|
إفريقيا وأوروبا.. من التجارة الخرساء
إلى قمة القاهرة
مغاوري شلبي
-باحث اقتصادي-
مع
اكتشاف القارة السوداء.. بدأ الأوروبيون في
مغازلة الدول الإفريقية اقتصاديًّا من خلال
التجارة؛ وذلك بهدف الحصول على الذهب
باعتباره أغلى الثروات الإفريقية التي كانت
تتطلّع إليها أوروبا، ولكن هذه التجارة كانت
تتمّ بطريقة غريبة، حيث كان التجار
الأوروبيون يقومون بدق الطبول لإعلام
السكان في الدولة الإفريقية التي ينزلون بها
عن تجارتهم، ولكن السكان الأفارقة كانوا
يعيشون داخل حفر أو أكواخ، ويرفضون الخروج
منها، ولكن التجار الأوروبيين تغلبوا على
ذلك، حيث كانوا يقومون بترتيب سلعهم
التجارية في أكوام ثم يتوارون عن الأنظار،
وعندئذ يخرج السكان المحليون ويضعون كمية من
الذهب بجوار كل كومة من السلع، ثم ينسحبون
وإذا ما وجد التجار الأوروبيون أن ذلك
يرضيهم فإنهم يأخذون الذهب، ويدقون الطبول
أثناء رحيلهم في إشارة إلى انفضاض السوق،
وهذه التجارة بين الأوروبيين والأفارقة
أُطلق عليها "التجارة الخرساء أو الصامتة"،
ولكن في القرن الحادي والعشرين نجد الأفارقة
والأوروبيين يجلسون سويًّا على طاولة
المفاوضات في القاهرة في الثالث والرابع من
أبريل 2000م
الجاري لتدشين مشاركة اقتصادية بينهم،
وتعتبر قمة القاهرة هي أكبر تجمع يضم دولاً
من الطرفين؛ الأوروبي والإفريقي، حيث
يحضرها رؤساء دول وحكومات دول الاتحاد
الأوروبي الخمسة عشر والمسؤولون في مؤسسات
العمل الأوروبي المشترك، كما يحضرها أمين
عام الأمم المتحدة، ويحضرها من الجانب
الإفريقي 52 دولة، وتأتي هذه القمة وسط خلاف
إفريقي أوروبي حول أولوية الموضوعات التي
تتناولها هذه القمة.
قال
"كسيلي- هايفورد" الإفريقي في عام 1922م:
"لقد كنا شعوبًا متطوّرة ولنا مؤسساتنا
الخاصة وأفكارنا الخاصة عن الحكومات
والاقتصاد قبل أن تدخل أوروبا في علاقات مع
شعوبنا الإفريقية"، ولكن في القرن الحادي
والعشرين ومع انعقاد القمة الإفريقية
الأوروبية.. من الواضح أن إفريقيا تعتبر
متخلفة مقارنة بأوروبا الغربية، ومن هنا
يثار سؤال هام، وهو: ما دور أوروبا في تخلّف
إفريقيا؟ وفي أي اتجاه تتطور العلاقات
الاقتصادية بين إفريقيا وأوروبا؟
لقد
مرّت العلاقات الاقتصادية بين إفريقيا
وأوروبا بثلاث مراحل رئيسية؛ وهذه المراحل
هي:
1-
مرحلة الاستعمار:
وترجع
هذه المرحلة إلى أواخر القرن الخامس عشر،
حيث قامت بين أوروبا الغربية وإفريقيا
علاقات اقتصادية في ظل الاستعمار العسكري
الأوروبي لإفريقيا أدّت إلى نزح الثروة من
إفريقيا إلى أوروبا، ولم تكن عملية النزح
هذه ممكنة إلا من خلال التجارة العالمية بين
الطرفين، وفي خلال هذه المرحلة ساعدت ثروات
إفريقيا على تطوّر أوروبا بالقدر نفسه الذي
أسهمت فيه أوروبا في تخلّف إفريقيا، وقد
ساعد أوروبا في ذلك تفوّق سفنها وسيطرتها
على الممرات المائية في العالم، وسيطرة
البرتغاليين والأسبان على قطاع رئيسي من
التجارة الدولية حتى أواخر القرن السابع
عشر، وقد استخدمت أوروبا طرقًا عديدة لنزح
الثروات الإفريقية في ظلّ الاستعمار
العسكري؛ منها: تصدير السلع التي سبق
استخدامها في أوروبا، وكذلك السلع الرديئة
والراكدة إلى إفريقيا، بل إن أوروبا قامت
بالمتاجرة في الإنسان الإفريقي نفسه من خلال
تجارة الرقيق لتحقيق أهدافها وأطماعها
الاقتصادية.
2-
مرحلة التعاون:
بدأت
هذه المرحلة بعد حصول الدول الإفريقية على
استقلالها السياسي، وبدأت سيطرتها على
مواردها الاقتصادية إلى حدٍّ ما، وقد قام
التعاون الاقتصادي بين إفريقيا وأوروبا على
أساس تقديم أوروبا لمزايا تفضيلية لصادرات
الدول الإفريقية إلى أوروبا من طرف واحد دون
مطالبتها بالمعاملة بالمثل، وتقديم مساعدات
مالية وفنية إليها في العديد من المجالات
الاقتصادية والاجتماعية، وقد نظّمت
العلاقات الاقتصادية لأوروبا مع الدول
الإفريقية خلال هذه المرحلة اتفاقيات تعاون
مع كل دولة إفريقية منفصلة أو من خلال اتفاق
جماعي مثل اتفاقية لومي القديمة.
3-
مرحلة المشاركة:
وبدأت هذه المرحلة مع عام 1994 حيث غيَّر
الاتحاد الأوروبي سياسته تجاه معظم دول
إفريقيا ونقلها من مرحلة التعاون وتقديم
مزايا ومعونات من طرف واحد إلى مرحلة مشاركة
أي المعاملة بالمثل، وقد عقد الاتحاد
الأوروبي اتفاقات مشاركة مع عدد من الدول
الإفريقية؛ مثل تونس والمغرب ودولة جنوب
إفريقيا، ومن المنتظر أن يوقع اتفاق مماثل
مع مصر قريبًا.
أشباح
الاقتصاد الإفريقي تسيطر على قمة القاهرة
ما
زال الاقتصاد الإفريقي يعاني كثيرًا من
المشاكل، وذلك بسبب التخلف المتوارث في
بلدان القارة، والصراعات السياسية والكوارث
الطبيعية، وتزايد المديونية الخارجية،
وتعثّر عمليات التكامل الاقتصادي بين
التجمعات الاقتصادية الإفريقية، وتشير
الأرقام إلى أن الديون الخارجية للدول
الإفريقية تلتهم معظم الموارد اللازمة
لتحقيق التنمية في إفريقيا؛ حيث وصلت هذه
الديون إلى أكثر من 380 مليار دولار أغلبها
مستحق للدول الأوروبية، كذلك هناك صورة غير
وردية لأوضاع منظمة الوحدة الإفريقية التي
تضمّ 53 دولة؛ حيث هناك 12 دولة فقط التي قامت
بسداد التزاماتها المالية في المنظمة،
وتبلغ المتأخرات لبقية الدول 58.3 مليار
دولار، وهو ما يؤثّر سلبًا على برامج منظمة
الوحدة الإفريقية ومشروعاتها الاقتصادية،
أيضًا ما زالت دول القارة الإفريقية تسعى
إلى وضع آلية لاتخاذ موقف جماعي موحّد في
المحافل الدولية الاقتصادية؛ مثل: منظمة
التجارة العالمية، ومنتدى دافوس، ومنظمة
الأونكتاد وغيرها، وكان هذا هدفًا من أهداف
اجتماعات المؤتمر الوزاري للدول الإفريقية
في أديس أبابا في 10 مارس 2000 الماضي، وبالتالي
تحضر إفريقيا مؤتمر القاهرة وهي محمّلة
بالعديد من المشاكل الاقتصادية والسياسية
على أمل أن تخرج منها بعلاج ناجع لهذه
المشاكل تساعد أوروبا بدور رئيسي فيه.
كيف
تنظر أوروبا إلى قمة القاهرة؟
من
الواضح أن التوجّه الأوروبي في قمة القاهرة
يعطي أولوية لقضايا حقوق الإنسان
والديمقراطية ومحاربة الفساد في الدول
الإفريقية، كما تركز أوروبا على أن تدشّن
هذه القمة علاقة مشاركة إستراتيجية مع
إفريقيا تقوم على إلغاء نظام إعطاء المزايا
التفضيلية والمعونات من جانب واحد، وأن
تعتمد العلاقة بين الطرفين بعد فترة
انتقالية على المعاملة بالمثل، وقد سعت
أوروبا إلى التأكيد على فكرة المشاركة مع
إفريقيا من خلال ثلاثة مستويات هي:
-
اتفاقية لومي واتفاقيات المشاركة مع الدول
الإفريقية في حوض المتوسط، وهي الإطار
التنظيمي للعلاقات الأوروبية الإفريقية
والتي تضمّ علاقات اقتصادية وارتباطات
مالية وترتيبات سياسية.
-
إنشاء منطقة تجارة حرة مع دولة جنوب إفريقيا
في فبراير 2000 وتنفيذ بروتوكول إنشاء
منطقة تجارة حرة داخل منطقة "سادك"
الإفريقية.
-
قمة القاهرة الأفرو-أوروبية والتي تعتبر
الأولى من نوعها بين الطرفين.
ومن
الملاحظ أيضًا أن الأوروبيين في نفس الوقت
الذي ينشغلون فيه بعملية إدماج الاقتصاديات
الإفريقية في الاقتصاد العالمي إلا أنهم
يتحفظون على تقنين دورية انعقاد القمة
الأفرو-أوروبية، وذلك بسبب التخوف من تحمّل
الدول الأوروبية مزيدًا من الالتزامات،
وخاصة في مجال المعونات أو الديون، في نفس
الوقت فإن الأوروبيين يرون أن قضية الديون
الإفريقية ليس مكانها في قمة القاهرة؛ وإنما
يجب أن تناقش على المستوى الدولي، وفي هذا
المجال يقول "مارسيل لوروا" –مستشار
الاتحاد الأوروبي للعلاقات متعددة الأطراف-:
"إن قضية الديون الإفريقية سوف تطرح على
قمة القاهرة، ولكن لا أعتقد أنه سيتم اتخاذ
قرارات حاسمة وقاطعة بشأنها، ولكن لا بد من
تقييم مشكلة الديون الإفريقية في سياق دولي،
وإن المنبر المناسب والأساسي لبحثها هو
مجموعة الدول الثماني الصناعية"، وهذا
يعكس اختلاف الرؤية الأوروبية بشأن معالجة
مشكلة الديون الإفريقية وأن الرهان على موقف
أوروبي لإلغاء هذه الديون في قمة القاهرة هو
رهان خاسر، وهذا يعني أن الطموحات الإفريقية
المعقودة على هذه القمة هي مجرد سراب.
الديون
والفقر في إفريقيا والنظرة الدولية إليهما
البيانات
الدولية الحديثة عن الفقر تشير إلى أن قائمة
الدول الأكثر فقرًا تضمّ 36 دولة من بينها 29
دولة في قارة إفريقيا، وهذا هو التقسيم الذي
تأخذ به المؤسسات والمنظمات المالية
والنقدية العالمية وتتوزع هذه الدول الأكثر
فقرًا في إفريقيا على النحو التالي:
إقليم
شرق إفريقيا:
ويشمل 3 دول هي "إثيوبيا- الصومال- السودان".
إقليم
غرب إفريقيا:
ويشمل 15 دولة هي
"بنين- بوركينا فاسو- تشاد- كوت ديفوار-
غانا- غينيا- غينيا بيساو- ليبريا- مالي-
موريتانيا- النيجر- ساوتومي وبر نسيب-
السنغال- سيراليون- توجو".
إقليم
وسط إفريقيا:
ويشمل 6 دول هي "الكاميرون- الكونغو-
الكونغو الديمقراطية- روانـدا-
أوغندا- إفريقيا الوسطى.
إقليم
جنوب إفريقيا:
ويشمل 5 دول هي "مالاوي- موزمبيق- مالا جاش-
تنزانيا–
زامبيا".
ويُرجع
الأمين المساعد للأمم المتحدة والسكرتير
التنفيذي للجنة الاقتصادية لإفريقيا الوضع
الاقتصادي المتدهور في أغلب دول إفريقيا إلى:
الصراعات وعدم الاستقرار، وعدم الأخذ
بإصلاحات اقتصادية فعالة، ويعتبر مشكلة
الديون الخارجية من أخطر مشاكل هذه الدول،
والتي بلغت قيمتها 380 مليار دولار، وتلتهم
معظم موارد هذه الدول.
وقد
مرّت مواقف الدول الدائنة لإفريقيا من هذه
الديون بتطورات؛ حيث انتقلت مواقفها من مجرد
الحديث عن إسقاط هذه الديون بصياغات لفظية
مختلفة إلى تقديم مقترحات وطرح مبادرات
لتخفيف أعباء هذه الديون عن كاهل الدول
الإفريقية، وطرحت هذه المقترحات والمبادرات
في اجتماعات مجموعة الدول الصناعية وفى
اجتماعات الصندوق والبنك الدوليين وفى
الأمم المتحدة وغيرها من المحافل الدولية،
وكان أهم هذه المبادرات المبادرة الأمريكية
التي طرحها الرئيس "كلينتون" والمبادرة
الأوربية والمبادرة البريطانية.
وجهة
النظر الأمريكية:
حيث
ترى الولايات المتحدة الأمريكية أن الظروف
الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في الدول
الإفريقية الأكثر فقرًا والمدينة لا تسمح في
الوقت الراهن بتطبيق برامج ومقترحات وشروط
معيّنة لإلغاء هذه الديون، وربما تنطلق هذه
الرؤية من أن الديون المستحقة للولايات
المتحدة الأمريكية لدى الدول الإفريقية لا
تتجاوز 6 بلايين دولار فقط، ومن ثم فإن ما
ستتحمله بسبب إلغاء هذه الديون قليل، وخاصة
أن قيمة هذه الديون تتعرض للانخفاض.
وجهة
النظر الأوروبية:
ترى
معظم الدول الأوروبية أن الديون الإفريقية
يجب أن تناقش في إطار دولي وفي إطار دول
الثماني الصناعية، وأن قرار إلغاء الديون
الإفريقية يجب أن يكون مشروطًا، وذلك مثل
الاتفاق على استخدام الأموال المترتبة على
إلغاء الديون في مكافحة الفقر وتمويل برامج
الرعاية الصحية والتعليم، وهذه الرؤية يتفق
معها صندوق النقد الدولي ولكن الصندوق يرى
أيضًا ضرورة استعمال وترويج مصطلح فني جديد
في معاملاته مع الدول الإفريقية في مجال
إلغاء الديون المستحقة عليها، حيث يرى ضرورة
التراجع عن استخدام مصطلح "برامج التكيف
الهيكلي" وأن يُستخدم مصطلح "برامج
تقليل الفقر وتسهيلات النمو"، وهذا
التغيير في رؤية البنك الدولي هو من باب
إظهار إنسانية العولمة، أو بمعنى أصحّ
محاولة "أنسنة العولمة"، ولكن ما زال
ذلك مجرد اتجاه شكلي من البنك الدولي ولا
يعني ذلك تغييرًا جوهريًا في مضمون سياسته.
اقرأ
في نفس الموضوع:
-
اتفاقية
لومي تدشن مشاركة اقتصادية بين إفريقيا
وأوروبا
اقرأ أيضًا:
- القمة
الأفرو- أوربية الأولى ..صراع الأولويات
- 145 مليون
دولار لإنقاذ 13 بلدًا فقيرًا
- مطالب إفريقية من أوروبا أبريل المقبل
- تنمية الفقراء
للأغنياء.. تدفق الثروات من الجنوب للشمال
- إفريقيا وتحديات
الألفية الثالثة
|