بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

حكومة التناوب المغربية.. فراغ يملؤه الإسلاميون

لندن - نور الدين العويديدي


أدخل تكليف العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني - لعبد الرحمن اليوسفي بتشكيل حكومة التناوب عام 1998م - المغرب في مسار بالغ الأهمية والتعقيد، يصوغ واقع البلاد ومستقبلها القريب والبعيد، ويترك آثاره على الساحة المغاربية والعربية عمومًا، من حيث هو نموذج لتجربة هامة، بالرغم مما يكتنفها من نواقص، وما وقعت فيه من أخطاء.

ويتناول هذا المقال حيثيات وصول تلك الحكومة إلى السلطة، وتأثير تلك الحيثيات على عمل الحكومة بعد ذلك. كما يتناول حالة الفراغ الذي تركته أحزاب المعارضة السابقة في الساحة السياسية المغربية بعد توليها السلطة، وخاصة في موقع المعارضة الذي دأبت على احتكاره على مدى أربعين عامًا، الأمر الذي استدعى تشكيل نمط جديد من المعارضة، بعضه من خارج الفضاء الرسمي. ويتطرق المقال أيضًا إلى تقويم حصيلة عمل حكومة اليوسفي، ومدى قدرتها على الحفاظ على حالة الاستقرار الذي تعيشه البلاد.

اقرأ في هذا المقال:

حيثيات وصول حكومة التناوب للسلطة

فراغ موقع المعارضة وتنامي التيار الإسلامي

أخطاء الحكومة وإشكالية العلاقة مع الإسلاميين


 

حيثيات وصول حكومة التناوب للسلطة

تعتبر تجربة "التناوب" (التداول على الحكم) في المغرب، التي انطلقت في شهر أبريل من عام 1998م، تجربة غير مسبوقة عربيًّا، وخاصة في العقود القليلة الماضية. وهي تجربة انتقلت فيها المعارضة السابقة من المقاعد التي جلست عليها قرابة الأربعين عامًا حتى أوشكت على الاهتراء، إلى مقاعد السلطة والحكم، وخرجت فيها أحزاب الحكم السابقة من دفء كراسي السلطة وصولجانها إلى مقاعد المعارضة، التي لم تألفها من قبل.

ومما لا شك فيه أن وجود حكومة "التناوب" في السلطة، وهي الحكومة التي جاء بها العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني، قبل نحو عام ونصف العام من وفاته، قد ساهمت بشكل فعَّال، بالإضافة إلى الدعم الخارجي العربي والدولي، في سلاسة انتقال السلطة من العاهل الراحل الحسن الثاني إلى نجله الملك محمد السادس، وحافظت للبلاد على قدر غير يسير من الاستقرار النسبي، الذي تعرفه المغرب منذ نحو عقدين من الزمن، وذلك بعد نجاح الملك الراحل في اجتياز عقد السبعينيات المضطرب، الذي شهد محاولتي انقلاب فاشلتين، كاد الملك الراحل يدفع فيهما حياته ثمنًا لملكه.

لقد جاءت حكومة التناوب إلى السلطة في عام 1998م، إثر انتخابات عام 1997م البرلمانية، التي فاز فيها حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالموقع الأول بين الأحزاب المغربية، ولكن بحصيلة غير كافية بالنسبة له ولأحزاب الكتلة الديمقراطية مجتمعة، التي يعتبر الاتحاد الاشتراكي أبرز حزب فيها؛ لتشكيل حكومة أغلبية. فقد شهد عقد الثمانينيات والتسعينيات بلقنة (تفتيتًا) متعمدة للساحة السياسية المغربية، الأمر الذي جعل من المستحيل على حزب أو مجموعة متجانسة من الأحزاب أن تحصل على الأغلبية البرلمانية وتشكل بعد ذلك حكومتها. كما لعب تزوير الانتخابات وتوظيف المال في إفساد العملية الانتخابية دورًا كبيرًا في الحيلولة دون حصول تيار ما أو كتلة حزبية على الأغلبية النيابية التي تمكنها من تشكيل الحكومة.

