بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

قمة جنيف الاجتماعية:

استمرار احتكار الأغنياء!!

نبيل شبيب

كلمة "الإخفاق " تصف بصورة موضوعية القيمة الحقيقية للنتائج التي أسفر عنها "مؤتمر الأمم المتحدة الاستثنائي الدولي للتنمية الاجتماعية"، بعد خمسة أيام (26-30/6/2000 م) من الكلمات والتقارير والمشاورات الجانبية، بمشاركة ممثلي 160 دولة، وزهاء 15 منظمة دولية وإقليمية، وهو إخفاق لم يمكن التخلص منه أو التغطية عليه عن طريق تمديد الجلسات الختامية تحت ضغط استمرار الخلافات على تفاصيل فقرات الوثائق الختامية، وعلى أمل تثبيت تلك الصورة الإيجابية التي غلبت على تقارير الأمم المتحدة، وعلى تقارير الدول المعنية عن " المنجزات " المتحققة في كل منها خلال خمسة أعوام مضت، في ميادين مكافحة الفقر، والحدّ من البطالة، وتخفيف التمييز الاجتماعي، وتعبئة الموارد والطاقات .. وهو ما طالبت به القمة المعقودة في كوبنهاجن في حينه، والتي أرادت الأمم المتحدة مراجعة نتائجها في مؤتمر جنيف.

اقرأ في الموضوع:

1- 5 سنوات بعد كوبنهاجن بلا ثمرة

2- توصيات مائعة والدول الكبرى ترفض الالتزام

3- ربع البشرية تحت خط الفقر

4- شراهة العولمة تجهض ضريبة الفقراء

5-الانحرافات المحلية تزيد الهوة بين الشمال والجنوب

1- 5 سنوات بعد كوبنهاجن بلا ثمرة

أخفق مؤتمر جنيف ويبدو أنّ هذا الإخفاق ضاعف الإحساس بالإحباط، إذ  افترق المشاركون في المؤتمر دون التواعد –كما كان منتظرا- على اللقاء في القمة الاجتماعية التالية، أي بعد عشرة أعوام من عقد أوّل لقاء من هذا القبيل في كوبنهاجن . والواقع أن قمة كوبنهاجن نفسها ولدت "يتيمة"، إذ جاءت في صورة قرار دولي للترضية الدول النامية التي طالبت بعقد القمة بإلحاح، بعد أن وجدت نفسها تحت الضغوط في لقاءات دولية سابقة، منذ انعقاد أول قمة عملاقة باسم قمة الأرض لمعالجة قضايا البيئة في ريودي جانيرو، والتي كان عنوانها الرسمي قمة البيئة والتنمية ولكن لم تجد التنمية في التوصيات والوثيقة الختامية آنذاك ما يعبّر عن المقصود بها، فكان الاتفاق على قمة كوبنهاجن لتناقش سبل مكافحة الفقر والبطالة والبؤس الاجتماعي عالميا، واشتهرت منذ انعقادها عام 1995 م باسم قمة الفقر أو قمة الفقراء، وتضمنت وثيقتها الختامية عشرة بنود، يغلب عند ذكرها في وسائل الإعلام حاليا وصف " الالتزامات "، لا سيما عند الحديث عما كان ينتظر من البلدان النامية من جهود ذاتية وإجراءات داخلية، إنما توجد أيضا حملات إعلامية شديدة داخل الدول الصناعية تجاه حكوماتها التي لا تنفذ ما عليها تنفيذه، سواء أكانت المطالبة به بصفة التزامات أم توصيات. والواقع هو أن القيمة القانونية الدولية لقرارات قمة كوبنهاجن لا تعدو قيمة التوصيات، مثلها في ذلك مثل سائر ما يتقرر دوليا فيما يتعلق بهوة الثراء والفقر وقضايا التنمية في الجنوب، ونلاحظ بقليل من التأمل أن هذه صورة مقابلة ومتناقضة تمامـا مع القرارات الدولية الصادرة عن مؤتمرات تتناول قضايا معينة أخرى، حيث يظهر الحرص الشديد على أن تكون نتائجها ملزمة، وأن يكون  تطبيقها موضع المحاسبة عبر الأجهزة الدولية، كالحد من انتشار الأسلحة النووية، وكإلغاء الحواجز التجارية والجمركية.

