيولة
بالعملة المحلية، ويستدل محافظ البنك
المركزي على ذلك بمؤشرات السيولة والتي توضح
أن حجم السيولة في الاقتصاد المصري ارتفع من
222.5 مليار جنيه في عام 1998م إلى 244.052 مليار جنيه
في نهاية عام 1999م، أي أنها زادت بحوالي 21.6
مليار جنيه، كما تشير أرقام البنك المركزي
إلى أن حجم السيولة المتداولة خارج الجهاز
المصرفي المصري قد بلغ 35.1 مليار جنيه في عام
1999م مقابل 32.1 مليار عام 1998م، ولكن هذه الأرقام
لا تعكس الوضع القائم على أرض الواقع ولا
يقتنع بها القطاع الخاص أو المواطن المصري
الذي يستشعر الأزمة .
ولكن الملاحظ خلال الربع الأول من عام 2000م
أن موقف الحكومة بدأ في التغير التدريجي،
فبعد إنكار وجود الأزمة، وخاصة من جانب محافظ
البنك المركزي، أصبحت الحكومة ترى أن مشكلة
السيولة هي مجرد مشكلة عابرة وليست أزمة وإن
كانت لها ملامح الأزمة، ثم كان التطور
المفاجئ في موقف الحكومة من هذه الأزمة في شهر
أبريل 2000م، حيث اعترفت الحكومة صراحة بوجود
الأزمة على لسان رئيس الوزراء أو على لسان
وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية، بل إن
الخطير في الأمر أن وزير الاقتصاد والتجارة
الخارجية الذي يرأس المجموعة الاقتصادية في
الحكومة ذهب إلى أبعد من ذلك حين أعلن صراحة
أن سياسات الحكومة - السابقة طبعًا - هي السبب
المباشر لأزمة السيولة في مصر وخاصة تأخر
الحكومة في سداد المديونيات المستحقة عليها
وبالذات لشركات المقاولات، وعلى أي حال فإن
الاعتراف من جانب الحكومة بوجود ركود في
الأسواق ووجود أزمة في السيولة هو أمر جيد
يحسب للحكومة ولو أنه تأخر بعض الوقت، ويعتبر
خطوة أولى على طريق حل هذه المشكلة ويعجل
بتحديد أسبابها الحقيقية ووضع الحلول للخروج
منها .
أسباب أزمة السيولة
عانى
الاقتصاد المصري طيلة فترة الثمانينات وحتى
عام 93/1994 من الإفراط في السيولة أو ما كان يطلق
عليه في ذلك الوقت "الإفراط النقدي"، حيث
زادت السيولة في هذه الفترة بدرجة كبيرة،
وأصبحت هناك قوى شرائية لا يقابلها معروض
مادي من السلع والخدمات وهو ما كان يمثل طلبًا
فائضًا دفع بالأسعار والتضخم نحو الارتفاع
الأمر الذي عالجه برنامج الإصلاح الاقتصادي،
وفي الوقت الراهن نجد العكس هناك فائض في
المعروض من السلع والخدمات يقابله نقص في
السيولة وهو ما يطرح سؤالاً حول حقيقة أسباب
هذه المشكلة، وهو الأمر الذي كثر حوله الحديث
في الآونة الأخيرة حتى من قبل المواطن المصري
العادي الذي يقول " السوق نايم " " مفيش
حد معاه فلوس "، ويمكن إجمال أهم أسباب هذه
الأزمة في الآتي:
ـ
سياسات الإصلاح الاقتصادي والتي اتسمت بأنها
سياسات انكماشية ركزت على امتصاص السيولة من
السوق وذلك لتحقيق التوازن المالي والنقدي من
خلال تقليل نفقات الحكومة كأكبر مستهلك في
الاقتصاد، ومن خلال سياسة البنك المركزي في
طرح سندات وأذون الخزانة والاقتراض من السوق
المحلي، وتكوين جبل من الاحتياطي بالنقد
الأجنبي، وضبط الائتمان الذي تقدمه البنوك
للقطاع الخاص، ورغم أن هدف هذه السياسة كان
السيطرة على التضخم وإعادة التوازن المالي
والنقدي في الاقتصاد إلا أن هذه السياسة
الانكماشية يبدو أنها استُخْدِمت بطريقة
جائرة أثرت بشدة على السيولة في السوق وأصبح
العلاج هو نفسه مصدر الداء .
