|
الطبقيَّة الشبكية
الوجه الآخر لثورة الاتصالات
يونس علي
لم
يعد نادرًا تشبيه ما أحدثته، وينتظر أن تحدثه
شبكة العنكبوت (الإنترنت) من ثورة في عصر
الاتصالات الالكترونية الحديثة، بما سبق أن
أحدثته القاطرة البخارية من ثورة صناعية
بدَّلت وجه المعمورة عبر ثلاثة قرون تالية.
ومن أراد تكوين تصوّر مبدئي عن ذلك فعليه أن
يتابع آفاق الجيل الثاني من الشبكة، لنقل
المعلومات بسرعة تزيد على السرعة الراهنة
أضعافًا مضاعفة، وبوسائل لا تختصر المسافات
الجغرافية، وتقضي على مفعول الحواجز
التقليدية فحسب، بل تلغي في الوقت نفسه ما بقي
من موانع في وجه اندماج وسائل التقنية ببعضها
بعضًا؛ لتنشأ بذلك وحدة تجمع ميزاتها فتتكامل
وتتضاعف، وتضم تقنيات البث الصوتي والمصوّر،
والاتصال بالهاتف الآلي والخلوي، ووسائل
الاتصال الرقمية، فضلاً عن اندماج شبكات
الاتصال بعضها ببعض؛ لتستخدم –علاوة على
الأسلاك النحاسية التقليدية في شبكات الهاتف
- أسلاك الألياف الزجاجية والأقمار الصناعية
والأشعة تحت الحمراء على السواء، بل ولتستخدم
أسلاك الشبكات الكهربائية الواسعة الانتشار
جنبًا إلى جنب مع استخدامها التقليدي لنقل
التيار الكهربائي.
طبقيَّة
اقتصادية
هذا
غيض من فيض .. يضاف إليه عنصر بالغ الأهمية،
وهو مضاعفة القدرة على كثافة التخزين، ويرمز
إلى ذلك ازدياد صغر حجم رقائق تخزين
المعلومات الكترونيًّا، مقابل مضاعفة حجم
استيعاب تلك الرقائق، حتى أصبحت التقنية التي
يتضمنها هاتف خلوي حديث اليوم، تعادل ما
احتاجته منشآت الحاسوب في قطاع الملاحة
الكونية في توجيه أول رحلة مأهولة إلى القمر
من بدايتها إلى نهايتها.
والأهم
من سائر ما سبق هو القدرة على التفاعل
التطبيقي مع التقنيات الجديدة، فما لا يجري
توظيفه لصناعة جهاز جديد أو تحقيق غرض مفيد،
يفقد قيمته تدريجيًا .. بل بين ليلة وضحاها في
عصر السرعة الراهن، والواقع أن سرعة هذا
التفاعل التطبيقي بلغت في هذه الأثناء ما
يواكب سرعة الابتكارات المتوالية. فأثناء
تطوير جهاز جديد، أو استكشاف الطريق أمام
ابتكار جديد، توضع الدراسات لتأمين مواطن
استخدامه وتصريفه في الأسواق، كما يبدأ
الإعداد لمرحلة التطوير والابتكار التالية ..
اعتمادًا – ولاحظ الترتيب - على ما لا يزال
" يُنْتظر " تحقيقه بعد !..
وعلى
سبيل المثال .. من أبرز الميادين التي تشهد
نشاطًا كبيرًا كما ظهر أثناء آخر دورة لمعرض
"سي بيت " الدولي في هانوفر بألمانيا -وهو
من أكبر معارض تقنية الحاسوب عالميًّا-
ميدان "التجارة الشبكية "، وسبق أن
شاع الحديث عن تنامي استخدام الشبكة في
معاملات البيع والشراء بين الشركة المنتجة
والمستهلك، ووصل حجم ذلك عالميًّا إلى عشرات
المليارات، ويبدو للمراقب عن بعد أنّ هذه "
ظاهرة جديدة " تحتاج إلى دراسة ما ستسفر عنه
بعد سنوات، والواقع أنها أصبحت في هذه
الأثناء – قبل اكتمال معالمها- وكأنّها من
"حديث الأمس" .. إذ تؤكّد فعاليات المعرض -
ومنها 135 محاضرة عن الشبكة والتجارة الشبكية
خلال 7 أيام - أن سائر ما تحقق في التجارة
الشبكية كان بمثابة "اختبار مبدئي "، لما
بدأ الشروع فيه للمعاملات بين الشركات
والمصارف المالية نفسها، وليس مع المستهلك من
العامة فقط، بدءًا بتصميم إنتاج جديد، مرورًا
بتوريد القطع التكميلية إلى الشركة الأم،
وانتهاءً بعقد الصفقات على مختلف المستويات،
فضلاً عمَّا بدأ بالفعل كتداول الأسهم
المالية عبر الشبكة. وقطاع المعاملات الشبكية
"ما بين الشركات " هذا حقق في بداياته
الأولى ما بلغ 114 مليار دولار عام 1999 م، وينتظر
أن يبلغ حجمه 2500 مليار دولار سنويًّا مع حلول
عام 2004 م، أي ما يزيد على حجم الديون الخارجية
المتراكمة على 130 دولة نامية على امتداد 50
عامًا مضت.
