|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
خطوة نحو الخارج أم انفتاح في الداخل؟!
الرباط-سليم بركاتقامت الحكومة التونسية يوم 7 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، بالإفراج عن 3200 سجين، ستمائة منهم من حركة النهضة. وقد اتُخذ القرار بمناسبة الذكرى الثانية عشرة لتولي الرئيس زين العابدين بن علي الحكم، الذي يصادف هذه المرة بداية ولايته الثالثة في رئاسة الجمهورية، إثر انتخابات "تعدّدية" فاز فيها بنسبة 99.44 % من أصوات الناخبين. وهذه هي أوّل مرّة يصدر فيها عفو عن مساجين سياسيين بهذا العدد منذ عام 1991، بالرغم من كثرة عددهم وأهمية الأصوات المنادية بالإفراج عنهم. كما أنّها المرة الأولى أيضا التي تُرفع فيها المراقبة الإدارية عن المفرج عنهم في قضايا سياسية. فقد درجت السلطات التونسية في عهد الرئيس الحالي، على فرض رقابة إدارية صارمة على كلّ من ينهي مدّة سجنه من الإسلاميين، وإلزامه بالتردّد على مراكز الشرطة للتوقيع، ما بين مرّة وثلاث مرّات في اليوم الواحد، والكشف عن كلّ تنقلاته في المدينة التي يسكنها. ويمكن اعتبار الإجراءين -أي الإفراج وإلغاء المراقبة الإدارية- خطوتين إيجابيتين في طريق رفع المظلمة عن الحركة وأعضائها، وعودة الحياة السياسية إلى تونس. بل إنّ هناك من ذهب إلى حدّ اعتبارهما انفراجًا فعليًا في الوضع السياسي للبلاد، وأنّ المجال مفتوح لتسوية وضع من تبقى من السجناء، وعودة المغتربين، بمن فيهم رئيس الحركة الشيخ "راشد الغنوشي". فما هي الأسباب الحقيقية التي دفعت إلى هذه الخطوة؟ وهل هي بداية حقيقية لانفراج سياسي تتهيّأ له البلاد، أم مجرّد محاولة لتلميع صورة الحكم والتخفيف من سوداوية الصورة التي نحتتها ممارساته السياسية خلال العقد الذي انقضى؟ لذلك، كان ضربهما أولوية أساسية، تساعد في تهيئة الأجواء لمرحلة ما بعد "بورقيبة". لكنّ تحقيق ذلك لم يكن عملاً سهلاً يتوقّف على قرار حكومي. لذا استغرقت عمليّة تفتيت قوى اتحاد العمال، وتشتيت قياداته نحو عشر سنوات. فقد وجّهت له ضربات قاسية وموجعة، أنهكت قيادته الشرعية. وتوّج مسلسل إنهاء اتحاد الشغل سياسيًا بمؤتمر عقد في مدينة "سوسة" عام 1989، تمكّن فيه الحكم من فرض من يريد في القيادة، وإخلاء سبيل الزعيم التاريخي للاتحاد "الحبيب عاشور" مقابل التزامه بالتخلي نهائيًا عن العمل النقابي.
في نفس السياق، كانت عملية إنهاك الحركة الإسلامية بالاعتقالات والمحاكمات تمضي في طريقها. فقد تمّت حملة واسعة عام 1981 ، استعادت الحركة بعدها قوّتها بسرعة، وانتهت بالإفراج عن القيادة المعتقلة بعد ثلاث سنوات. ويبدو أنّ مخطّط تفتيتها الذي كان جاهزًا سنة 1987 قد فشل في تحقيق أهدافه، بل إنّه أعطى للحركة الإسلامية فرصة الظهور كقوة سياسية فاعلة ومتغلغلة في مختلف أنحاء البلاد ومؤسسات المجتمع، فجاءت تنحية بورقيبة عن الحكم خيارًا لا بدّ منه لإنقاذ النظام القائم من السقوط، وتفويت الفرصة على القوى الوطنية.هكذا، جاء تغيير 7 نوفمبر 1987 الذي تولّى بموجبه الرئيس بن علي الحكم. وكان لا بدّ من إخراج الإسلاميين من السجون لكسب الرأي العام المتعاطف معهم، والإيحاء بأنّ عهدًا جديدًا قد حلّ لا علاقة له بالإرث البورقيبي. لكنّ هذه الحملة لم تستهدف فقط "حركة النّهضة" كتنظيم، بل شملت كلّ أوجه التديّن في البلاد. فقد كان بعض رجال السلطة من الماركسيين السابقين، يؤكّدون أنّ القضاء على الحركة لا يمكن أن يؤتي ثماره إلاّ بـ "تجفيف ينابيع التديّن". ووضعت خطّة مشهورة لهذا الغرض. ولأنّ منطق الاستبعاد لا يتوقّف عند حدّ، فإنّ السلطات اتجهت بعد محاكمات سنتي 1991 و1992 لأبناء حركة النهضة والمتعاطفين معها، إلى إسكات ما تبقّى من أصوات؛ فسلّطت الضغوطات على كلّ صوت في البلاد. وشمل ذلك حركة الديمقراطيين الاشتراكيين، وحزب العمال الشيوعي، ورابطة الدفاع عن حقوق الإنسان، وعدة أصوات أخرى علمية وثقافية. ولم يسلم من بطش المؤسسة الأمنية، حتى بعض ممثلي الهيئات الإعلامية والمنظمات الإنسانية الأجنبية المستقرّة في تونس. وهو ما جعل هيئات حقوق الإنسان العالمية تتحرّك وتنشر تقارير عمّا يجري في البلاد. حتّى أصبح ذلك مصدر إزعاج للسلطات، وشهادات لا يجد الحكم ما يردّ به عليها. لقد كانت تقارير منظمات حقوق الإنسان بالغة التأثير في التعريف بما يجري في تونس. فكان كبت حرية التجمع والتعبير من أشد الملفات إزعاجًا لمسئولي البلاد في الخارج.
لئن كانت تطوّرات الأوضاع الدولية تدعو السلطات التونسية إلى تغيير سلوكها السياسي، فإنّ غلبة المنطق الأمني عليها، منعها من تحقيق ذلك بالشكل المطلوب. لذلك، كانت تجربة الانتخابات الأخيرة، التي جرت يوم 24 أكتوبر الماضي، سواء الرئاسية منها أم التشريعية محاولة للتعامل مع هذه الضغوط الدولية.ومن المفيد هنا التعريف بالحزبين اللذين سمح بالترشيح للأمين العام في كل منها لانتخابات الرئاسة. فقد سبق لـ "محمد بلحاج عمر" -الأمين العام لحزب الوحدة الشعبية- أن طرح على الرئاسة عام 1989 أن ينضمّ مع كامل أفراد حزبه وهياكله إلى حزب "التجمع الدستوري الديمقراطي" الحاكم. وقيل له وقتها، إن الحكم يريدك أن تبقى في المعارضة. فبقي فيها تنفيذًا لأوامر واضحة. أمّا "عبد الرحمن التليلي" -الأمين العام للحزب الديمقراطي الوحدوي- فقد كان موضع الخبر الأوّل للتلفزيون التونسي عندما قدّمه للمشاهدين في نشرة الأخبار الرئيسية، وهو يقدّم لرئيس الدولة ورئيس الحزب الحاكم استقالته من الحزب. ثم أعيد المشهد في نشرة الأخبار بعد أقل من أسبوع، ليقال إنّه تقدّم بطلب الترخيص لحزب قومي. وقد تمّ ذلك عندما تحرّك نفر من القوميين لإنشاء حزب سياسي ينشطون من خلاله. فجيء بالرجل ليقطع عليهم الطريق. وقد طلبت السلطات من الرجلين، عند مفاوضتهما في الترشيح للانتخابات، تقديم تقارير وافية عن كلّ تحرّك يقومان به، أو دعم أو تشجيع يحصلان عليه، من أي مصدر. ورغم ذلك، لم يمنحا سوى نسبة ضئيلة لا تجاوز نصف في المائة من الأصوات. لقد كانت الانتخابات التونسية الأخيرة فرصة كشفت لكثير من وسائل الإعلام الأجنبية بعض ما يجري في البلاد. فاتجهت السلطات إلى التخفيف من وطأة ما حصل بالإفراج عن ستمائة سجين سياسي، معظمهم من الإسلاميين. لذلك فهمَ الملاحظون أنّ عملية إطلاق أولئك المساجين كانت موجّهة للاستهلاك الخارجي أوّلاً وأخيرًا.
وأصبحت الحركة الإسلامية في الجزائر رقمًا سياسيًا لا مجال للتفكير في شطبه. بل إنّ الساحة هناك ما زالت مفتوحة لمزيد من حركات "الإسلام السياسي". وسُجّل في المغرب ترحيب رسمي بدخول الإسلاميين حلبة العمل السياسي من خلال "حزب العدالة والتنمية"، الذي تمكّن من دخول البرلمان وإنشاء فريق برلماني. وتناقلت الأخبار مفاوضات تجريها السلطات العليا في البلاد مع "جماعة العدل والإحسان" لتنشط ضمن حزب سياسي شرعي، لكن قيادة الجماعة رفضت ذلك الخيار، مفضّلة الاحتفاظ برؤيتها الخاصة في هذا الجانب. وما زال العمل جاريًا رغم ذلك، لرفع الحصار عن مرشد الجماعة الشيخ "عبد السلام ياسين". أمّا اجتماعات مجلس الإرشاد ومختلف هياكل الحركة، فهي مستمرّة لم تتوقّف، تحت أنظار السلطة وسمعها. وفي موريتانيا هناك هامش محترم من الحرية يستطيع من خلاله الإسلاميون ممارسة أنشطتهم. عقلاء البلاد يؤكّدون أن الحكم سيجني من ذلك كثيرًا، دون أن يؤثّر على موقع الرجل الأوّل فيه، لأنّ مختلف الأطراف المعارضة، لا تطمح إلى الرئاسة، على المستوى المنظور على الأقل، وأنّ كلّ همّها حاليا هو أن تستعيد البلاد عافيتها. لكنّ بعض القريبين من الحكم، يقولون إنّ فهم ما يجري في تونس لا يمكن بحال فصله عن مصالح مهندسي الرؤية الأمنية الذين ليس لديهم ما يقدّمون سوى التخويف من انفتاح النظام سياسيًا، وأنّهم يدركون جيّدا أنّهم سيخسرون مواقعهم وامتيازاتهم لو جنح الرئيس بن علي إلى حلّ سياسي مع مختلف الفرقاء، وعلى رأسهم حركة النّهضة، لأنّ المنطق الذي سارت عليه البلاد خلال العشر سنوات الماضية، لا يمكن أن يصمد طويلاً، وأنّه لا يجلب للبلاد سوى الكوارث. ويؤكد الملاحظون أنّ الأسلوب الأمني لم يقضِ على المعارضة، ولم ينهِ حركة النّهضة، وإنّما دفع بها إلى التخفي. ورغم كلّ ذلك، فإنّ
أصوات الاحتجاج السياسي من الداخل لم تتوقّف لحظة، وإنّ تغيير السياسة الداخلية للبلاد أصبحت مطروحة بإلحاح، حتى من طرف أصدقاء الحكم في الدول المجاورة. هنا يتّضح المأزق الذي تعيش على وقعه السلطة التونسية، وتبحث لنفسها عن مخرج منه. لكن الطريق إلى ذلك ما زال غامضًا، بل غير محدّد حتى داخل السلطة نفسها. ويرجّح الملاحظون أن يتّجه الحكم خلال الفترة القادمة إلى فتح مفاوضات مع أطراف المعارضة، وعلى رأسها حركة النهضة، من أجل التوصّل إلى حلّ سياسي يضع حدا لحالة الاحتقان الحالية. وتُلمّح قيادة حركة النهضة وعدد من رموز المعارضة في الداخل والخارج، إلى أنّها مستعدة للتفاوض، وإحداث الإصلاح السياسي المطلوب تحت قيادة بن علي نفسه، لكن شريطة أن يكون ذلك بشكل جدي. وأولى الخطوات في ذلك -كما ترى قيادة النهضة- تحديد قناة محترمة في الاتصال، تحظى باحترام الحكم والمعارضة، سواء من داخل الحكم مثل "عبد الوهاب عبد الله" الناطق الرسمي باسم الرئاسة، أو إحدى الشخصيات الوطنية المشهود لها بالنزاهة.وتشدّد المعارضة على ضرورة استبعاد أيّ شخص مشبوه من هذه الاتصالات، إذا أريد لها أن تكون جدية. كما تُلمّح المعارضة إلى قبولها التدرّج في الحل، ولكن هناك خطوات أساسية على السلطة القيام بها، مثل إطلاق سراح المساجين، ورفع المضايقات الأمنية عن الناس. لقد كانت خطوة الإفراج عن السجناء، إشارة مشجّعة من الحكم، تلقفتها المعارضة بارتياح، ولكنّها تبقى بحاجة إلى إجراءات أخرى تؤكد جدية هذا التوجه. وإذا كان الحكم لم يبتّ بعد في الخطوات القادمة التي سيقوم بها لتعزيز هذا المكسب، وتلميع صورته، وطمأنة شركائه الاقتصاديين إلى أنّ البلاد غير مهدّدة في استقرارها السياسي، فإنّ هناك خطوات أخرى تبقى منتظرة. فهناك ملف حرية التعبير، وتمكين من أطلق سراحهم من المساجين من الشغل، وتمكين الناس من حرية ممارسة عباداتهم، بما فيها ارتداء الحجاب للنساء، ورفع الضغوطات عن المساجين وتقريبهم من ذويهم وإيقاف أشكال التعسّف ضدّهم، بانتظار الإفراج النهائي عنهم. إنّها خطوة أولى في طريق تتركّز أنظار كلّ التونسيين حولها، ولكنّ الجدية في التعامل عنصر أساسي يدعم الثقة بين الأطراف الفاعلة، أو يزيد في إضعافها. والأيام القادمة وحدها تستطيع أن تجيب عن التساؤلات الكثيرة المطروحة، لأنّ ما هو مطلوب من كلا الطرفين: الحكم والمعارضة، معلوم ولا يحتاج إلى كثير اجتهاد
14/11/1999
انظر:تونس: عفو عن 3200 سجين بينهم 600 إسلامي
|
|
|||||||
|
|||||||
|
كلمة الشيخ القرضاوي | شروط الخدمة | حقوق النشر محفوظة @ 1999 - 2008 إسلام أون لاين.نت |
|||||||