ـ
قيام الحكومة بضخ المليارات في مشروعات قومية
عملاقة دفعة واحدة دون مراعاة قدرة الاقتصاد
القومي على استيعاب هذه المشروعات مثل مشروع
توشكى وشرق بور سعيد وسيناء وغيرها من
المشروعات القومية التي تتسم بأن فترة
التفريخ فيها طويلة أي لن يتحقق منها عائد إلا
في الأجل الطويل، وهذه المشروعات استلزمت
خروج مليارات من الجنيهات من دائرة السيولة
في الاقتصاد المصري لشراء معدات رأسمالية من
الخارج مما شكل ضغطًا على السيولة.
ـ
عدم وفاء الحكومة بالتزاماتها المالية وخاصة
مديونياتها للقطاع الخاص مما أثر على تداول
النقود في الأسواق، وكذلك ارتفاع معدلات
الدَّيْن المحلي حيث بلغ إجمالي الدَّين
الحكومي حوالي 147 مليار جنيه، تتحمل الحكومة
سنويًّا 26 مليار جنيه لخدمة الدين المحلي .
ـ
قيام البنوك بإعطاء قروض وتسهيلات واسعة
وبالمليارات لعدد محدود من رجال الأعمال تم
استخدامها في إنشاء مشروعات متشابهة أغلبها
مشروعات خرسانية، مثل القرى السياحية
والملاهي وملاعب الجولف، وهذه المشروعات لم
تكتمل وعجز أصحابها عن تسويقها وبالتالي
الحصول على سيولة لسداد أموال البنوك، وهو ما
أثَّر على تداول النقود في الأسواق وجعل
المصارف تعيد النظر في سياسة منح القروض،
وبدأت في المغالاة في نسبة العمولات
والمصاريف البنكية والتوقف عن منح العديد من
التسهيلات، مما أثر على حركة التداول في
الأسواق ورفع تكلفة التمويل.
ـ
حدوث طفرة استيرادية وخاصة من دول جنوب شرق
آسيا بسبب تراجع أسعار السلع في هذه الدول
بدرجة أغرت المستوردين المصريين إلى استيراد
كميات كبيرة من السلع دون تخطيط وتم تخزينها،
وفي الغالب كانت هذه الواردات ممولة من
تسهيلات البنوك مما يعني أن هذه التسهيلات تم
تجميدها في صورة مخزون أثَّر على حجم السيولة
في الأسواق .
ـ
صدور بعض القرارات الحكومية التي أثرت على
مجمل النشاط الاقتصادي في الأسواق وخاصة قرار
منع وتنظيم البناء على الأراضي الزراعية وفي
المدن، والذي أدى إلى تعطيل طائفة كبيرة من
العاملين في مجال البناء والمقاولات وأدى إلى
ركود أسواق السلع المرتبطة بهذا المجال، وأثر
على استهلاك هذه الطائفة من العمال الذين
يتسمون بارتفاع ميلهم الاستهلاكي، يضاف إلى
ذلك قانون التجارة الجديد وخاصة ما جاء فيه
بشأن جرائم الشيك، حيث قلل من ضمان السداد
للالتزامات بالشيك عندما جعل الحبس
اختياريًّا بعد أن كان وجوبًا، وهو الأمر
الذي أثر على عمليات البيع والتداول والتي
كان يتم جانب كبير منها من خلال الشيك .
ـ
وجود بعض الأنماط الجديدة لتصرف المصريين في
دخولهم أدت إلى امتصاص جانب كبير من السيولة،
وذلك مثل إقبال عدد كبير من المصريين من
الطبقة الوسطى إلى إنفاق جانب كبير من دخولهم
على خدمة التليفون المحمول سواءً للاشتراك أو
دفع الفواتير الشهرية حيث بلغ عدد المشتركين
في هذه الخدمة حوالي 1,5 مليون مشترك يدفعون 3
مليارات جنيه لهذه الخدمة، إلى جانب ذلك ينفق
المصريين حوالي 12 مليار جنيه على الدروس
الخصوصية سنويًّا وهو ما يعني امتصاص جانب
كبير من السيولة من الأسر محدودة الدخل وتركز
السيولة في يد فئة قليلة .
ـ
وجود عوامل خارجية ساعدت على هذه الأزمة،
ومنها وجود حالة من الكساد في معظم الأسواق
العالمية مما أثر على الطلب على الصادرات
المصرية وشجع على الاستيراد، وكذلك انخفاض
التدفق السياحي إلى مصر وتراجع عوائد السياحة
وتحويلات المصريين بالخارج وتدهور أسعار
النفط ووجود مزاحمة من السلع الأجنبية للمنتج
المصري خاصة بعد عمليات تحرير التجارة
الخارجية .
ـ
العامل النفسي لدى الأسرة المصرية والمواطن
المصري العادي، حيث أدت نزعة التفاؤل التي
سادت المجتمع المصري ولأول مرة طيلة فترة
حكومة الدكتور الجنزوري إلى انتعاش السوق أو
على الأقل تأجيل ظهور أزمة السيولة التي كانت
تحت الرماد، ولكن هذه النزعة من التفاؤل قد
تراجعت بدرجة حادة بعد حكومة الدكتور
الجنزوري حتى لدى المواطن العادي، وهو ما أدى
إلى التخوف من المستقبل وجعل الأزمة تطفو على
السطح ، وزاد الأمر خطورة أن السوق المصري
عمومًا سادَهُ توقع في الفترة الأخيرة بأن
الأسعار المستقبلية لمعظم السلع ستكون أقل من
الأسعار الحالية وهو ما جعل الأفراد والأسر
في مصر تحجم عن شراء معظم السلع في الوقت
الراهن انتظارًا لمزيد من الانخفاض في
الأسعار، وهذا الأمر واضح في حالة السلع ذات
الأسواق الواسعة في مصر مثل سوق الأراضي
والعقارات وسوق السيارات وأسواق الأجهزة
المنزلية والكهربائية والتليفون المحمول
وغيرها، وهو ما أثَّر على سرعة دوران النقود
ونشاط الأسواق.
والملاحظ
أن هذه العوامل مجتمعة مسؤولة عن الركود
وأزمة السيولة في الاقتصاد المصري، وأنها
أحدثت المشكلة بصورة تراكمية كما أن هذه
العوامل تعكس مسؤولية الحكومة بدرجة كبيرة عن
هذه الأزمة، كما ذهب إلى ذلك وزير الاقتصاد
والتجارة الخارجية؛ وذلك لأن معظم هذه
العوامل كان يمكن للحكومة أن تؤثر عليها
بطريقة أو بأخرى لتجنب آثارها السلبية على
السيولة والنشاط الاقتصادي في مصر اللهم
باستثناء العامل النفسي والتوقعات
اقرأ
في نفس الموضوع:
-إجراءات علاج الأزمة
-السُّيولة..
وضبط إيقاع السوق
اقرأ
حول الموضوع:
-
مِصْر: البحث عن حلول
لأَزْمة السُّيُولة
-
المَحْمول
والدُّروس الخُصوصية سَحَبت السُّيولة من
جيوب المصريين!
-
2 مليار
شهريًا لمعالجة أزمة السيولة في مصر
|