وفي
مقدّمة ما يحذّر منه الخبراء داخل قطاع تقنية
الاتصالات الحديثة وخارجه، الركون إلى
الميزات الكبرى للشبكة العالمية، وإغفال ما
يرافقها من مخاطر كبرى، ومن تلك "الطبقية"
الجديدة، التي تساهم في صُنْعِها تطبيقاتُ
تقنيةِ الاتصالات الحديثة على غرار ما صنعت
تطبيقات الرأسمالية من قبل، والعلامة
الفارقة بين طبقة " شبكية " وأخرى، هي
مستوى القدرة على تحصيل العلم والمعرفة
الملائمة لعصر الاتصالات الحديثة وتوظيف تلك
الحصيلة .. وبدأت تنتشر هذه الظاهرة الطبقية
على أكثر من مستوى، في القطاع الاقتصادي
نفسه، وداخل نطاق المجتمع الواحد في دولة
بعينها، وفي الساحة الدولية.
بدأت
هذه الطبقية تنتشر اقتصاديًّا .. ولا تستبعد
توقعات المتخصصين أن تصبح شبكة العنكبوت خلال
سنوات معدودة تحت هيمنة عدد محدود من الشركات
والمصارف المالية العملاقة، أي تلك التي
تهيمن اقتصاديًّا وماليًّا على الصعيد
العالمي، وتزيد هيمنتها في ظل مسيرة العولمة،
فلا تدع لشركات صغيرة قد تعترض طريقها ما يزيد
على حدود القدرة على التنفس والبقاء. وتشهد
على ذلك مثلاً وفرة صفقات " الشراء القسري
" غير المعتاد في الماضي القريب لبعض
الشركات الأصغر إذا ما حققت نجاحًا يهدد
مكانة شركة كبيرة في القطاع نفسه، وهذا ما
ازدادت نسبته ازديادًا كبيرًا، ومثاله في
تقنية الاتصالات ما صنعت مؤخرًا شركة "
فاندوفان " البريطانية-الأمريكية مع شركة
" مانيسمان " الألمانية. ومن المعروف أنّ
السنوات القليلة الماضية شهدت ارتفاع موجة
الاندماج بين الشركات ارتفاعًا مطّردًا،
وينتظر المزيد، علاوة على سلوكها ميادين
جديدة لتوظيف الشبكة لتحقيق "التعاون"
فيما بينها، رغم ضخامة قدرات كل منها على حدة،
كما هو الحال مثلاً مع المشروع المقرر مؤخرًا
بين Daimler
Chrysler، وFord
، وGeneral Motors،
من قطاع صناعة السيارات، للتعاون في توظيف
الشبكة في تطوير عملية الإنتاج وتنفيذها، مع
توقعات تقول إنّ ذلك سيخفض التكاليف بما
يعادل وسطيًّا ألف دولار لكل سيارة.
ولا
نطيل بالأمثلة على ميادين أخرى لتأكيد ما
تعنيه ظاهرة الطبقية الشبكية على الصعيد
العملي، فما يقال في هذا الميدان يقال شبيهه
في تطوير المعاملات المصرفية، وتطوير
استخدام الشبكة بين الجامعات ومعاهد البحوث،
وبين الدوائر الحكومية والسلطات، وفي
الخدمات اليومية .. كقطاع الفنادق والمطاعم
والاستعلامات والسياحة وغير ذلك.
طبقيَّة
اجتماعية
وما
يسري على القطاع الاقتصادي والمالي - الذي بات
يتحكم في كثير من الميادين الأخرى،
الاجتماعية والفكرية والثقافية والسياسية
والأمنية - يسري على
مستوى آخر داخل نطاق المجتمع في كل دولة
صناعية متقدمة على حدة، حيث نرصد مفعول شبكة
العنكبوت في زيادة حدّة الهوة الاجتماعية
الداخلية الفاصلة بين الثراء والفقر،
والرفاهية والبؤس، والعلم والجهل، وهذا مما
تشهد عليه البحوث الجارية عن السنوات القليلة
الماضية، مع ملاحظة أن اتساع نطاق الفقر كان
أسرع وأشدّ في الدول التي سبقت سواها في
التقنية الشبكية، وفي مقدمتها الولايات
المتحدة الأمريكية، فمع ارتفاع عدد أصحاب
الملايين إلى زهاء 3 ملايين شخص، ازداد عدد
الأطفال الذين لا يجدون بسبب الفقر ما يكفي من
الطعام أكثر من 4 ملايين ومائتي ألف طفل، أي
حوالي 20 % من الأطفال والناشئة الأمريكيين دون
16 عامًّا من العمر .. وهذا في مرحلة نمو
اقتصادي متواصل منذ ثمانية أعوام، ووصوله
حاليًا إلى ضعف ما كان عليه قبل 25 عامًا.
وكما
تزداد حدة الطبقية داخل الدولة الواحدة، بات
ينتظر ذلك ما بين الدول المتقدمة، ويوجد
بينها من يخشـى أخطار "التخلف" في السباق
الذي بلغت سرعته مع حلول الألفية الميلادية
الثالثة ذروة جديدة –
وليس موقع ألمانيا الاقتصادي والتقني
مجهولاً –
ورغم ذلك بدأت " تهرول " قبل أن يفوتها
الركب، فأعلنت مثلاً عن فتح الأبواب قريبًا
لجلب خبراء ومتخصصين في الحاسوب والبرمجة
والاتصالات الشبكية، من خارج الاتحاد
الأوروبي، وهذا كاستثناء غير مسبوق من قوانين
الحظر المشدّد المفروض على جلب العمال
الأجانب منذ 14 عامًا، فالشركات الألمانية في
قطاع تقنية الاتصالات تشكو حاليًا من بقاء ما
يتراوح بين 70 ألفًا و100 ألف مكان عمل تخصصي
شاغر لديها، بينما تشكو البلاد بمجموعها من
ارتفاع البطالة في البلاد إلى زهاء أربعة
ملايين عاطل عن العمل. وقد ارتفعت الأصوات
التي تُحمّل الدولة والقطاع الاقتصادي
المسؤولية عن عدم الاستعداد مبكرًا للوضع
الراهن، والتقصير فيما كان يتطلبه من تطوير
للتأهيل المهني في الوقت المناسب، وطرحت
المشروعات لزيادة عدد أماكن التأهيل إلى أكثر
من أربعة أضعافها حاليًا.
وعلى
ضوء ما سبق يمكن التأكيد على الآتي:
-
إن الخطر الأعظم المنتظر على الصعيد العالمي
كامن في نشوء " طبقية " اقتصادية
واجتماعية أشد عمقًا ومفعولاً ما بين الشمال
والجنوب في ميدان الاستفادة من ثورة
الاتصالات الحديثة وتطويرها وتوظيفها،
وانعكاسات ذلك على سائر الميادين الأخرى.
-
إن الطبقية " الشبكية " ستكون أوسع
نطاقًا وأمضى تأثيرًا داخل المجتمع الواحد في
نطاق الدولة النامية، لاسيّما إذا كرّرت
البلدان النامية ما شهده القطاع الاقتصادي
والمالي من تركيز القليل من إمكانات
الاستفادة من تقنيات مستوردة، في أيدي فئات
محدودة العدد تسيطر على صناعة القرار
الاقتصادي والمالي.
الخاسرون
غدًا ..
لا
ينقطع الحديث عن ضرورة الاهتمام بالتقنيات
الحديثة في البلدان العربية والإسلامية، وهي
الجزء الرئيسي من البلدان النامية، ولكن ما
زال الحديث يتطابق غالبًا عما رافق المبتكرات
التقنية وتطبيقاتها الصناعية الحديثة في
العقود الماضية، فلا يكاد يتطلع إلى ما
يتجاوز الاستيراد الاستهلاكي للمنتجات .. وما
يوصف بالصناعة المحلية من عمليات تجميع
وتركيب لقطع جاهزة، فضلاً عن الاعتماد على
خبرات أجنبية .. وتهجير الأدمغة المحلية،
وفضلاً عن انتظار تقنيات جديدة تبتكرها الدول
المتقدمة .. وفضلاً عن إعطاء الأولوية
للارتباطات القطرية بدول أجنبية حتى أصبحت
أرسخ وأثبت من ارتباطات الجوار والارتباطات
الإقليمية، بل وبما يتعارض مع المصالح
الذاتية الانفرادية والجماعية في غالب
الأحوال.
إنّما
نواجه في الوقت الحاضر ما هو أبعد من ذلك
مفعولاً .. فعلاوة على ما صنعه الخلل في
العلاقات الاقتصادية الدولية وفي قطاع
التطور الاقتصادي في بلادنا خلال العقود
الماضية، منذ الحرب العالمية الثانية إلى
الآن، نواجه عنصرًا إضافيًّا لا يستهان
بأهميته للحاق بالركب الاقتصادي والتقني على
المستوى المطلوب، وهو عنصر القيمة الجديدة
لعامل الزمن، وقد كان بالغ الأهمية على
الدوام، وزادت التقنية الشبكية أهميته
أضعافًا مضاعفة، وإذا صحت المقارنة بين مفعول
شبكة العنكبوت ومفعول الآلة البخارية في
صناعة " ثورة " في تطوير الحياة البشرية،
فإن تعبير " الثورة " يصلح أيضًا لوصف
التغيير الحادث لقيمة الزمن في مسيرة التطوير
الجارية، فسرعة التطورات الناجمة عن كل من
الثورتين الصناعية والالكترونية مختلفة
اختلافًا كبيرًا، ولم يعد توالي الابتكارات
الجديدة ، وبالتالي توالي سرعة استيعابها
وتوظيفها والإعداد لجيل جديد يخلفها .. لم يعد
يقاس بالعقود من السنوات، بل ببضع سنوات،
وأحيانًا بما لا يزيد على عام واحد ..!
إن
من لا يوفِّر اليوم المعطيات والشروط
الضرورية لمواكبة هذه السرعة المتزايدة ..
سيكون من الخاسرين قبل أن يتمكن من فهم كيف
وقعت خسارته.
وأول
ما ينبغي التحرك لتحقيقه .. هو استيعاب
التقنيات الجديدة، من جانب الجيل الجديد في
الدرجة الأولى، ومن جانب كل من يمكن أن يوظف
هذه التقنيات الآن. ولا يفيد استيعابها
استيعابًا استهلاكيًّا، أي في حدود ما يقتصر
على كيفية توظيفها لتحقيق خدمة من الخدمات
الشبكية، بل ينبغي أن يكون استيعابًا
تطويريًّا استثماريًّا، أي يرتكز في الدرجة
الأولى على كيفية توظيفها لتطوير مجالات
استخدامها تطويرًا ذاتيًّا، وتلك إحدى
الميزات البالغة الأهمية للتقنية الشبكية
الحديثة، والتي تساهم إسهامًا رئيسيًّا في
كسر الصبغة " الاحتكارية " التي لا زمت
منجزات الحضارة الغربية منذ نشأتها.
لقد
كان التحذير من عواقب تبعيَّة اقتصادية أو
تقنية للغرب أو للشرق منتشرًا في كثير من
بلادنا قبل بضعة عقود، وكان الجواب في غالب
الأحيان هو " انتظار نتائج ما نخوض من تجارب
" .. وإهمال أصوات التحذير ودواعيه. ولم تعد
الطبقية الناجمة عن التفاوت في استيعاب شبكة
العنكبوت وتوظيفها أمرًا " مستقبليًّا
منتظرًا "، بل بدأت تلقي بظلالها وتصنع
العواقب المحتمة بسببها، كما أنها توفر عبر
تقنيات التواصل الحديثة إمكانية رؤية هذه
العواقب ومتابعتها عبر الحدود وعلى بعد
المسافات، فلا مجال لخوض تجارب جديدة، إنما
هو اتخاذ القرار والشروع في تنفيذه، فليس
المقصود بالخاسرين غدًا الجيل القادم الذي
نقصّر في الإعداد له، بل هم –علاوة على ذلك-
المقصرون اليوم في العمل الجاد لاستدراك ما
فات بالأمس القريب والبعيد.
|