ولا تعني هذه المقارنة مع قضايا التنمية الاجتماعية في الجنوب، إضعاف أهمية الالتزام أو عدم الدعوة إليه في المجالات الأمنية العالمية أو الاقتصادية الشمالية، بغض النظر عن تقويم مضمون القرارات نفسها .. ولكن عند إلقاء نظرة شاملة لتلك القضايا جميعا، وعبر منظار الحديث المتكرر عن "أسرة بشرية واحدة"، لا بد أنّ يطرح التساؤل نفسه عن حجم الخطر الكامن في قضايا مأساوية معاصرة كقضية الجوع والمرض والتخلف والفقر المطلق والبطالة العالية .. بالمقارنة مع الأخطار المرتبطة بالتسلح مثلا ، فعند المقارنة بعدد الضحايا، ونوعية المآسي، واتساع نطاقها الجغرافي، وعمق تأثيرها في الحياة اليومية، الفردية والأسرية، وعلى المستوى الوطني والإقليمي، وعلى صعيد البشرية عموما والعلاقات الدولية .. ألا ينبغي تبعا لذلك أن يكون الحرص على قرارات ملزمة في هذه الميادين لتحقيق التنمية الاجتماعية المطلوبة، من مستوى الحرص على قرارات ملزمة لحظر انتشار التسلح .. أو ما نسميه ترسيخ احتكار أسلحة الدمار الشامل، أو من مستوى الحرص على قرارات ملزمة في ميادين تخدم في الدرجة الأولى " ضمان النمو الاقتصادي وبالتالي زيادة الرفاهية " في عالم الشمال أو في قطاعات مرفّهة من سكانه، مثل حرية النقل البحري والجوي للمواد الخام والطاقة !..

في جنيف تمثل الإخفاق شكليا في العجز عن الاتفاق على تقويم ما تم وما لم يتم تنفيذه من توصيات كوبنهاجن وما ينبغي اتخاذه من إجراءات تبعا لذلك، فهذه كانت غاية عقد المؤتمر الاستثنائي، على غرار مؤتمر نيويورك قبل فترة وجيزة لمراجعة نتائج مؤتمر بكين العالمي حول المرأة المنعقد قبل خمس سنوات أيضا . وظهرت حدة الإخفاق في اليوم الأخير للمؤتمر في جنيف، رغم ما تردد في اليومين السابقين بصدد الاتفاق على بعض النقاط الأساسية، ومثال ذلك قضية إلغاء الديون على الدول النامية، فكلمة الاتفاق هنا لم تكن تتعدّى أن تتضمن الوثيقة الختامية تثبيت ما كان القرار بصدده قائما من قبل، ليس عن طريق القمة الاجتماعية الحالية والماضية، وإنما عن طريق قمة الدول الصناعية الرئيسية في كولونيا عام 1999م، فالصيغة التي تم تبنيها هناك، وأخذت في هذه الأثناء طريقها إلى منظمات وهيئات مالية دولية معنية، هي التي تقرر في جنيف اعتبارها موضع "اتفاق"، وذلك بعد رفض المطالب الأبعد مدى، المطروحة على مؤتمر جنيف نفسه، من جانب مجموعة (77) للدول النامية بصورة خاصة، ومن جانب المنظمات غير الحكومية، بل ورفض كثير من المطالب الواردة ولو بصيغة تعميمية في التقرير الرئيسي الذي ألقاه الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، باسم المنظمة الدولية وبمشاركة البنك وصندوق النقد الدوليين ومنظمة التنمية والتعاون الاقتصادي.

وتسري صورة مشابهة على معظم النقاط الأخرى الرئيسية والمتفرعة عن الالتزامات العشرة في كوبنهاجن قبل خمس سنوات، أو ذات العلاقة بالأهداف الدولية السبعة للتنمية والتطوير وفق تقرير كوفي عنان . وعندما أعلن في جنيف في اليوم الثالث من المداولات، أنه أمكن التوصل إلى اتفاق على 66 % من الجزء الثالث من مشروع الوثيقة الختامية المقترحة، والمخصص لذكر الإجراءات والمبادرات التنفيذية، بدا بعض الإعلاميين متفائلاً وهو يبحث عما تم الاتفاق عليه بالتفصيل، ثم سرعان ما ظهر أن القسم الأعظم من ذلك هو مما سبق تثبيت الاتفاق بصدده في الفترة التحضيرية للمؤتمر، وكانت اللجنة التحضيرية قد وضعت نسبة عالية ( 55 في المائة تقريبا ) من محتويات الجزء الثالث من تقريريها بين قوسين، كما هو معتاد فيما يدور حوله الخلاف، وكان هذا الجزء من أوراق العمل التي قدّمتها اللجنة التحضيرية إلى مؤتمر جنيف حافلا بذكر عدة صيغ متناقضة للفقرات .. أو العبارات .. وأحيانا للكلمة الواحدة .. وفق تعدد الاقتراحات الصادرة ابتداء، أو كردود متبادلة بين الجهات الدولية المعنية، وهذا بصورة مطابقة بصورة واضحة لانقسام " الأسرة البشرية " الواحدة إلى شمال وجنوب، ثم في الشمال بصورة خاصة وفي الجنوب جزئيا إلى مراكز وقوى دولية وإقليمية، متنافسة ومتصارعة.

2- توصيات مائعة والدول الكبرى ترفض الالتزام

معظم الخلافات الرئيسية الواردة في الجزء الثالث من الأوراق التحضيرية، بقي في جنيف أيضا موضع خلاف، وحيثما أمكن الاتفاق كان بإحدى صيغتين :

- تثبيت ما كان متفقا عليه من قبل وعلى حدّ أدنى من القواسم المشتركة، على غرار ما سبقت الإشارة إليه من ميدان الديون الخارجية مثلا.

- أو إلغاء البند المرتبط بنقطة الخلاف بتأجيل البحث بشأنه، أو ذكر المواقف المتعددة دون الاستقرار على أحدها كموقف مشترك.

وقبل حلول يوم السبت .. أي اليوم الإضافي على المؤتمر، لم يعد المراقبون أو الإعلاميون في حاجة إلى انتظار ظهور الصيغة الأخيرة للبيان الختامي، بعد أن أصبح المعروف من نصوص الوثائق التفصيلية كافيا لوصف نتائج المؤتمر بأنها " مائعة " على حد تعبير غالبية المتحدثين من المنظمات غير الحكومية، أو بأنها في أفضل الحالات " متواضعة " على حد تعبير جون لانجمور، رئيس قسم الشؤون الاجتماعية في الأمم المتحدة- أو كانت النتائج  وفق ما ورد من تعليقات في صحف يوم السبت في سويسرا، البلد المضيف للمؤتمر .. كانت " كلمات دون التزامات " كما قالت صحيفة " بيرنر تسايتونج " الصادرة في العاصمة السويسرية، بل انتهى المؤتمر " دون نتائج " أصلا  وفق تعبير "بازلر تسايتونج " الصادرة في بازل، وعلى جميع الأحوال فالدول الصناعية هي المسؤولة عن ذلك الإخفاق كما أكّدته الصحيفة اليومية الرئيسية في لوزان .

رغم الإخفاق يبقى على الأمم المتحدة أن تحافظ على الأسلوب الديبلوماسي في الحديث عن نجاح، أو نجاح متواضع على الأقل، وأن تركّز على ما يبرر تفاؤلها الاضطراري، ويرجع في حدود التصريحات الرسمية إلى عدد معين من النقاط، فعلاوة على ما تعددّه المنظمة الدولية وتكرّر فيه ذكر تقويمها لمحتويات تقارير الدول المشاركة في المؤتمر بصدد ما قامت به من إنجازات خلال السنوات الخمس الماضية .. علاوة على ذلك تربط المنظمة الدولية الحديث عن العنصر الرئيسي من النجاح في نظرها بأن المشاركين من 160 دولة، وافقوا على عدد من المطالب الرئيسية التي وردت في تقرير كوفي عنان يوم الافتتاح، وهو التقرير الذي احتجت المنظمات غير الحكومية عليه فألقى بعض ممثليها به في سلة المهملات بصورة استعراضية، وأشاروا بهذا الصدد إلى أمرين رئيسيين :

- أولهما هو التعاون على وضع التقرير بالمشاركة بين الأمم المتحدة التي من المفروض أن تمثل سائر دول العالم، وبين هيئات دولية أخرى تمثل بسياساتها وممارساتها الدول الثرية فحسب، والمقصود هنا البنك وصندوق النقد الدولييان.

- وثانيهما أن نتيجة هذا التعاون هي خلوّ التقرير من مطالب "ملزمة" للدول الصناعية، بمقابل توجيه المطالب الواردة فيه إلى الدول الفقيرة في الدرجة الأولى، وهي عاجزة عن تمويل النفقات الكبيرة التي يتطلبها تنفيذ تلك المطالب.

أما المقصود بالمطالب الرئيسية التي تشيد الأمم المتحدة بالموافقة عليها كما اقترحها تقرير كوفي عنان، فهو ما ورد فيه كأهداف "محددة" مع موعد زمني مقرّر، له عام 2015 م .. ولا ينبغي فهم سائر هذه التأكيدات أكثر من اعتبارها توصية في نهاية المطاف كسائر ما أصدره المؤتمر .. وعلى أية حال فالمطلوب أن يتحقق خلال 15 عامًا قادمة:

1- تخفيض عدد الذين يعانون من فقر مطلق بنسبة النصف.

2- تخفيض عدد وفيات الأطفال الصغار والرضع بنسبة الثلثين.

3- تخفيض عدد الوفيات من الأمهات المرضعات والحوامل بنسبة ثلاثة أرباع.

ولكن كيف يتحقق ذلك ؟.. لا يخرج التقرير ولا تخرج النتائج التي وصل إليها المؤتمر عن تكرار سلسلة طويلة من المطالب على شكل توصيات غير ملزمة، وقديمة معروفة، بل يتكرر هنا ذكر توصيات قديمة لم يوصل طرحها في الماضي إلى تلبيتها أو العمل الجاد لتحقيقها على أرض الواقع، والعناوين الرئيسية التي تشمل هذه المطالب هي :

1- مطالبة الدول الدائنة بتخفيض أعباء الديون على الدول النامية.

2- مطالبة الدول الصناعية بزيادة القروض الإنمائية لتصل إلى نسبة 7 بالألف من الناتج الداخلي، وهي نسبة مقررة منذ أربعين سنة .

3- مطالبة الدول الصناعية بفتح أسواقها أمام منتجات الدول النامية.

4- مطالبة الدول النامية بتحسين شروط الاستثمارات الأجنبية وإلغاء الحواجز التجارية والعوائق "البيروقراطية".

5- مطالبة الدول النامية بتوفير الظروف الصحية والتعليمية والمهنية وغيرها، ولا سيما على صعيد المرأة .

6- دعم انتشار التقنيات الحديثة لا سيما التقنية الشبكية الحديثة.

3- ربع البشرية تحت خط الفقر

ولا يتسع المجال للوقوف عند هذه النقاط جميعا، ولكن تظهر الأبعاد والخلفيات بصورة كافية عند النظر في بعض الكلمات المتداولة أكثر من سواها، كنماذج تغني عن التفصيل. وأول كلمات تفرض نفسها بهذا الصدد هي كلمة  "الفقر" وكلمة " هوة الفقر والثراء " وكلمة "مكافحة الفقر"، فهذه التعابير لا ينقطع ذكرها باعتبار الهدف الأول من أهداف مؤتمرات التنمية الاجتماعية هو  "مكافحة الفقر عالميا". وكلمة الفقر ليست مجرد كلمة اعتيادية للتعبير عن نقص في الدخل اليومي لفريق من البشر، إنما تعني بلغة الأرقام وكما تذكرها تقارير المنظمات الدولية الرسمية:

أولا - أن خمس عشرة في المائة على الأقل من " الأسرة البشرية "، أي زهاء تسعمائة مليون إنسان، يعانون من الجوع باستمرار .. ومعروف أن المليارات تنفق سنويا لإتلاف فائض ضخم من محاصيل زراعية وغذائية في الشمال وأن عشرات المليارات تنفق لدعم المزارعين!! والهدف هو ألا ترتفع أسعار المنتجات الزراعية الأوروبية مثلا كيلا تنافسها منتجات زراعية مستوردة من الجنوب، أو كيلا تواجه لمنافسة عند تصديرها إلى " عقر " دار المنتجين وأسواقهم في الجنوب.

ثانيا - أن ربع البشرية، أي زهاء مليار ومائتي مليون إنسان، يعيشون بدخل وسطي دون الدولار الواحد يوميا، وهو ما تسميه الأمم المتحدة " الفقر المطلق " .. وأن نصف البشرية، أي زهاء ثلاثة مليارات إنسان، يعيشون بدخل وسطي دون الدولارين يوميا، أي في " فقر نسبي " . وبالمقابل فاستنادا إلى الأرقام المنشورة في آخر تقرير عن " التطور البشري " صدر أثناء انعقاد المؤتمر، يبلغ وسطي الثروة التي يملكها كل فرد من بين مائتي فرد  يحتلون رأس قائمة أصحاب المليارات، يعادل خمسـين مليار دولار، أي ما يعادل الثروة التي يملكها 205 ملايين إنسان من سكان البلدان الأفقر من سواها في العالم، والتي تعدّ 48 بلدًا!!

ثالثا - أما تعبير مكافحة الفقر فممّا يتردّد ذكره تحت هذا العنوان مثلا، زيادة "المساعدات الإنمائية" من جانب الدول الصناعية للدول النامية، وإلغاء قسم من " الديون الخارجية " المتراكمة وإعادة جدولة قسم آخر منها. وينبغي هنا تأكيد عدة نقاط :

1-  " المساعدات " الإنمائية عبارة عن " قروض مالية " إنمائية سواء في ذلك " الرسمية " من جانب دول الشمال لدول الجنوب أو " الخاصة " من جانب مصارف مالية وجهات تمويل أخرى خاصة في الشمال، وتسمى مساعدات إنمائية، لأن خدماتها، أي الرسوم والفوائد الربوية عليها وطول فترة تسديدها، ذات شروط متساهلة بالمقارنة مع القروض " الاقتصادية " الاعتيادية في ميادين استثمارية واستهلاكية.

2-   تراكم هذه الديون وخدماتها في خمسة عقود مضت، هو ما تمثله " أزمة الديون " أو أعباء الديون على الدول النامية، حتى أصبح  المستحق من " الخدمات " فقط – دون أصل القرض نفسه- يعادل حاليا ما يصل إلى ثمانين في المائة من الدخل الاجتماعي في الدول الشديدة الفقر، وإلى نسبة عالية من عائدات الدول النامية الأقل فقرا، فلا يبقى ما يكفي لتمويل إجراءات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية .

3-  حجم هذه الخدمات المتزايد وفق معادلة " الفوائد المركبة " -وهي أحد محاور إعادة جدولة الديون - بات يعادل في هذه الأثناء أضعاف حجم القروض الأصلية، كما بات حجم التسديد السنوي للقديم المتراكم  أكبر من حجم  ما تحصل عليه الدول النامية من قروض " جديدة " .. وهذا  ( بالإضافة إلى ارتفاع أسعار منتجات الشمال وانخفاض أسعار منتجات الجنوب في حركة التبادل التجاري) ما أدّى إلى انعكاس "حصيلة" حركة الأموال منذ أواسط الثمانينات الميلادية، لتصبح من الجنوب الفقير إلى الشمال الثري.

4-  حتى هذه القروض " الإنمائية " تمتنع دول الشمال عن تنفيذ التزامها الرسمي منذ أربعين عاما تقريبا، بأن تزيدها إلى معدل سبعة في الألف من الناتج الاجتماعي، وقد رفضت في جنيف أيضا إدراج هذا الهدف في الوثيقة الختامية، وعلى النقيض من ذلك ذكرت التقارير الحديثة أثناء مؤتمر جنيف أن مستوى القروض الإنمائية هبط الآن إلى ما كان عليه في الخمسينات الميلادية.

رابعا : لا ينبغي بصدد هوة الثراء والفقر التهوين من شأن ما يعنيه الحديث المتكرر عن ازدياد عمقها واتساعها، وقد بات من الضروري في هذه الأثناء الحديث عن العنصر الزمني بهذا الصدد .. فعملية الازدياد لم تعد تجري بمقياس زمني في حدود عقد أو عقود من السنوات كما كان في حقبة الحرب الباردة، بل تقاس بفترات زمنية وجيزة نسبيا .. وهذا ما ترمز إليه الثغرة الإضافية التي بدأ يصنعها تطور التقنية الشبكية، والتي انتشر بموجبها تعبير " الهوة الرقمية "، ويتبين خطر مفعولها من جانبين:

-   يمثل الأول حجمها عند مقارنة عدد أصحاب الوصلات الشبكية عالميا، فنسبة 95 % من أصل خمسة مليارات نسـمة يسكنون في الجنوب، لم تصل الوصلة الشبكية إليهم، وهذا مقابل وصولها إلى ما يتراوح بين 30% كحدّ أدنى وزهاء 60 % كما في أمريكا الشمالية، من أصل مليار نسمة تقريبا يقطنون في الشمال . و يعني ذلك أن حوالي 95-97 % من سائر الوصلات الشبكية في العالم، انتشر في الشمال حتى الآن .

-   ويمثل الجانب الثاني من خطر الهوة الرقمية أو الهوة التقنية الشبكية، في أنّه لا ينتظر أن يتبدل الوضع الخطير المذكور في المستقبل القريب عند ملاحظة المعطيات الأساسية الراهنة .. كتوفر الشبكة الهاتفية، إذ لا تصل في القارة الأفريقية إلى أكثر من واحد في المائة من السكان، وبتكاليف تتراوح بين 60 و70 دولارًا في الشهر، أي ما يعادل وسطي الدخل الفردي لمدة شهرين في البلدان الفقيرة .. ومعظمها في القارة الأفريقية .

4- شراهة العولمة تجهض ضريبة الفقراء

سواء أكان المتحدثون من الشمال أم من الجنوب، باسم دول بعينها أو باسم منظمات دولية، أو المتحدثون من المنظمات غير الحكومية في مؤتمرهم البديل الذي عقد في نفس توقيت القمة غير بعيد من مبنى " قصر الأمم " في جنيف حيث انعقد المؤتمر الرسمي .. وكذلك المتحدثون ممن يوصفون بالمراقبين من خبراء وسياسيين وإعلاميين، جميع هؤلاء يوجهون – مع تفاوت الدرجات وأسـاليب التعبير- أصابع الاتهام إلى العولمة، ويحمّلونها المسؤولية أو قسطا كبيرا من المسؤولية في قضايا استفحال الفقر والبطالة والبؤس الاجتماعي والمآسي المتصـلة بذلك، والحد الأدنى من ذلك هو سكوت يفيد الإقرار بقول من يوجّه الاتهام، أو الاكتفاء بالكلام عن " السلبيات " المرافقة للعولمة في إشارة غير مباشرة إلى أنها حققت وتحقق منافع إيجابية في الأصل !

ولكن .. رغم هذه الوقفة غير المعتادة على أرضية مشتركة من تقويم الوضع الدولي، لم يشهد مؤتمر الأمم المتحدة الاستثنائي في جنيف، بعد خمس سنوات من عقد قمة " التنمية الاجتماعية " في كوبنهاجن، نصا في وثيقة ما، أو اتفاقا ملزما، يحدّد بوضوح أن المقصود بالاتهام هو الجهات الفلانية، أو المنظمات الفلانية، أو المعاملات الجارية بالطريقة الفلانية، بحيث يمكن تثبيت إجراءات مضادة، للحدّ من السلبيات المعترف بها على الأقل.

لا يعود هذا التناقض بين الموقف الكلامي والإجراء العملي، في مؤتمر جنيف وسـواه من المؤتمرات وساحات التعامل الدولي، إلى عجز عن التصرّف أو إلى جهل ما بمن يتحرّكون بالعولمة ويحرّكون عجلتها، أو جهل بأساليبهم ووسائلهم المتبعة للاستفادة منها سواء استفاد سواهم معهم أم تضرّر، إنما يعود الانفصام القائم بين توجيه الاتهام وتقرير ما يقتضيه من خطوات عملية، إلى أمرين رئيسيين:

-   أولهما عدم توفر الإرادة السياسية على افتراض توفر النوايا الحسنة .. فالمسؤولون الذين ينتظر منهم اتخاذ قرار إيجابي هم أنفسهم مسؤولون عن دعم مسيرة العولمة وإطلاق العنان لها وللمستفيدين منها، سواء لارتباط القرار السياسي بالقرار الاقتصادي والمصلحي المادي في دول الشمال، أو نتيجة منطلقات أخرى على مستوى التصورات الحاكمة سياسيا، وسيان ما هو السبب، فالأهم هو أن النتيجة واحدة .

-   والأمر الثاني هو غلبة مفعول المصالح المادية على سائر ما يتردّد من تأثر الضمير العالمي بالأوضاع المأساوية التي ترصدها الأسرة البشرية كأضرار ناجمة عن إطلاق العنان لتلك المصالح دون ضوابط مسبقة أو محاسـبة لاحقة،وقد بلغت مداها في ظل ما يعرف بظاهرة العولمة، ولا ينبغي هنا إغفال ما تعنيه ردود الفعل المضادة، والتي تعبر عن تناميها بصورة عامة نشاطات المنظمات غير الحكومية.

يعزز هذا التعليل الكامن فيما نسميه " شراهة العولمة " بعض ما ظهر أثناء مؤتمر جنيف نفسه، وهو بطبيعة الحال أوسع نطاقا من إمكانية حصره هنا، ومنه كمثال نموذجي لبيان المقصود:

مطالبة الدول النامية بالأخذ باقتراح الخبير الأمريكي وحامل جائزة نوبل جيمس توبين، بفرض ضريبة على العائدات الصافية من المضاربات في أسواق الأسهم (البورصات) العالمية، والتي يقدّر حجم الطاقة المالية الجاهزة للتحرك فيها على حسب إرادة أصحابها، بأكثر من ألفي مليار ( بليوني ) دولار  .. وهو ما يكفي ليسبب أزمة مالية بأبعاد اقتصادية وسياسية بعيدة المدى من حجم ما شهدته منطقة جنوب شرق آسيا . ويعني فرض ضريبة يجري تحصيلها دوليا كما يقول الاقتراح، وفي حدّ أدنى للغاية، أي بين اثنين ونصف إلى خمسة في الألف وليس في المائة .. يعني ذلك إمكانية تحصيل زهاء ثلاثمائة مليار دولار سنويا حسب التقديرات الراهنة، ويرى الاقتراح تخصيصها لتمويل برامج مكافحة الفقر، وهو مبلغ يكفي للقضاء على الفقر عالميا خلال فترة وجيزة نسبيا . وتقول الجهات التي تدعم هذا الاقتراح، وتضم روابط فرنسية وبلجيكية وألمانية وكنسية وبمشاركة 300 نائب أمريكي وأوروبي .. تقول إن ما وصلت إليه التجهيزات الإلكترونية والإدارية في المصارف المركزية في الدول المعنية، أصبحت كافية لتنفيذ الاقتراح دون الحاجة إلى دوائر جديدة في وزارات المالية مثلا . ورفضت الولايات المتحدة الأمريكية واليابان الاقتراح طوال فترة التحضير لمؤتمر جنيف، وقد أعلن في جنيف عن موافقتهما بعد مفاوضات مضنية، والواقع أن الموافقة لا تتجاوز حدود تحويل الاقتراح إلى لجنة لدراسته .. وحتى لو كانت النتيجة إيجابية وتحققت الموافقة النهائية، يبقى من العقبات الرئيسية أن " الكونجرس الأمريكي " وصل في معارضته إلى درجة التهديد بقطع تسديد الالتزامات المالية لصالح الأمم المتحدة إذا ما " تجرّأت " وقررت الأخذ بهذا الاقتراح . والجدير بالذكر أن الاقتراح غير قابل للتطبيق دون موافقة الدولتين، نظرا إلى أهمية مشاركة المصرفين المركزيين فيهما في تحصيل الضريبة، باعتبار أن الدولار، والين، هما في مقدمة العملات المتداولة في أسواق الأسهم العالمية إلى جانب اليورو الأوروبي والجنيه البريطاني والفرنك السويسري .

5-الانحرافات المحلية تزيد الهوة بين الشمال والجنوب

يقابل هذا الدعم " السياسي " المكثف في الشمال لأصحاب الثروات الطائلة في سوق المضاربات المالية، أو في سوق التجارة الدولية بالمنسـوجات والمنتجات الزراعية، أو في عالم التقنيات الحديثة .. يقابل ذلك دعوات توضع تحت رداء إنساني محض، مثل مكافحة تشغيل الأطفال، ويشمل حسب التقديرات الدولية 250 مليون طفل وناشئ .. وهو ما رفضته الدول النامية، ويصعب القول إن أيا من الجانبين يتحرك بدوافع إنسانية فعلا؛ فموقف الدول النامية واضح في تعليل الرفض بأن الغرض من تقنين منع تشغيل الأطفال دوليا، هو توجيه الاتهام بتشغيل الأطفال في قطاع من القطاعات من أجل فرض مقاطعة دولية بأغراض تجارية محضة .. وبالمقابل لا يسهل تجاهل قوة هذه الشبهة عند التأمل بتركيز الحملة على قطاعي المنسوجات والمزرعات، وهما المرشحان أكثر من سـواهما لمنافسـة فعلية من جانب الدول النامية في حال رفـع الحواجز التجارية والجمركية المفروضة في الدول الصناعية.

ولكن من الخطأ وضع العولمة وحدها في قفص الاتهام وتحميلها وحدها المسؤولية عن النتائج المأساوية في القضايا ذات الصلة بموضوع المؤتمر تحت عنوان  "التنمية الاجتماعية" .. فالأوضاع الداخلية في كل بلد من البلدان النامية على حدة سياسيا وعسكريا واقتصاديا، وكذلك الأوضاع الإقليمية من حيث التعامل بين الدول النامية، سياسيا وعسكريا واقتصاديا أيضا، تحمل مسؤولية حاسمة عن استمرار الهوة القائمة بين الشمال والجنوب وتعميقها . ومن المؤكد أن العولمة التي يمكن أن تحقق نتائج إيجابية عند توفر شروط وضوابط كافية لمسيرتها، إذا كانت تحمل فعلا قسطا كبيرا من المسؤولية عن بطء عجلة التنمية الاجتماعية في الجنوب أو تراجعها، فإن العولمة نفسها، وسائر ما سبقها من مظاهر الهيمنة .. أو النفوذ .. أو نشر التبعات .. وحتى ما يوصف بالخيانات المباشرة، جميع ذلك إنّما كان وما يزال يتحرّك في الجنوب اعتمادا على مرتكزات محلية، لا يستطيع الاستغناء عنها، ولا يبلغ أهدافه من دونها، فهذه المرتكزات تحمل بطبيعة الحال القسط الرئيسي من المسؤولية عن نتائج الانحراف الذي تمثله، على مستوى قوى اقتصادية وسياسية وعسكرية محلية، وعلى مستوى مناهج تلك القوى في صنع ما تصنع على حساب مصالح الشعوب.

ولا يستهان هنا بالحجج التي توردها جهات دولية –بغض النظر عن حقيقة مواقفها وازدواجيتها وانحيازاتها- عندما تشير مثلا إلى وجود 16 عشـر نزاعا وصداما عسكريا في الوقت الحاضر تشارك فيه بشكل أو بآخر الدول العشرون الأفقر من سواها في أنحاء العالم .. أو تشير إلى انتشار الفساد الاقتصادي وارتباطه بالفساد السياسي وبأنظمة الحكم الشمولية، العسكرية والحزبية وغيرها .. وما يعنيه ذلك على صعيد عرقلة التنمية، ونشأة هوة الفقر والثراء بأشد درجاتها ومظاهرها خطورة، داخل البلد النامي .,. والبلد الفقير نفسه.

كذلك لا يستهان بما سجله مؤتمر جنيف من تباعد المواقف بين كثير من الدول النامية، والمجموعات الإقليمية داخل نطاق الدول النامية، رغم أن كثيرًا من المقترحات الواردة بشأن صياغة النصوص تحمل اسم مجموعة الدول 77، ويلفت النظر أخيرا انخفاض مستوى اهتمام الإعلام الرسمي في الدول النامية، ومنها الدول العربية، بالمتابعة المستفيضة لمثل هذه المؤتمرات، وكأنه لا يراد أن يطلع عليها الرأي العام المحلي ويتفاعل معها، وهي تمس جوانب عملية جوهرية في حياته اليومية، وتساهم في صياغة تصوراته المستقبلية، المحلية والعالمية ..

بل كان ممّا يلفت النظر أن بعض الموفدين الإعلاميين العرب الذين  حضروا للمشاركة في تغطية الحدث، كان حضورهم مرتبطا بيوم واحد أو ساعات .. أي بوجود متحدث، أو وزير، أو سوى ذلك من البلد الأم .. فتكفي لأداء " الرسالة الإعلامية وأمانة  التوعية "، تغطية ما يقول ذلك المتحدث والإشادة به وبالرئيس أو الملك أو الأمير الذي بعث به، على شاشة التلفاز  أو عبر أثير البث الإذاعي، ثم لا حاجة للتفصيل في وقائع المؤتمر نفسه أو في خلفياته وأبعاد نجاحه وإخفاقه، فجميع ذلك ممّا يكشف في وقت واحد، عن انحرافات عالمية كما في مسيرة العولمة التي بدأت تتخذ صورة "الاستبداد الدولي " بأحدث صوره، وكذلك عن انحرافات محلية كما تعكسها قضية التنمية الاجتماعية ذات الارتباط الوثيق بممارسات " الاستبداد المحلي " بمختلف صوره.

 

اقرأ أيضًا:

- الأمم المتحدة: فشلنا في علاج الفقر والبطالة

- تنمية الفقراء للأغنياء.. تدفُّق الثروات من الجنوب إلى الشمال

- الأمم المتحدة: الدول الغنية لا تفي بوعودها للقضاء على الفقر 

- ربع البشرية تحت خط الفقر

- قمة الـ15: مليار عاطل في الدول الفقيرة

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع