مصر
وأوروبا.. شراكة الفيل!!
مغاوري شلبي
أخيرًا قبلت مصر
تحدي المشاركة، حيث أعلنت الحكومة المصرية
مؤخراً أن مصر سوف توقع على اتفاق المشاركة
مع الاتحاد الأوروبي في غضون ثلاثة أشهر،
وذلك بعد حوالي 5 سنوات من المفاوضات المضنية
بين مصر والاتحاد الأوروبي حول أحكام هذا
الاتفاق، وفي تاريخ مصر القديم والمعاصر لم
تَحْظَ اتفاقية بنفس القدر من الدراسات
والمناقشات التي حظيت بها اتفاقية المشاركة
مع الاتحاد الأوروبي، وتنبع أهمية هذه
الاتفاقية من أنها ليست مجرد اتفاق اقتصادي
عادي يمكن إلغاء الالتزام به في أي وقت،
ولكنها تمثل اتفاقًا تعاقديًّا شاملاً بين
طرفين سيترتب عليه تحرير التبادل التجاري
وحركة رؤوس الأموال وإعادة ترتيب علاقات مصر
الاقتصادية مع الشركاء التجاريين الآخرين
سواء العرب أم الأجانب، ولأهمية هذه
الاتفاقية بالنسبة للاقتصاد المصري فقد
شاركت كافة الأوساط المصرية في دراستها
وإبداء آرائها فيها، واتضح أن هناك خلافًا
بشأن هذه الاتفاقية حتى في الأوساط
الحكومية، فهناك آراء تؤيد هذه الاتفاقية،
وأخرى تعارضها، فما هي حقيقة الالتزامات
التي تفرضها هذه الاتفاقية على الاقتصاد
المصري والتحديات التي تترتب عليها؟، وكيف
يمكن لمصر أن تَحُدّ من مخاطر هذه التحديات
خلال الفترة الانتقالية للاتفاق ؟ هذا ما
تحاول هذه السطور الإجابة عنه.
اقرأ
في الموضوع:
1 - المشاركة بديلة عن
التعاون.
2 - القواعد العرجاء في الملف
الزراعي.
3 - تحديث الصناعة.. "جزرة"
المشاركة!!
5 - ثلاثة خيارات للتحرير
أمام مصر.
يعتبر
الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول
لمصر، حيث يستحوذ في المتوسط على حوالي 43% من
إجمالي التجارة الخارجية المصرية، كما
يعتبر الاتحاد الأوروبي المستثمر الثالث في
مصر بعد الاستثمارات العربية والأمريكية،
حيث تبلغ هذه الاستثمارات حوالي 6.5 مليار
جنيه مصري، وقد ارتبطت مصر بالاتحاد
الأوروبي باتفاق "تعاون" شامل منذ عام
1977م أعطى مصر مزايا تفضيلية وخاصة في مجال
الصادرات، وقدم لمصر معونات فنية ومالية
بلغت حوالي 1463 مليون وحدة نقد أوروبية خلال
الفترة من 1977م حتى عام 1999م.
التبادل
التجاري بين مصر والاتحاد الأوروبي (مليون
دولار)
|
الميزان
التجاري
|
الواردات المصرية
|
الصادرات المصرية
|
السنة
|
|
- 2983
|
4560
|
1577
|
1995
|
|
- 3098
|
4711
|
1613
|
1996
|
|
- 3489
|
5041
|
1552
|
1997
|
|
- 4762
|
5977
|
1195
|
1998
|
|
- 4433
|
5670
|
1237
|
1999
|
ـ المصدر: الجهاز المصري
للتعبئة العامة والإحصاء.
ـ
الأرقام بالسالب توضح أن هناك عجزًا في
الميزان التجاري المصري لصالح أوروبا.
ومع
بداية عام 1995م حدثت نقلة نوعية في سياسة
الاتحاد الأوربي تجاه دول حوض المتوسط ومنها
مصر، حيث تبنى الاتحاد الأوروبي أسلوب "المشاركة
" بدلاً من أسلوب "التعاون" الذي كان
يقوم على إعطاء مزايا من طرف واحد، ويقوم على
فكرة المانح والمتلقي وبناء على ذلك دخلت
مصر في مفاوضات مع الاتحاد الأوروبي أبلى
فيها المفاوض المصري بلاء حسناً، وذلك
للتوصل إلى اتفاق مشاركة متوازن يحقق
الفائدة للاقتصاد المصري، ومن مطالعة
الاتفاق يلاحظ أن هذا الاتفاق اتفاق تعاقدي
شامل يضم العديد من الجوانب، وهي:
ـ
جانب الحوار السياسي بين مصر والاتحاد
الأوروبي.
ـ
حق التأسيس للشركات لدى كلا الطرفين وتقديم
الخدمات.
ـ
حركة رؤوس الأموال.
ـ
مجال التعاون الاقتصادي.
ـ
مجال التعاون الاجتماعي والثقافي.
ـ
مجال التعاون المالي.
ـ
بعض الأحكام المؤسسية والعامة.
ـ
مجال حرية التجارة.
ويعتبر
المجال الأخير(مجال حرية التجارة) هو أهم
المجالات، وقد حظي هذا الاتفاق - وبالتحديد
هذا المجال - على مناقشات مكثفة في الأوساط
المتخصصة وانقسمت الآراء إلى مؤيد لهذا
الاتفاق ينادي بسرعة توقيعه، ورافض تماماً
لهذا الاتفاق محذر منه، وطرف ثالث يوافق على
هذا الاتفاق ولكن بشروط معينة، ولوحظ أيضاً
أن لكل طرف من هذه الأطراف أدلة وقرائن
مقنعة، ويهدف الاتفاق إلى إقامة منطقة تجارة
حرة بين مصر والاتحاد الأوروبي خلال مدة تصل
إلى 12 سنة ويقسم السلع المتبادلة إلى سلع
صناعية يتم تحرير صادرات مصر منها إلى
الاتحاد الأوروبي فور توقيع الاتفاق، ولكن
يتم التدرج في تحرير صادرات الاتحاد
الأوروبي منها إلى مصر خلال مرحلة انتقالية
تتراوح بين 4 - 12 سنة، أما السلع الزراعية
فيتم الإبقاء على المزايا التي تتمتع بها مع
زيادة الحصص المقررة لها وتحسين فرص دخولها
إلى الاتحاد الأوروبي، على أن يتم النظر في
إمكانية تحرير التجارة بين الطرفين في هذه
السلع بعد عام 2001م، وذلك بدراسة هذه
الإمكانية لكل سلعة على حدة فيما عرفه
الاتفاق "باختبار الموقف"، إلى جانب
ذلك وضع الاتفاق مبادئ تنظيمية تتعلق بقواعد
المنشأ وعمليات إعادة التصدير ومكافحة
الإغراق، والملاحظ أن هناك خلافاً في الآراء
حول تقييم اتفاق المشاركة المصرية
الأوروبية من حيث حجم المزايا التي يتيحها
لمصر والتحديات التي يفرضها في الجوانب
المختلفة بصفة عامة، فهناك رأي متفائل يمثله
الجهاز الحكومي يرى أن تحرير التجارة بين
مصر والاتحاد الأوروبي سوف يساعد على إعطاء
دفعة للصادرات المصرية بما يعيد التوازن
للقطاع الخارجي لمصر ويساعد
على تنشيط الاستثمار وتحديث أساليب الإنتاج
عن طريق استخدام التكنولوجيا الحديثة على
نحو يتيح للمنتجات المصرية - خاصة من السلع
الصناعية - القدرة على منافسة المنتجات
الأوروبية، في مقابل ذلك هناك رأي متحفظ
يمثله بعض رجال الصناعة والأكاديميون لديه
عدة مخاوف من حيث عدم قدرة المنتجات المصرية
خاصة الصناعية على المنافسة؛ وذلك لأنها
تواجه ظروفاً اقتصادية غير مواتية تجعل
تكاليف إنتاجها مرتفعة وتقلل من فرص دخولها
إلى الأسواق الأوروبية.
والملاحظ
أن المفاوض المصري كان حريصاً طوال فترة
المفاوضات على التوصل إلى اتفاق متوازن مع
الاتحاد الأوروبي يحقق للسلع المصرية
المصدرة إلى الأسواق الأوروبية فُرصاً أفضل
للدخول إلى هذه الأسواق معفاة من هذه الرسوم
الجمركية، وإزالة المعوقات الأخر التي
تَحُدُّ من قدرتها التنافسية والتي يمكن أن
تفقد الاتفاق محتواه وخاصة مواعيد دخول
المنتجات الزراعية المصرية إلى الأسواق
الأوروبية والشروط الأوروبية الخاصة
بالمواصفات القياسية ونظام الحصص والرسوم
التعويضية.
2
- القواعد العرجاء في الملف الزراعي
لقد
كان - وما زال - الملف الزراعي في اتفاقية
المشاركة المصرية الأوروبية أكثر الملفات
سخونة، حيث تركزت حوله معظم الخلافات بين
الطرفين؛ وذلك لأن الملف الزراعي وما تضمنه
من أحكام أوضح أن الاتحاد الأوروبي يضع
قواعد اللعبة بما يتفق مع مصالحه، ويحد من
قدرات مصر في مجال الإنتاج الزراعي، حيث
أشار الملف الزراعي إلى أن صادرات مصر من
السلع الزراعية إلى الاتحاد الأوروبي لن
تحصل على نفس المزايا التي تحصل عليها
الصادرات الصناعية المصرية، فقد أقر
الاتفاق تمتع صادرات مصر من السلع الصناعية
إلى الاتحاد الأوروبي بالإعفاء الجمركي
التام فور توقيع الاتفاق، أما السلع
الزراعية فإن ظروف وتوقيتات دخولها إلى
الاتحاد الأوروبي سوف يتم تحسينها، ولكنها
لن تحصل على الإعفاء الكامل، وسيتم فيما بعد
بحث وضع كل سلعة على حدة؛ ليتم الاتفاق على
إمكانية إعفائها من الرسوم الجمركية عند
دخولها إلى أسواق الاتحاد الأوروبي، وقد زاد
الاتحاد الأوروبي من تعقيد الوضع بالنسبة
للسلع الزراعية المصرية عندما وضع قواعد
لاستيراد السلع الزراعية ذات المكون
الصناعي أو السلع الزراعية المصنعة من مصر،
حيث يرى ضرورة عدم إعفاء المكون الزراعي في
هذه السلع من الرسوم الجمركية، ويرجع هذا
الموقف من الاتحاد الأوروبي إلى أنه طالب في
إطار اتفاقية الجات وضع حماية خاصة للمنتجات
الزراعية والزراعية المصنعة في الاتحاد
الأوروبي، وقد أقرت اتفاقية الجات له ذلك
وأصبح حقًّا مكفولاً له في جميع التعاملات
العادية والتفضيلية، في المقابل لم تفعل مصر
ذلك في إطار اتفاقية الجات، ولكن إذا كان
الاتحاد الأوروبي سيدخل مع مصر في اتفاق
تفضيلي يذهب في بعض أحكامه إلى أكثر مما ذهبت
إليه الجات من حيث المزايا والتحرير، فإنه
يجب أن يراعي المصالح المصرية، حيث إن فرصة
مصر الكبيرة عند دخولها في اتفاق مشاركة مع
الاتحاد الأوروبي ستكون في زيادة صادراتها
من السلع الزراعية والزراعية المصنعة إلى
دول الاتحاد الأوروبي بسبب ما تتمتع به مصر
من مزايا في هذا المجال وبسبب التوسع
الزراعي الحالي في مصر وما سيعتمد عليه من
صناعات؛ ولذلك ما زالت هناك خلافات عالقة
بين الجانبين بخصوص السلع الزراعية، وما
زالت هناك أصوات تطالب بإعطاء الصادرات
الزراعية المصرية إلى الاتحاد الأوروبي نفس
المزايا التي حصلت عليها السلع الصناعية،
ولكن هذا أمر مستبعد إلى حد كبير؛ وذلك
لسببين هما:
ـ
إن إعطاء نفس المزايا للصادرات الزراعية
المصرية سيؤثر على المنتجين الزراعيين في
دول الاتحاد الأوروبي والذين يمثلون حوالي
65% من الأصوات الانتخابية في بعض دول الاتحاد
مثل فرنسا.
ـ
إن إعطاء هذه المزايا للصادرات الزراعية
سيفتح على الاتحاد الأوروبي باباً لمشاكل
جديدة مع دول أخرى مثل تونس والمغرب، حيث
سيطالبون بحصولهم على نفس المزايا التي
ستحصل عليها مصر.
ورغم
الخلافات بين الطرفين حول الملف الزراعي
فليس من المتوقع تعطل الاتفاق؛ لأن الاتحاد
الأوروبي في أحسن الظروف سوف يعطي مصر نسبة
إعفاء جمركي لهذه السلع الزراعية؛ وذلك لأن
مصر تمثل بالنسبة للاتحاد الأوروبي دولة
محورية ومن مصلحته أن توقع على اتفاق
المشاركة لكي تعطي دفعة للمشاركة الأوروبية
المتوسطية في مجملها، ومن المتوقع أن يلجأ
الاتحاد الأوروبي إلى تحجيم الصادرات
الزراعية المصرية عند دخولها إلى أسواقه
بطرق أخرى، وما حدث مع الصادرات الزراعية
المغربية في العام الماضي (1999م) عند دخولها
إلى أوروبا يؤكد هذا التوقع.
في
تقرير للبنك الدولي حول رفع القدرة
التنافسية للصناعة المصرية قرر البنك أن
تحديث الصناعة المصرية يتكلف حوالي 12.5 مليار
دولار على مدى عشر سنوات؛ وذلك لرفع القدرة
التنافسية لعشرة آلاف مصنع مصري، وأكد ضرورة
ارتباط التحرير في الواردات الصناعية
بالتقدم في تحديث الصناعة المصرية، وبسبب
التخوفات المصرية من آثار تحرير التجارة في
السلع الصناعية مع الاتحاد الأوروبي كان من
الطبيعي أن تفكر مصر في إعادة هيكلة
صناعاتها المحلية؛ لتكون أكثر قدرة على
المنافسة مع المنتجات الصناعية الأوروبية
الأكثر جودة والأقل سعراً؛ ولذلك تم إعداد
برنامج لتحديث الصناعة المصرية بتمويل من
الاتحاد الأوروبي ودول أخرى، ويعتبر هذا
البرنامج عرضاً سخيًّا من الاتحاد الأوروبي
لمصر وفرصة ذهبية لإعادة هيكلة قطاعها
الصناعي، ورغم أن الأوساط الرسمية في مصر
أعلنت - وتؤكد دائماً - أنه لا علاقة بين
برنامج تحديث الصناعة واتفاقية المشاركة
المصرية الأوروبية، وأن البرنامج ليس
مدرجًا في الاتفاق فإن التمويل الذي يقدمه
الاتحاد الأوروبي لهذا البرنامج يؤكد عكس
ذلك.
ورغم
أن حجم الدعم المالي الذي يقدمه الاتحاد
الأوروبي غير محدد بدقة، فإن متابعة
المعونات المالية التي حصلت عليها مصر في
السنوات الماضية وأثناء المفوضات، وكذلك ما
يتوقع أن تحصل عليه يشير إلى أن مصر حصلت على
حوالي 800 مليون يورو كمِنَح لا ترد خلال
الثلاث سنوات الماضية لدعم الصندوق
الاجتماعي للتنمية في مصر ولدعم التعليم
والتدريب وتحديث الصناعة المصرية، وكذلك
حصلت مصر على حوالي 1992 مليون يورو منحاً على
المستوى الثنائي مع دول الاتحاد الأوروبي،
وهو ما يعني أن تدفق المنح من الاتحاد
الأوروبي إلى مصر قد زاد (5) أضعاف عن ما كان
عليه قبل الدخول في المفاوضات، ومن المتوقع
أن يصل حجم المعونات المقدمة لمصر لتحديث
صناعاتها خلال السنوات القادمة وبعد
التوقيع على الاتفاق من 200 إلى 300 مليون يورو
سنويًّا على مستوى اللجنة الأوروبية ومثلها
على مستوى العلاقات الثنائية بين مصر ودول
الاتحاد الأوروبي، وكذلك مثلها عن طريق
البنوك ومنظمات الإقراض الدولية، ويهدف
برنامج تحديث الصناعة المصرية إلى تطوير
مراكز التدريب، وإعادة هيكلة وزارة الصناعة
المصرية، وإنشاء تجمعات صناعية متكاملة،
ويعمل البرنامج على عدة محاور سواء على
مستوى المؤسسة الصناعية نفسها لتطوير هذه
المؤسسات ورفع مستوى المهارات أم إنشاء
مراكز للخدمات لتوفير المعلومات للقطاع
الصناعي وتوعية رجال الأعمال في القطاع
الخاص، وكذلك الاهتمام بدعم الصناعات
الصغيرة وتبني قضايا التصدير ورفع جودة
الإنتاج.
ورغم
أن برنامج تحديث الصناعة المصرية يمثل فرصة
ذهبية لإعادة هيكلة قطاع الصناعة في مصر؛
ليكون أكثر قدرة على الانفتاح على العالم
الخارجي وخاصة الاتحاد الأوروبي وأن تكاليف
هذا التحديث لن تتحملها الموازنة المصرية
فقط، فإن البعض ما زال يرى أن المبالغ
المرصودة لهذا البرنامج وخاصة من الاتحاد
الأوروبي لن تفي بالغرض المطلوب، ولن تجعل
الصناعة المصرية على نفس مستوى الصناعة
الأوروبية، وهو ما يجعل الدعم المادي
والمعونات التي يقدمها الاتحاد الأوروبي
لمصر في هذا المجال بمثابة الجزرة التي يلوح
بها الاتحاد الأوروبي لمصر حتى توقع على
اتفاقية المشاركة.
يمكن
إيجاز التحديات التي تفرضها المشاركة
الأوروبية على الاقتصاد المصري في الآتي:
ـ
يؤدي عدم التوازن في الاتفاق إلى تقليل
استفادة مصر من المزايا النسبية التي تتوفر
لها في التجارة الخارجية لبعض السلع وخاصة
السلع الزراعية، حيث لا يعطي الاتفاق صادرات
مصر الزراعية نفس المزايا التي يعطيها
للصادرات الصناعية، وهو ما لا يتفق مع
المصالح المصرية ويتنافى مع الأهداف
الأساسية للمشاركة التي تعمل على تحقيق
الفائدة للطرفين بناء على ما يتوفر لهما من
مزايا نسبية.
ـ
من المتوقع أن يؤدي تحرير الواردات المصرية
من السلع الصناعية الأوروبية إلى منافسة
شديدة للصناعات المحلية التي لا تتمتع بنفس
المزايا التي تتمتع بها الصناعات الأوروبية
من حيث الجودة وتكاليف الإنتاج وغيرها من
المزايا؛ ولذلك من المهم هنا تحديد أسلوب
التحرير هل هو أسلوب التحرير التدريجي لكل
الواردات أم التحرير الانتقائي؟
ـ
سوف تؤدي قواعد المنشأ التي وضعها الاتفاق
إلى تقليل فرص نفاذ السلع المصرية إلى
الأسواق الأوروبية، كما أنها من الممكن أن
تؤدي إلى تحول التجارة المصرية وخاصة في
جانب الواردات، لتتجه أكثر إلى دول الاتحاد
الأوروبي والدول المتوسطية الموقعة على
اتفاقيات مشاركة مع الاتحاد الأوروبي؛ وذلك
للاستفادة من مبدأ تراكم المنشأ وهو ما دفع
مصر مؤخراً إلى الشروع في التوقيع على
اتفاقيات لتحرير التجارة مع بعض الدول
العربية المتوسطية مثل تونس والمغرب، ويمكن
أن يكون هذا التحول في التجارة الخارجية
لمصر قائما على أسس اقتصادية سليمة من حيث
تحديد الدول التي من مصلحة مصر أن تقيم معها
منطقة تجارة حرة وما هو التكامل الأمثل في
هذه الحالة. ويقصد هنا بقواعد المنشأ مجموعة
من القواعد يتم الاتفاق عليها بين الطرفين
لاعتبار السلعة المصدرة من أحد الطرفين إلى
الطرف الآخر سلعة ذات منشأ وطني، وذلك وفقًا
لعدة اعتبارات:
1
- القيمة المضافة التي
تضيفها الصناعة المحلية على السلعة.
2
- تأثير عمليات الصناعة
المحلية التي تتم على السلعة لتغيير بندها
الجمركي.
أما
مبدأ تراكم المنشأ فهو عبارة عن مبدأ قام
الاتحاد الأوروبي بوضعه في اتفاقيات
المشاركة المتوسطية لتوسيع دائرة منطقة
التجارة الحرة بين دول حوض البحر المتوسط،
وهو يتلخص في أنه إذا قامت دولة مثل مصر
بتصدير سلعة إلى الاتحاد الأوروبي، فأي مواد
أولية تدخل في تصنيع هذه السلعة سواء من مصر
أم من الاتحاد الأوروبي أم مستوردة من أي
دولة متوسطية مثل تونس أو المغرب تعتبر مواد
ذات منشأ وطني، بشرط أن يكون هناك اتفاق
تجارة حرة موقع بين مصر والدولة المتوسطية
الأخرى المستورد منها المادة الأولية مثل
تونس أو المغرب.
ـ
لا تسمح قواعد المنشأ في اتفاق المشاركة
الأوروبية باسترداد أي رسوم جمركية على
الخامات المستوردة التي لم تكتسب صفة المنشأ
ويطبق هذا الحظر على أي رسوم أو مصروفات يتم
استردادها فقط في حالة التصدير إلى الاتحاد
الأوروبي، وهذا الشرط يمكن أن يؤثر على بعض
الصناعات المصرية وعلى قدرتها على التصدير،
خاصة وأن الرسوم على المواد الخام والوسيطة
لبعض الصناعات ما زالت مرتفعة في مصر إذا ما
قورنت بمثيلتها في الاتحاد الأوروبي أو في
الدول التي وقَّعت اتفاقات مشاركة مع أوروبا
مثل تونس والمغرب، وبالتالي سوف يكون
لصادرات هذه الدول ميزة نسبية عن الصادرات
المصرية المثيلة بسبب المزايا التي يقدمها
لها اتفاق المشاركة مع الاتحاد الأوروبي.
-
إعادة هيكلة الاقتصاد.. كيف ؟!!
هذه
التحديات التي تفرضها المشاركة الأوروبية
على التجارة الخارجية لمصر وعلى الاقتصاد
المصري تضع العديد من التساؤلات التي يجب
الإجابة عنها من الحكومة المصرية خلال فترة
قصيرة بصورة تعكس المصالح المصرية، وهذه
التساؤلات هي:
ـ
كيف يمكن إعادة هيكلة الصناعة المصرية بحيث
تصبح مؤهلة للمنافسة مع الصناعات الأوروبية
والدول الأخرى التي وقعت أو سوف توقع على
اتفاق مشاركة مع الاتحاد الأوروبي؟
ـ
ما قدرة الصناعة المصرية على الالتزام
بقواعد المنشأ التي وضعها الاتفاق؟
ـ
كيف تستفيد مصر من مبدأ تراكم المنشأ؟ وما
الدول التي من مصلحة مصر أن تقيم معها منطقة
تجارة حرة؟ وما التكتل الأمثل الذي يحقق
المصالح المصرية في هذه الحالة؟
ـ
ما مدى تحمل الصناعات المختلفة لمبدأ حظر
استرداد الرسوم الجمركية؟
ـ
ما البديل الأمثل لتحرير الواردات المصرية
من الاتحاد الأوروبي؟
ـ
ما الإطار المؤسسي المطلوب للإشراف على
تنفيذ هذه الاتفاقية بعد توقيعها؟
-
تحرير التجارة واجب أم لا ؟!!
ورغم
إيمان الحكومة المصرية بأن اتفاق المشاركة
مع الاتحاد الأوروبي يفرض العديد من
التحديات أمام التجارة الخارجية لمصر إلى
جانب العديد من المزايا المتوقع أن يقدمها
للاقتصاد المصري بصفة عامة، إلا أن الحكومة
المصرية تنطلق في تعاملها مع المشاركة
الأوروبية من نقطة هامة، وهي أنها خطوة
طبيعية ومطلوبة بعد أن أرست اتفاقية منظمة
التجارة العالمية الأسس الرئيسية لتحرير
التجارة العالمية، وأصبحت مصر ملتزمة بهذه
القواعد، وكذلك في ظل التزام مصر بمنطقة
التجارة الحرة مع مجموعة الكوميسا في أكتوبر
المقبل، وفي ظل عضويتها في اتفاقية منطقة
التجارة الحرة العربية الكبرى التي تبدأ في
عام 2007م، ومن ثَمَّ فإن انفتاح الاقتصاد
المصري والصناعة المصرية هو أمر حتمي، ومن
ثم لم يَعُد السؤال هو: هل يجب علي مصر تحرير
تجارتها الخارجية مع العالم ككل ومع الاتحاد
الأوروبي بصفة خاصة أم لا ؟
-
مهام مصرية في الفترة الانتقالية:
ولكن
السؤال هو: ما المنهج الواجب اتباعه حتى يؤدي
هذا التحرير إلى تحقيق المصالح المصرية
وتعظيم القدرة التنافسية للصادرات المصرية
؟
وذلك
سواء كان هذا التحرير في إطار اتفاقيات
منظمة التجارة العالمية أم في إطار منطقة
التجارة العربية الحرة أم منطقة الكوميسا أم
في إطار المشاركة المصرية الأوروبية، ومن ثم
يمكن القول بأن مصر مطالَبَة بإنجاز عدد من
المهام خلال الفترة الانتقالية للاتفاقية،
وأهمها:
ـ
لا بد من الإسراع بإعادة هيكلة الصناعة
المصرية قبل انتهاء الفترة الانتقالية
لاتفاقية المشاركة وذلك من خلال الآتي:
ـ
التوجه نحو الصناعات ذات الميزة النسبية
والتنافسية في مصر.
ـ
العمل على رفع الإنتاجية الصناعية، وتخفيض
التكاليف وتحسين الجودة.
ـ
العمل على إنشاء صناعات حديثة عالية
التكنولوجيا وجذب رؤوس الأموال الأوروبية
للمساهمة فيها.
ـ
الاستفادة من البرنامج الأوروبي لإعادة
هيكلة الصناعة المصرية المقدم لمصر في إطار
المشاركة.
ـ
الاستفادة من إقامة مناطق حرة للصناعات
التصديرية؛ لتكون هذه المناطق نقطة جذب
للشركات التي تنتج من أجل التصدير.
ـ
لا بد من الدراسة المتأنية والشاملة لقواعد
المنشأ المقترحة في إطار اتفاق المشركة
وآثارها على الصناعات المصرية، وخاصة التي
تعتمد على مستلزمات إنتاج مستوردة من دول
غير الاتحاد الأوروبي أو الدول التي وقعت أو
ستوقع على اتفاق مشاركة معه، وبناء على تلك
الدراسة يمكن تقرير ما هو المطلوب تغيره في
هذه القواعد؛ حتى يمكن تعظيم القدرة
التنافسية للصادرات المصرية، وقد يكون من
الأفضل طلب تعديل هذه القواعد لفترة
انتقالية حتى يتم إعادة تأهيل الصناعة
المصرية، وقد يكون من المناسب لمصر ترك
الملف الزراعي مفتوحاً؛ وذلك ليكون من حق
مصر طلب أية مزايا جديدة في هذا المجال،
وخاصة أن مصر تشهد حالياً طفرة في الإنتاج
الزراعي في ظل التوسع في استصلاح الأراضي في
توشكي ومناطق أخرى.
بالنسبة
لتحرير واردات مصر من الاتحاد الأوروبي في
إطار هذه الاتفاقية هناك ثلاثة خيارات أمام
مصر، وهى:
ـ
اتباع منهج التحرير التدريجي بالنسبة لجميع
السلع على مدى 12 سنة؛ حتى يتم إلغاء التعريفة
الجمركية على هذه الواردات تماماً بنهاية
هذه الفترة، وهو بديل في صالح المستهلك
المصري؛ لأنه يخفض أسعار الواردات منذ
البداية.
ـ
اتباع المنهج الذي اتبعته تونس والذي يقضي
بالتحرير الانتقائي المتدرج، حيث يتم تحرير
المواد الخام والسلع الاستثمارية أولاً (على
مدى 10 سنوات)، ثم تحرير السلع الوسيطة (على
مدى سنتين)، وتحرير السلع الاستهلاكية (على
مدى 9 سنوات تبدأ بعد السنة الثالثة للاتفاق)،
وهذا الأسلوب يعطي للصناعات المصرية فترة
انتقالية لزيادة إنتاجها وكفاءتها. ولكن من
الممكن أن يكون لهذا الأسلوب مشاكله بعد ذلك
إذا تم تخفيض التعريفة الجمركية وصاحب ذلك
زيادة في الاستثمار في هذه الصناعات.
ـ
اتباع منهج التحرير المنصوص عليه في اتفاقية
منظمة التجارة العالمية وهو أسلوب التحرير
التدريجي، وهذا الأسلوب لا يميز بين الشركاء
التجاريين ويعاملهم على قدم المساواة ومن
ثَمَّ ينتفي مبدأ المشاركة.
اقرأ
أيضًا:
-
إفريقيا
وأوروبا..من التجارة الخرساء إلى قمة
القاهرة
-
الشراكة
المغربية الأوروبية شراكة من جانب
واحد
-
التعاون
الأورومتوسطي مغانم لأوروبا.. ومغارم للعرب
!!
-
القمة
الأفرو-أوروبية بالقاهرة عجلة المشاركة
تنتظر الوقود
أقرأ
باقي موضوعات العدد:
§ إيران وألمانيا: عودة الدفء على أنغام
التجارة
|