وبالرغم من ارتفاع صوت الأحزاب السياسية، وخاصة أحزاب الكتلة الديمقراطية، التي تضم أحزاب اليسار، بالإضافة إلى حزب الاستقلال، ذي الأصول الإسلامية، التي تحللت بفعل الزمن وانحراف الممارسة السياسية، ضد التزوير، فإن تلك الأحزاب وجدت نفسها مضطرة للتعايش مع بلقنة الحياة السياسية، ومع التزوير الانتخابي، واستفاد بعضها منه، في ظل التحولات السياسية التي بدأ يعرفها المغرب مع مطلع عقد التسعينيات.

وبالرغم من الفتور التقليدي في العلاقة بين القصر الملكي، الفاعل الأول والأساسي في الحياة السياسية المغربية، وأحزاب اليسار، التي عرفت بعدائها السافر للملكية في نهاية عقد الستينيات وشطر من عقد السبعينيات، بدأت المواقف تتغير بشكل تدريجي وتبادلي في نفس الوقت بين القصر وتلك الأحزاب. فقد نشأ تغير في المواقف لدى القصر الملكي ولدى أحزاب الكتلة الديمقراطية، صنع نوعًا من التقارب بين الطرفين، وسمح لأحزاب الكتلة بالحصول على الموقع الأول في انتخابات نهاية عام 1997م البرلمانية، وجعل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، يحصل على الموقع الأول بين الأحزاب السياسية، من حيث عدد المقاعد.

ولكن تلك النتيجة جعلت البعض يشكك في خلفيات هذا التقارب، ويشير من طرف خفيِّ إلى نوع من المحاباة الخاصة، التي لقيها هذا الحزب في تلك الانتخابات. وقد تفجّر ذلك بوضوح حين عمدت وزارة الداخلية، إلى التأثير على الانتخابات في عدد من المقاعد لصالح مرشحين تابعين للاتحاد الاشتراكي، ورَفْض اثنين من مرشحي الحزب في مدينة الدار البيضاء، كبرى المدن المغربية، الفوز الذي أسند إليهما، قائلين إنهما لن يقبلا أن يكونا نائبين مزوَّرَيْن، وهو الأمر الذي كشف تأثيرًا غير مألوف على نتائج الانتخابات، تقوم فيه وزارة داخلية عربية بمحاباة حزب معارض.

عمليات التقارب بين أحزاب اليسار والقصر الملكي، وحصول حزب الاتحاد الاشتراكي على الموقع الأول بين الأحزاب المغربية، جعلت العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني يكلف في شهر فبراير من عام 1998م عبد الرحمن اليوسفي الأمين لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بتشكيل حكومة عرفت في المغرب باسم حكومة "التناوب"، تتكون من سبعة أحزاب من أحزاب الكتلة الديمقراطية ومن بعض أحزاب الوسط.

إلا أن تشكيل هذه الحكومة، في ظل انتخابات لم تحصل فيها المعارضة السابقة على الأغلبية البرلمانية، جعل أحزاب الكتلة تقبل في عام 1998م بما كانت قد رفضته عام 1992م، ألا وهو تشكيل حكومة لا تملك فيها السيطرة على عدد من وزارات السيادة، وعلى رأسها الخارجية والداخلية والعدل والأوقاف والشؤون الدينية. وكان العاهل المغربي الراحل قد اقترح عام 1992م في أعقاب حرب الخليج الثانية على أحزاب الكتلة الديمقراطية تشكيل حكومة مكونة في غالبيتها من أحزاب المعارضة، على أن يعيِّن هو بنفسه وزراء السيادة من شخصيات مستقلة أو أحزاب يختارها هو بنفسه، إلا أن أحزاب الكتلة رفضت ذلك العرض.

والمشكلة أن قبول اليوسفي بما كانت أحزاب الكتلة قد رفضته في السابق جعل حكومته تجد نفسها فاقدة في كثير من الأحيان للقدرة على المبادرة والفعل، بما يمكنها من تحقيق برنامجها السياسي، الذي دأبت على الترويج له وتعبئة الرأي العام من حوله طوال أربعين عامًا، كانت فيها في موقع المعارضة.

وبالإضافة إلى كل تلك الحيثيات لعب عاملان هامان دورًا بالغ الأهمية في مزيد التأثير على أداء حكومة اليوسفي، أولهما شخصية الملك الراحل القوية، واستئثاره بدور كبير في تسيير شؤون الدولة، الأمر الذي يجعل الحكومة مجرد صورة تكاد تكون مفرغة من المضمون أمام دور الملك، وثانيهما شخصية وزير الداخلية السابق إدريس البصري، الذي كانت وزارته تعرف في المغرب باسم أم الوزارات، بسبب تدخلها في عمل كل وزارة. وقد كان البصري رجل الملك في الحكومة، الأمر الذي أعطاه صلاحيات واسعة أوسع من صلاحيات رئيس الحكومة، بل جعلت منه رئيسًا للوزراء من دون تاج رسمي.

ولكن من حسن حظ حكومة اليوسفي أنه لم يكد يمضي عام وبضعة أشهر عن تشكيل حكومة التناوب حتى عاجل الموت الملك الحسن الثاني، ليخلفه نجله محمد السادس على عرش البلاد في نهاية شهر يوليو من العام الماضي. ولم تكد أشهر تمرُّ على الحكم الجديد حتى قام محمد السادس بإقالة الوزير البصري. وبفعل جدة محمد السادس على الحكم، وغياب البصري عن أم الوزارات، تنفست حكومة اليوسفي الصعداء وصار بإمكانها أن تمارس على أرض الواقع شطرًا من صلاحياتها، ولكن من دون أن تتمكن من تسيير كل شؤون الحكم كما تشاء؛ إذ هي قبلت من البداية أن تكون حكومة بصلاحيات محدودة.


 فراغ موقع المعارضة وتنامي التيار الإسلامي

أحدث دخول أحزاب الكتلة الديمقراطية للسلطة فراغًا هائلاً في مقاعد المعارضة، فقد كانت المعارضة اليسارية تملأ موقعها بجدارة، مرفوقة بحزب الاستقلال، الذي كان موقفه يتراوح بين المعارضة حينًا والمشاركة في الحكم حينًا آخر، واستطاعت خلال سنين طويلة أن تحشر أحزاب اليمين التي هي في معظمها صنيعة القصر الملكي ووزارة الداخلية في عهد الوزير إدريس البصري، في زاوية حادة. فبفعل سيطرة اليسار على كثير من قطاعات المجتمع المؤثرة مثل القطاعات الإعلامية والنقابية والطلابية والنخبوية مثل اتحاد الكتاب ونقابة الصحفيين وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني لسنين طويلة، نجحت المعارضة باستمرار في تعبئة الرأي العام ضد أحزاب القصر وضد حكمها.

وكانت تلك التعبئة، التي تتم في أجواء اجتماعية متَّسِمة بالبطالة المتنامية والفقر المتزايد، تهدد المغرب بانفجارات اجتماعية غير محسوبة. وهو الأمر الذي جعل العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني، وهو سياسي محنَّك وصاحب نظرة مستقبلية، يدرك جيدًا خطورة تأثير خطاب المعارضة اليسارية وحزب الاستقلال، التي انضوت منذ نهاية الثمانينيات في إطار تنسيقي سُمِّي الكتلة الديمقراطية، ويدرك خطورة استمرار الاستقطاب بينها وبين أحزاب الحكومة، على الاستقرار الهش الذي يعيشه المغرب.. كل هذا جعل العاهل المغربي يقترح منذ عام 1992م تشكيل حكومة من أحزاب المعارضة، وذلك من أجل امتصاص غضب الشارع، وتجاوز حالة الاستقطاب الحاد بين الحكم والمعارضة، ووضع المعارضة اليسارية أمام امتحان ممارسة الحكم، حتى لا تظل مستفيدة من أخطاء الحكومة ومن الأزمات التي تتكون من حولها.

إلا أن عرض التناوب الأول قد فشل، إثر اشتراط أحزاب الكتلة أن تشكل الحكومة كاملة من منتسبيها،  ولكن فشل العرض الأول لم يمنع الملك الحسن من تكرار العرض، في ظروف جديدة، تغيّرت فيها قناعات أحزاب الكتلة فقبلت بتشكيل حكومة من دون وزارات السيادة الأربع المشار إليها آنفًا.

أما بالنسبة لأحزاب الحكم السابق أو ما يعرف بأحزاب اليمين فقد فشلت فشلاً ذريعًا في ملأ الفراغ الذي تركته أحزاب الكتلة في موقع المعارضة، فمعلوم أن تلك الأحزاب قد ولدت في أحضان السلطة، وخبرتها السياسية مستمدة من تجربتها في الحكم.. أما الجلوس في مقعد المعارضة فهو مهمة غير مألوفة بالنسبة إليها، وصعب التأقلم معها، فضلاً عن أنها تحتاج إلى وقت طويل حتى تتمكن تلك الأحزاب من تكوين هيئاتها ومؤسساتها في رحم المجتمع بما يمكنها من لعب دور معارض يحاصر السلطة ويضيق الخناق عليها.

فباستثناء بعض الصحف الباهتة التي تصدرها أحزاب الحكم السابقة، وهي صحف لا تجد اهتمامًا من الرأي العام المغربي، وباستثناء الدور الذي لعبه بعض رجال الأعمال الذين لهم علاقات قديمة مع تلك الأحزاب، من الذين استفادوا منها في فترة وجودها في الحكم، والذين أزعجوا الحكومة الجديدة من خلال سحب أرصدتهم من البنوك، لم يكن لأحزاب الحكومة السابقة من دور يُذْكر في الساحة السياسية.

ولكن لأن الطبيعة تكره الفراغ، فقد ظهرت قوى جديدة قدّمت نفسها لملأ المقعد الشاغر: مقعد المعارضة، وأعني هنا الأحزاب والتنظيمات الإسلامية، وهي القوى التي كانت خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات آخذة في النمو بشكل تدريجي، إلا أنها كانت محجوبة عن سطح المشهد السياسي، الذي كانت تحتكره في السابق بشكل كبير أحزاب اليسار والكتلة الديمقراطية. وتتمثل القوة الإسلامية الصاعدة بشكل مجمل في جماعتين عريضتين هما: جماعة التوحيد والإصلاح التي يقودها الدكتور أحمد الريسوني، ويتبعها حزب العدالة والتنمية الممثل في البرلمان بـ14 مقعدًا نيابيًّا، وجماعة العدل والإحسان، التي يقودها الزعيم ذو المسحة الصوفية والنضالية الشيخ عبد السلام ياسين.


أخطاء الحكومة وإشكالية العلاقة مع الإسلاميين

أتيحت لحكومة التناوب فرصة تاريخية نادرة للعمل، وذلك أنها كانت لفترة هامة تجد نفسها من دون معارضة حقيقة، فالمعارضة المشكلة من أحزاب الحكومة السابقة، والمعروفة بأحزاب اليمين، معارضة مشلولة، وفي أحسن الأحوال فهي لا تزال في مرحلة التعرُّف على البيئة الجديدة التي فرض عليها العمل فيها، وبالتالي فهي غير ذات تأثير على عمل الحكومة.

أما التيار الإسلامي فإن نصفه، أو لنقل شقًّا هامًّا منه قد اختار منذ البداية مساندة الحكومة من خارجها. وأما من جهة العراقيل التي تواجه الحكومة من داخلها فقد أتم الملك محمد السادس تمهيد البساط أمامها بإزالة عقبة كبيرة هي عقبة الوزير القوي السابق إدريس البصري، وذلك حين قام بعزله يوم 9 نوفمبر من عام 1999م.

بالرغم من توفر الأجواء المناسبة للعمل، لم تنجح الحكومة في الاستفادة من ذلك، بل وقعت في أخطاء أفسدت ما توفر لها من ظروف مثالية للعمل. وقد واجهت حكومة اليوسفي تحديًّا مزدوجًا، فمن جهة تجد نفسها في مواجهة خطابها الذي دأبت على ترديده طوال أربعين عامًا، وتعبئة الرأي العام من حوله، ووجدت نفسها مجبرة على مخالفته والسير في طريق مناقض له.. فقد كان خطابها كعادة الخطاب اليساري المعروف يركز على الأبعاد الاجتماعية في أي خيار اقتصادي، ولكنها على العكس من ذلك الخطاب، ارتهنت ممارستها لـ"احتياجات" الواقع من حولها في ظل أجواء العولمة والاتجاه نحو الخصخصة، وهو ما جعلها تسير في الاتجاه النقيض لما كانت تبشر به، فتوغل في تنفيذ برامج الخصخصة، وتتسبب في تسريح الآلاف من العمال.

ومن الجهة الأخرى، تواجه الحكومة المشكلات والمطالب الاجتماعية التي شهدت تناميًا متسارعًا في السنوات الأخيرة، ساهم في رفع وَتِيْرتها برنامج الخصخصة وفسحة الحرية السياسية النسبية التي جاءت بها الحكومة الجديدة؛ إذ تزايدت الإضرابات النقابية، وتشكلت هيئات للدفاع عن خريجي الجامعات من البطالين وغيرهم. وبسبب عجز الحكومة عن تقديم أشياء محسوسة للشرائح الاجتماعية الضعيفة تقلصت شعبيتها بشكل كبير، وصب ذلك مزيدًا من المياه في طواحين المعارضة الإسلامية الصاعدة، التي استفادت كثيرًا من الفراغ السياسي في مقعد المعارضة، كما استفادت من تراجع قدرة اليسار على التعبئة، وانكشاف مدى عجزه عن تنفيذ وعوده، التي عاش على ترديدها نحو نصف قرن.

وزيادة على الفشل الاقتصادي والاجتماعي للحكومة، وهو ما يستفيد منه الطرف الإسلامي بشكل واضح، وقعت حكومة عبد الرحمن اليوسفي بإرادتها في أخطاء زادت من أزمتها، ودفعت حدة الاستقطاب بينها وبين التيار الإسلامي إلى درجة متقدمة، بعد أن كان شطر من هذا التيار يقف مساندًا لها من دون أن يشارك فيها.

من بين تلك الأخطاء طرح الحكومة لما عرف بـ"الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية"، وهي خطة لا تعتبر جوابًا واقعيًّا عن مشكلات واقعية يعيشها المغرب، وتعاني منها المرأة المغربية، بقدر ما تعتبر استجابة لتطلعات ايديولوجية مولعة بتقليد الغرب، أو استجابة لضغوط وإملاءات خارجية.. كل ذلك جعل قطاعات واسعة من المجتمع المغربي، تشمل التيار الإسلامي الحديث، والقوى التقليدية المحافظة، وكل الرافضين للتناول التغريبي لموضوع المرأة، تقف صفًّا واحدًا في مواجهة الحكومة وخطتها الممولة من قبل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

وقد برز الاستقطاب بحدة في موضوع الخطة المشار إليها بشكل جَليٍّ حين نزل أنصار الخطة وخصومها للشارع للاستقواء به على الطرف الآخر؛ إذ نزل أنصار الخطة في العاصمة الرباط، ونزل خصومها إلى الشارع في مدينة الدار البيضاء. وقد كان موقف الشارع حاسمًا في الانحياز إلى خصوم الخطة، الذين تمكنوا من جمع ما يقرب من مليون متظاهر، في حين كان أنصار الخطة لا يتجاوزون بعض الآلاف، وذلك بالرغم من الدعاية الواسعة لمسيرتهم في أجهزة إعلام الدولة، مثل الإذاعة والتلفزيون وصحف أحزاب اليسار واسعة الانتشار.

يُذْكر أن تبني الحكومة لـ"خطة إدماج المرأة في التنمية" واستماتتها في الدفاع عنها قد كان سببًا لخلافات حادة في شأن الموقف من الخطة حتى داخل حزب رئيس الوزراء عبد الرحمن اليوسفي، فقد شارك أعضاء قياديون في المكتب السياسي وفي مختلف مؤسسات حزب الاتحاد الاشتراكي في مسيرة الدار البيضاء، محتجين على تبني حزبهم للخطة المذكورة، التي نجح الإسلاميون في تعريتها وتصويرها خطة لإفساد المرأة، وليس دمجها في التنمية.

من ناحية أخرى فبالإضافة إلى فشلها في الميدانَيْن الاقتصادي والاجتماعي وفتحها لمعارك ليست في حاجة إليها، يخشى أن تسقط حكومة اليوسفي في امتحان توسيع دائرة الحريات الذي بشرت به طويلاً، فهي بين أن تسمح للتيار الإسلامي بحرية النشاط أسوة بغيره من القوى السياسية المغربية، وهنا تخشى الحكومة أن يزيد هذا التيار من شعبيته، مستفيدًا من أجواء الحرية النسبية، وهو ما سيكون على حساب أحزاب الحكومة. وبين أن تضيِّق عليه الخناق، وهو ما سيقود إلى تضييق فضاء الحريات جملة، وهو الفضاء الذي نجح أداؤها في توسيعه بالقياس إلى الحكومات السابقة، وأيضًا بالقياس إلى أدائها في الميدانين الاقتصادي والاجتماعي، ويخشى هنا أن تحصل انتكاسة في الميدان الوحيد الذي تحققت فيه بعض النجاحات.

ومن المفارقات التي تواجهها الحكومة في هذا الميدان أنها في علاقتها بالتيار الإسلامي تمشي على شفرة سيف حاد.. فإما أن تقلص من مبررات وجودها في الحكم، بتضييق الفضاء السياسي وفضاء الحريات، وهو ما سيجعلها مثل الحكومات السابقة حكومة أمر واقع بلا مشروع يميزها. وإما أن تفتح المجال السياسي أمام نشاط الإسلاميين، وهذا ليس من الأشياء المضمونة العواقب، فهذا التيار الزاحف سيستفيد من ذلك كثيرًا، واستفادته ستكون بالضرورة - ولو مؤقتا - على حساب شعبية أحزاب الحكومة.

في مواجهة هذه "الورطة" نرى أن أحزاب اليسار تحاول أن تلعب اللعبة بطريقة أخرى تضمن لها الحسنيين معًا؛ فهي تريد أن تضع رجلاً في السلطة وأخرى في المعارضة، ففي الوقت الذي يقود فيه عبد الرحمن اليوسفي الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي حكومة التناوب، يحاول نوبير الأموي الأمين العام للكونفيدرالية الديمقراطية للشغل - وهو منتسب لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية - أن يكون قائدًا للمعارضة الاجتماعية.

ولكن المشكلة أن الجلوس بين الكراسي في غاية الصعوبة، وهي تجربة يمكن أن تنجح، كما يمكن أن تؤدي إلى انقسام داخل أبرز أحزاب الحكومة إلى جناحين: أحدهما مدافع عن المشاركة في الحكم، والثاني معارض له بحدة. والخطورة تكمن في أن الزمن إما سيقود تلك الانقسامات إلى التعمق، أو سيفقد نقابة الحزب مصداقيتها أمام قواعدها إن هي رجحت الحسابات السياسية على مصالحهم.

 

 

اقرأ أيضًا:  

الحركة الإسلامية المغربية .... تحديات التحول إلى المشاركة السياسية      

الأزمة السياسية بالمغرب وخيارات الإسلاميين     

قريبًا.. تعديل وزاري في المغرب        

انقسام واسع في المغرب حول "إدماج المرأة في التنمية"        

تعيينات واسعة للقيادات في أقاليم ومحافظات المغرب        

27% من سكان المغرب عاطلون       

بيــان حركة التوحيد والإصلاح المغربية حول ما سُمِّي بـ "مشروع خطة العمل الوطنية لإدماج المرأة في التنمية " - رمضان 1420هـ - يناير 2000م  

 

قضايا سياسية

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع